الدرس السابع:(25-نرى أن الجماعة التي تضم الرافضي والشيعي والصوفي والسني غير قادرة على مواجهة الأعداء ... فإن دعوتنا من الكتاب والسنة إلى الكتاب والسنة وهكذا العقيدة وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله ).
يتناول الشيخ التحذير من التحزب والتفرق في الجماعات التي تدعي نصرة الإسلام، ويبين أن هذا التحزب يؤدي إلى الخلل والتناحر. كما يشير إلى أن علماء أهل السنة والجماعة يدعون الناس إلى دين الله ولا يحرصون على الكراسي أو المناصب.
يشرح المقطع موقف أهل السنة والجماعة من ولاة الأمور، حيث يحبونهم بقدر ما فيهم من خير ويبغضونهم لما فيهم من شر. كما يشدد على ضرورة التفريق بين الفعل والفاعل عند الحكم على الحكام، وعدم تكفيرهم لمجرد فعل كفري إذا كان هناك عذر أو شبهة.
أضاف الشيخ أن من أصول دعوته البراءة من التعددية الحزبية والانتخابات والمظاهرات والديمقراطية. كما يتناول المقطع موقف أعداء الدعوة عبر التاريخ، حيث واجه الأنبياء والرسل العداء من قبل قومهم، وأعداء الدعوة في العصر الحديث يظهرون العداء للدعوة السلفية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشيخنا رحمه الله تعالى: نرى أن الجماعة التي تضم الرافض والشيع والصوف والسني غير قادرة على مواجهة الأعداء؛ لأن هذا لا يكون إلا بأخوة صادقة واتحاد في العقيدة. يشير شيخنا رحمه الله إلى ما عليه بعض الجماعات التي تدعي نصرة الإسلام، فتكون لفلفة لفيفا من عقائد مختلفة ومذاهب متعددة، ويزعمون أنهم يجتمعون لنصرة الإسلام. وهؤلاء لا شك أولا عندهم ولاء وبراء ضيق لتلك الجماعة والحزب. وقد تقدم أن هذا من التفرق المذموم والتحزب المنهي عنه. أضف إلى ذلك أن اجتماع هؤلاء على هذا سبب لحصول الخلل في جوانب كثيرة والتناحر. ولذلك صارت الكثير من تلك الجماعات جماعات مخترقة. فحزب الإخوان يخترق من الأحزاب العلمانية؛ لأن المسألة مسألة ماذا؟ أكثرية، هم يريدون أكثرية، يدخل معهم، والأحزاب العلمانية تخترق من الأحزاب الإسلامية. وهذا واقع. وفي النهاية لا تسأل عن الفتن وسفك الدماء وحصول الصراعات الداخلية والخارجية التي نهايتها شر للإسلام والمسلمين. وفي الحذر والتحذير من هذا التحزب والتفرق سلام أهل الإسلام والمسلمين. كما تقدم يجتمع أهل الإسلام على ولي أمرهم، ويتعاونون على البر والتقوى، ويتواصون بالحق، فيصلح الله عز وجل بهم العباد والبلاد. فإن لم يستجب الناس بمثل هذه النصائح، فلا نكثر سواد أهل الباطل، كما جاء في الحديث: نعتزل تلك الفرق كلها، لا نكثر سواد أهل الباطل. نسير على طريقة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. نعم، كما تقدم معنا هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. بل وللأسف بعض هذه الجماعات والأحزاب التي تنتسب للإسلام صار أعداء الإسلام يستخدمها في ضرب الإسلام. ولا أدل على ذلك نصرة أعداء الإسلام لهذه الجماعات، وإيواءها في بلادها، ودعمها بجميع أنواع الدعم. وما ذلك إلا قليل من كثير مما يدلك على ما يستفيده أعداء الإسلام من هذه الجماعات. والساحة كما يقال السياسية اليوم تؤكد وتشهد بذلك. انظروا إلى ما يدور في بلاد الربيع العربي، تناقضات عجيبة تؤكد لك وتبرهن كيف يستخدم أعداء الإسلام هذه الجماعات في ضرب المسلمين. وأعظم من هذا إيجاد التناحر داخل الجماعة الواحدة وداخل البلد الواحد؛ حتى يشغلوا المسلمين بعضهم ببعض، فيهلكوا بعضهم بعضا. وهذا الذي يريده أعداء الإسلام. ومن أعظم قواعدهم: فرق تسد. فهم دائما يحرصون على التفريق، فيخترقون هذه الجماعات، ويستخدمونها، وتكون كالسلم يصعدون ويصلون بها إلى ما يريدون. ويستخدمونهم في أوقات محدودة، ثم يرم بهم إلى الزبائل، ويستعاض بهذا غيرهم. وللأسف الكثير من المسلمين لا يفقه ذلك ولا يعقل هذا. والموفق من وفقه الله، والمعصوم من عصمه الله. وليت هؤلاء يخرجون بسلام في دينهم ودنياهم. بل وللأسف من سلم منهم فخرج حيا، يخرج وقد تلوث بأنواع من الحقوق: إما دماء، إما أموال، إما أعراض، إما غير ذلك من الحقوق الكثيرة التي بغى وطغى فيها. فإن لله وإن إليه راجعون. قال رحمه الله تعالى: ننكر على من كابر وزعم أن الدعاة إلى الله وهابي عملاء. ونعلم قصدهم الخبيث: أنهم يريدون أن يجعلوا بين العامة وبين أهل العلم حاجزة. هذه تهمة من تهم كثيرة يتهم بها العلماء؛ لينفر الناس عن هؤلاء العلماء. وإلا فمن دعا الناس من كتاب الله إلى كتاب الله، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سنة رسول الله، وخاطب الناس بالحجج والدليل والبرهان، كيف يتهم بمثل هذه التهم؟ ولكن هذا ما يريد أعداء الدين حين يريدون التنفير عن أهل الحق. ولا يخف علينا كيف اتهم الرسل عليهم الصلاة والسلام، حتى نبينا عليه الصلاة والسلام قيل عنه: كاهن، قيل: ساحر، قيل: شاعر، قيل: مجنون، وغير ذلك من أنواع التهم. ما المقصود منها؟ تنفير المجتمع من دعوته عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك الناس في هذا الزمان يتهمون علماء أهل السنة والجماعة بأنواع التهم بدون حجة ولا برهان، ويريدون بذلك تنفير المجتمع من الخير الذي عندهم؛ لعلمهم أن هذا هو الذي ينفع الله عز وجل به العباد والبلاد. ولكن بفضل الله هذه الدعايات دعايات لا تنطلي إلا على من ليس عنده خلاق. وأما من وفقه الله بشيء من العلم والحلم والدين، فإنه يعرف ويفرق بين الحق والباطل، والطيب من الخبيث، والنافع من الضار. وكذلك طريق أهل الاستقامة من طريق أهل العوجاج. فعلماء أهل السنة والجماعة لم يدعوا الناس لأنفسهم، ولم يحرصوا على الكراسي، ولم ينافسوا في دنيا. بل يدعون الناس إلى دين الله، لا يرجون ولا يسألون في ذلك جزاء ولا شكورا. على العكس يبذلون من أوقاتهم وأموالهم وأنفسهم لله، وابتغاء مرضات الله سبحانه وتعالى. لا يعرف لهم معين لا من الداخل ولا من الخارج إلا أن يعينهم الله عز وجل، ويسر من إخوانهم من يأخذ بيده معهم. وإلا فلا يخفى على المنصفين أن علماء أهل السنة والجماعة من أبعد الناس عن السلاطين وأبواب الأمراء، ومن أبعد الناس عن الكراسي وعن المناصب، ومن أبعد الناس عن أرباب الأموال، ومن أبعد الناس عن الجاه وغير ذلك مما يتنافس عليه الناس. فهم لا يريدون من الناس إلا أن يسمعوا قال الله وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا يريدون من الناس إلا أن يعملوا بما في كتاب الله وما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. لا يرجون بذلك إلا ما عند الله سبحانه وتعالى. وهذا فضل من الله سبحانه وتعالى. ولهذا بفضل الله عز وجل وفق الله الكثير من الناس لهذه الدعوة المباركة، فأخذت بقلوبهم، وأخذوا بهذا الطريق الحق؛ لعلمهم بصدق أهله. قال رحمه الله: دعوتنا وعقيدتنا أحب إلينا من أنفسنا وأموالنا وأبنائنا. فلسنا مستعدين أن نبيعها بالذهب والورق. نقول هذا حتى لا يطمع في الدعوة طامع، ويظن أنه يستطيع أن يستميلنا بالدرهم والدينار. على أن ذوي السياسة يعلمون عنا هذا. من أجل هذا فهم آيسون من أن يطمعوا بمناصب أو بمال. وهذا من فضل الله على أهل هذه الدعوة المباركة. فأهل هذه الدعوة المباركة لم يحرصوا على دينار ولا درهم كما حصل لغيرهم، فانصرفوا عن هذا الطريق. ولا على منصب وكرسي كما انصرف الكثير عن الطريق. بل لم يزالوا ولا يزالوا في طريق الدعوة والتعليم والتوجيه والتربية والنصح والتواصي بالحق. فنفع الله عز وجل بهم العباد والبلاد. وشواهد الحق على ذلك كثيرة، والحمد لله. هذه الدور والمراكز الكثيرة التي نفع الله عز وجل بها العباد والبلاد من أدل الدلائل على ذلك. فهم لم ينافسوا في سياسات، ولم يحرصوا على مناصب، ولم يزاحموا على دنيا بفضل الله سبحانه وتعالى. حسبهم أن يستمروا في طريق الدعوة والتعليم، لا يؤذيهم أحد ولا يصرفهم أحد. ونسأل الله عز وجل أن يرد كيد الكائدين في نحورهم، وأن يخرج أهل السنة والجماعة سالمين غانمين، ويرد بأس الظالمين بعضهم في بعض، ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين. قال رحمه الله تعالى: الحكومات نحبها بقدر ما فيها من الخير، ونبغضها لما فيها من الشر. وهذا هو الواجب الشرعي. حتى المسلم يحب ويبغض بقدر تحقيقه للإسلام وبعده عنه. ولا يعني ذلك الخروج عليهم أو تكفيرهم. ولهذا عقب فقال رحمه الله: ولا نجيز الخروج عليها إلا أن نرى كفرا بواحا عندنا فيه من الله برهان، بشرط أن نكون قادرين، وإلا، وأن لا تكون المعركة بين المسلمين من الجانبين. فإن الحكام يصورون الخارجين عليهم بصورة المخربين المفسدين. وثمت شروط تراجع من كتبنا الأخرى. وقد تقدم معنى التنبيه على هذا الأمر وهذه المسألة. فأهل السنة والجماعة يدعون الناس إلى طاعة ولاة أمورهم بالمعروف، ويرون أن من يزع يدا من طاعة فمات ميتة جاهلية. ليس مجاملة للحكام؛ لأنهم أبعد الناس عن الحكام، ولكن طاعة لله ورسوله، وحفظا لأمن العباد والبلاد. فصبر المسلمين على المسلم الفاسق خير لهم من الفتن التي يجرها الخروج على ولاة أمور المسلمين. وهذا لا يخفى. وقد ذكر شيخ الإسلام وغيره من العلماء أنه لم تخرج طائفة على إمام إلا وكان الشر من خروجهم أشد مما هم عليه من شر ما داموا مسلمين، ولو كان عندهم ما عندهم من الفسوق. فإن ظهر الكفر البواح، وكان فيه من الله برهان كما صحت به السنة، فيجوز الخروج عليهم بشرط القدرة وعدم حصول المفسدة. فإذا لم تكن قدرة ولم تتحقق المفسدة، فعند ذلك لا يجوز الخروج حتى على الولي الكافر. وانظروا كيف هاجر النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، وأمر بالهجرة الأولى قبل ذلك. ولهذا قال من قال من العلماء بأمر بعض الشعوب بالهجرة؛ لما كانوا غير قادرين على تغيير ما هم عليه من حال. فمراعاة المصالح من المفاسد والمحافظة على الدين وعدم حصول سفك الدماء أمر مطلوب. دلت عليها دلائل الكتاب والسنة الكثيرة. قال رحمه الله: نقبل التوجيه والنصح ممن وجهنا، ونعلم أننا طلبة علم، نصيب ونخطئ، ونجهل، ونعلم. وهذا من تواضعه رحمه الله. وهكذا علماء أهل السنة: ليس أحد أرفع من النصح، ولا أعلى من التوجيه. بل هذا من كمال الإنسان: كمال المرء أن يرضى نصح غيره، وأن يقبل مشورة غيره. وديننا يأمر بذلك. فكونك تستعين بإخوانك وتستشيرهم وتستفيد من توجيهاتهم خير لك من أن تصر على باطل وخطأ. ومع ذلك لا يعني أن يكون الإنسان ضعيفا فيكونوا ألعوبة لأهل الأهواء. وإنما المقصود: من أتى بحجة وبرهان قبل منه حجته وبرهانه. قال رحمه الله: نحب العلماء أهل السنة المعاصرين، ونرغب في الاستفادة منهم، ونأسف لجمود كثير منهم. وهذه لمحة من الشيخ رحمه الله إلى ما ينبغي أن يكمل السني نفسه وغيره من الاستفادة من علم الآخرين. حتى ولو كان من العلماء المعاصرين. فالحكمة ضلت المؤمن. وفي نفس الوقت ينبه الشيخ رحمه الله إلى خطأ بعض من ينتسب إلى العلم حين بقي على جموده، وأصر على رأيه، وربما صار من المقلدين. فهذا حرم نفسه وغيره خيرا كثيرا. ولهذا كان التقليد مذموما في نصوص الكتاب والسنة وكلام أئمة. ولا يقلد إلا ناقص. قال رحمه الله تعالى: لا نقبل الفتوى إلا بدليل من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم الثابتة؛ لأن هذا الذي أمرنا الله به في نصوص الكتاب والسنة: اتبعوا ما أنزل إليكم ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء، قل هات برهانكم إن كنتم صادقين. قال: ننكر على المسؤولين وغيرهم زيارة قبر لينين وغيره من زعماء الإلحاد للتعظيم. ومع ذلك لا يكفر المسؤولين إذا فعلوا مثل هذا؛ فليس كل من فعل الكفر كافر، فضلا أن يكون هناك شبهة. فننتبه لهذا؛ لأن بعض الناس كفر بعض حكام المسلمين لوقوعهم بمثل هذه الأخطاء. قالوا: فلان زار قبر الكافر فهو كافر، فلان لبس الصليب فهو كافر، فلان فعل كذا فهو كافر. ومن قال أن كل من فعل هذا فهو كافر؟ الجواب: لا. فقد يكون له عذر، قد يكون له شبهة. فلا بد أن نفرق بين الفعل والفاعل. بعض الأفعال قد تكون كفر، لكن ليس كل من فعلها فهو كافر. وانظروا إلى قول الرجل في الحديث الصحيح -حديث أبي هريرة- لما أخطأ من شدة الفرح: قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. ما حكم قول هذه الكلمة؟ حكم هذا الكفر. لكن هل هذا الرجل الذي قالها كافر؟ ليس بكافر. أخطأ من شدة الفرح، فعذر بهذا الخطأ. ومن ثوابت هذا الدين العذر بالخطأ: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا. جاء في الصحيح -مسلم وغيره- أن الله عز وجل قال في الحديث القدسي: قد فعلت. وهكذا كذلك في الحديث الآخر -حديث أبي هريرة أيضا- في الصحيح: في الرجل الذي شك في قدرة الله من شدة الخوف، شك في قدرة الله من شدة الخوف، قال: لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا لا يعذب أحدا من العالمين. الحديث فيه قصة مشهورة طويلة. والشك في قدرة الله كفر. ليس بكفر كفر، ولكن هذا الرجل معذور. إذن نفرق بين الفعل والفاعل. فليس كل من وقع في الكفر فهو كافر، فضلا أن يكون هذا الفعل ليس كفرا صريحا، قد يكون فيه شبهة. فبعض الأفعال قد تكون فيها شبهة. فإن كان كفرا فلا يلزم منه التكفير بالإطلاق. لا يلزم منه التكفير بالإطلاق. ولهذا قال شيخنا رحمه الله: ننكر على المسؤولين وغيرهم زيارة قبر لينين؛ لأنه حصل في زمن الشيخ من بعض المسؤولين. فكان الناس طرفان: منهم من يجامل المسؤولين ويصحح عملهم. وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم أن يعين المسلم الظالم بظلمه ولو كان ولي أمر. ومنهم من كفرهم بهذا الفعل وأطلق الحكم. فهذا خطأ وهذا خطأ. ودين الله عز وجل وسط. ليس وسطا بالعاطفة ولا بالهوى ولا بالرأي، ولكن بالحجج والدليل والبرهان. قال رحمه الله: ننكر على حكام المسلمين الاتحاد مع أعداء الإسلام سواء كانوا أمريكيين أو شيوعيين. وقد حصل هذا في زمن الشيخ رحمه الله. فبعض حكام المسلمين شرقوا، وبعض حكام المسلمين غربوا. وكل الطريقتين خطأ. بل الواجب على حكام المسلمين أن يعتزوا بإسلامهم، وأن يتركوا هذه التبعية المقيتة. فوالله لن يرضى عنا أعداء الإسلام حتى نتبع ملتهم؛ كما أخبرنا الله عز وجل بذلك. ولن ترضى عنك اليهود والنصارى حتى تتبع ملتهم. قال رحمه الله: الدعوات الجاهلية كالقومية والعروبة ننكرها، ونعتبرها دعوات جاهلية. ومن الأسباب التي أخرت المسلمين. وهي مع كونها دعوات جاهلية تفرق المسلمين. فهي تحوي في طياتها معاني منافية تمام المنافية للإسلام. وهي سبب كذلك من حصول الفرقة والاختلاف والشر في المجتمع. وهي كذلك سبب في ضعف قوة المسلمين؛ بهذه القوميات حين تدعو الناس إلى القومية والعربية الشعوبية. أنت تدعو الناس إلى شيء ينافي الدين، وسبب لفرقة المسلمين. ففي العرب كفار ويهود ونصارى ومشركون. لكن إذا دعوت الناس إلى الاجتماع بمسمى الإسلام؛ هذا الذي يحبه الله، والذي صحت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجتمع أهل الإسلام. وهم مع هذا الاجتماع الذي وافق الشرع هم أكثر من الذي هو أكثر في العالم. المسلمون أم العرب؟ المسلمون وليس الكثرة ميزان؛ لكن لأجل أن نعلم أنه لا بشرع ولا بعقل ولا بحس ولا بدوق يصح مثل هذا القول وهذه الدعوة. فالواجب لزوم ما دلت عليه النصوص الشرعية، وهو الذي فيه خير للإسلام والمسلمين. قال رحمه الله تعالى: ننتظر مجددا يجدد الله بهذا الدين؛ لما رواه أبو داود في سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها. ونرجو أن تكون اليقظة الإسلامية ممهدة له. ومعناه أنه صح هذا الحديث الذي أشار إليه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا يدفعنا إلى التفاؤل الممدوح المحمود: أننا نرجو أن الله يهيئ من يجدد للمسلمين أمر دينهم، فيحصل الخير للمجتمع. وقد نص العلماء على بعض العلماء أنهم جدد الله بهم أمر الدين: مثل الإمام أحمد في المحنة، وقبل ذلك علماء، وبعده علماء، وشيخ الإسلام في زمانه، ومحمد بن عبد الوهاب رحمه الله في زمانه، وغير هؤلاء ممن ذكرهم أهل العلم. قال رحمه الله: نعتقد ضلال من ينكر أحاديث المهدي والدجال ونزول عيسى بن مريم عليه السلام. ولسنا نعني مهدي الرافضة، بل إمام من أهل بيت النبوة ومن أهل السنة. يملأ الأرض عدلا وقسطا كما مليء الظلم وجورا. وقلنا إنه من أهل السنة؛ لأن سبأ فاضل الصحابة، ليس من العدل. ختم الشيخ رحمه الله بهذه المسألة، وهو يشير بها إلى أمثالها ونظائرها من المسائل التي أنكرها بعض الناس، وربما بعض من ينتسب إلى العلم صار يضعف هذه الأحاديث؛ جهلا منه بما صحت به الأحاديث في هذا الباب. فبعض الناس يرد الخطأ بالخطأ. ظهر في زمن الشيخ رحمه الله من يدعي أنه المهدي المنتظر كذبا وزورا، فحصلت به فتنة، وأبتلي المجتمع ابتلاء عظيما. فصار بعض الناس -وتبعهم على ذلك بعض من ينتسب للعلم- يشير إلى أن الأحاديث الواردة في هذا الباب ضعيفة، وأن هذا إنما هو مذهب الرافضة. فهو إما جاهل البسيط وإما جاهل المركب. لماذا؟ لأن هناك فرق بين مهدي الرافضة الذي حذر منه العلماء، وبين المهدي الذي دلت عليه الأدلة الصحيحة الصريحة من السنة. ولهذا ألف العلماء مؤلفات في إثبات أحاديث المهدي: كالشيخ التويجري رحمه الله وغيره من أهل العلم ممن ألفوا في هذا الباب. والمقصود من هذا أولا: إثبات أن هذه المسألة ثبتت بها أحاديث. وثانيا: أنه لا يلتبس هذا بمهدي الرافضة المكذوب الذي ينتظره الرافضة. ثم أشار رحمه الله أن كونه من أهل البيت يعني من أهل السنة، لا كما يدعي الرافضة؛ حتى لا يلتبس الأمر، فيستدل بكلام بعض أهل العلم الذين أنكروا على الرافضة مهديهم، فيزعم من يزعم أن هذا معناه إنكار المهدي مطلقا. والصواب في هذا التفصيل: فالمهدي بأوصافه الشرعية الصحيحة التي صحت به السنة حق أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من علامات الساعة. وأما مهدي الرافضة بأوصافه المكذوبة فهو باطل، وهو الذي حذر منه علماء السنة؛ حتى لا يلتبس الأمر. قال رحمه الله: هذه نفثات عن عقيدتنا. وقد تقدم أن هذا قد ألفت فيه مباحث في كتب العقيدة، وبعضهم ألف فيه مؤلفا خاصا مختصرا. قال رحمه الله: هذه نفثات عن عقيدتنا ودعوتنا، وذكرها بأدلتها يطول الكتاب أو يطول الكتاب. وقد ذكرت جل أدلتها في المخرج من الفتنة -كتاب آخر لشيخنا رحمه الله-. ومن لديه أي اعتراض على هذا فنحن مستعدون لقبول النصح إن كان محقا، ولمناظرته إن كان مخطئا، وللإعراض عنه إن كان معاندا. والله أعلم. وهذا من عدل الشيخ رحمه الله رحمة واسعة. قال: وهذا ليس شاملا لدعوتنا ولعقيدتنا؛ فإن دعوتنا من الكتاب والسنة إلى الكتاب والسنة. وهذا معناه أن مسائل الكتاب والسنة كثيرة. وإنما هذه كما أشار: نفثات، إشارات فقط إلى أهم المسائل التي ناسب ذكرها والتنبيه عليها. قال: وهكذا العقيدة: يعني مسائلها كثيرة. ولهذا لو وقفنا على كتاب واحد من كتب العقيدة لو وجدنا أنه مئات الصفحات. وكيف بهذه الرسالة المختصرة؟ فالمقصود هنا أن ينبه على أهم المسائل. قال: وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولله الحمد والمنة. وقد استفدنا من هذه الرسالة -كما رأينا- استفادة عظيمة. نسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. جزاكم الله خيرا. أضاف الشيخ رحمه الله في نسخة أخرى جديدة في الطبعة من طبعات دار الآثار، وزاد فيها شيخنا رحمه الله تعالى قوله رحمه الله رحمة واسعة: بعد قوله: إن كان محقا لمناظرته وإن كان مخطئا وللإعراض عنه إن كان معاندا والله أعلم. قال: ومن أصول دعوة الشيخ: البراءة من التعددية الحزبية والانتخابات والمظاهرات والديمقراطية. وذلك مبثوث في كثير من كتبه الماتعة. قال رحمه الله: أعداء الدعوة: إن دعوة ملأت الآفاق في مدة ست سنين، وصل خيرها إلى أقصى الدنيا، وأصبحت الفتاة ترد إلى القائمين عليها من جميع البلاد الإسلامية. وأصبح طلبة العلم بين وافد إليها وبين متمتع أن يتيسر له ذلك. دعوة بلغت فوق الوصف الذي وصفت لك. وأصبح المسلمون يتتبعون أخبارها وينتظرون الخير العميم منها. والخير والبركة من الله. دعوة ليس للقائمين عليها مطمع في كراسي ولا ملك ولا رياسة. ويرون العلم أرفع من ذلك؛ كما يقول سبحانه وتعالى: يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات. ويرون الدعوة إلى الله أرفع من السلطة؛ كما يقول الله سبحانه وتعالى: ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين. قال رحمه الله: إنه لا يستغرب من دعوة بلغت هذا المبلغ أن يكون أعداؤها أكثر من الحصى. وأنا ألخص لك لتزداد ثقة أن الدعوة على حق. فإن أعداء الإسلام لا يتنكرون إلا للحق، ولا يخافون إلا منه. قال: وقرأ: تنكر أعداء الرسل لرسل الله. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد. وقال تعالى: قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنتم كارهين. وقال سبحانه وتعالى في شأن نبي الله لوط عليه السلام: ولوطا إذ قال لقومي تأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون. وما كان جواب قومه إلا أن قالوا: أخرجوهم من قريتكم إنهم ناس يتطهرون. وفي الصحيح أن ورقة بن نوفل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا ليتني معك إذ يخرجك قومك. قال: ومخرجيهم؟ قال: ما أتى أحد بمثلي ما أتيت به إلا عودي. أو بهذا المعنى. وهذا إشارة من الشيخ رحمه الله أن الأنبياء والرسل قد عودوا. فكذلك لهذه الدعوة أعداء. وهذه سنة الله في الصراع بين أهل الحق والباطل. قال: فأعداء الدعوة بالأمس هم الشيعة والبعثيون والناصريون. وزياد اليوم مسلمون يصلون ويصومون، ولكنهم جاهلون. فهم يعادون ما يرونه يخالف عاداتهم القديمة. ويشجعهم على هذه العداوة بعض أعداء الإسلام. قال: ومن أولئك المصلين: الرافضة، وأمرهم معروف من قديم الزمان. ومنهم الصوفية، ومنهم بعض جهلة الإخوان المسلمين، ومنهم المتعصبون للمذاهب المقلدون تقليدا أعمى. الذين يصدق على كثير منهم: إن وجدنا آبانا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون. هؤلاء الرافضة الذين يقولون: إن الوهابية -يعنون الدعاة لله- أضر على الإسلام من الشيوعية. إن عكس الأمر عليهم، وأصبح الرافضة في نظر المجتمع مبغوضين؛ لما يرونه منهم من بغض الحق والوقوف في وجه السنة. هذا والحمد لله رب العالمين. وفي هذا إشارة من الشيخ رحمه الله إلى بعض من وقف في طريق الدعوة، ولكن بفضل الله سبحانه وتعالى لم يضر الدعوة شيئا. وهذه سنة الله في الصراع بين أهل الحق والباطل. والفضل لله سبحانه وتعالى. فهذه دعوة الله انتشرت، ملأت الأرض، وعم بها النفع. فالحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. جزاكم الله خيرا.