كتاب الجنائز 5

كتاب الجنائز 5

الدرس في كتاب الجنائز 5، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

آداب المقابر وأحكام الدفن

يستعرض المقطع آداب المقابر فيبين تحريم المشي بالنعال بين القبور احتراما لحرمة الموتى، ويستحب حثو التراب ثلاثا عند الدفن والاستغفار للميت وسؤال التثبيت له بعد الفراغ من دفنه. كما يؤكد ضعف حديث تلقين الميت بعد الدفن وأنه بدعة لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة.

حكم تلقين الميت وأوقات الدفن المكروهة

يوضح المقطع أن تلقين الميت لا ينفع لأن الحساب يعتمد على عمل العبد في حياته، ويناقش حكم الدفن ليلا مجيزا إياه للضرورة أو إن لم يحصل تقصير. ويذكر كراهة الدفن في أوقات طلوع الشمس واستوائها وغروبها، مختتما بمشروعية زيارة القبور لتذكر الآخرة.

مشروعية زيارة القبور وتصنيف أنواعها

يبين المقطع تطور حكم زيارة القبور من النهي إلى الإباحة لتذكر الآخرة، ويصنف الزيارات إلى شرعية للدعاء والتذكر، وبدعية بتحديد أوقات مخصوصة، وشركية بدعاء الموتى والاستغاثة بهم. ويناقش خلاف العلماء في زيارة النساء مرجحا جوازها بشرط أمن الفتنة.

ضوابط زيارة النساء للمقابر وخاتمة الدرس

يؤكد المقطع أن زيارة المرأة للمقابر لا تسقط حقوقها الزوجية، وإذا التزمت بالضوابط الشرعية وتجنبت المحظورات جاز لها الزيارة. ويختتم المتحدث الجلسة بالدعاء للنبي صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال المصنف رحمه الله: الحديث السادس بعد السبع مئة. وعن بشير مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر فإذا رجل يمشي في القبور عليه نعلان، فقال: «يا صاحب السبتتين، ويحك، ألْقِ السبتتين». فنظر الرجل، فلما عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم خلعهما فرما بهما. رواه أبو داود وصححه ابن حبان. نعم. قوله: «يا صاحب السبتتين» يعني الذي يلبس النعال السبتية، تكون لها يعني السبتة تربط أو تغلق بها النعل عند اللبس. فرأى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل يمشي بين القبور بنعليه، فناداه النبي صلى الله عليه وسلم بقول: «يا صاحب السبتتين، ويحك». وهذه كلمة تقولها العرب على جهة الإنكار. فقال: «ويحك، ألْقِ السبتتين». فلما نظر الرجل وعرف النبي صلى الله عليه وسلم، رأى ما بنعليه. فدل هذا الحديث على أنه لا يجوز المشي بالنعال بين القبور. لا يجوز المشي بالنعال بين القبور لأن أهل القبور لهم حرمة، وكذلك لهم تقدير لهذا الشرع. كما مر معنا نهى عن الجلوس على القبر والقعود عليه، وهكذا المشي فوق القبور، وهكذا المشي بين القبور بالنعال لا يجوز. فإذا أراد الإنسان يمشي بين القبور فيخلعهما عليه، يخلعهما عليه ثم يمشي بينها. وأما إذا كان يمشي في مكان المعدل، المشي ليس هو بين القبور في المقبرة، فلا بأس. فهذا النهي إذا كان بين القبور، فلا يمشي بين القبور من عليه لما في ذلك من الامتهان لأهل القبور. قال: الحديث السابع بعد السبعين مئة. لكن إذا لو كان مثلا بين القبور شوك، ما يمكن أن يمشي إلا من عليه، وليس هناك طريق يعني أخرى يسلكها مثلا للوصول إلى القبر الذي يراد دفنه نحو ذلك، فهنا يجوز من باب الضرورة، وضرورات تبيح المحظورات. قال: الحديث السابع بعد السبعين مئة. وعن عامر بن ربيعة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على عثمان بن مظعون، وأتى القبر فحثا عليه ثلاث حثيات وهو قائم. رواه الدارقطني. هذا الحديث لا يصح؛ فيه القاسم بن عبد الله العماري وهو متروك. القاسم بن عبد الله العماري متروك، لهذا قال البيهقي: سنده ضعيف. وجاء نحوه عن جعفر بن محمد عن أبيه مرسلا، عن جعفر بن محمد عن أبيه مرسلا. وصح من حديث أبي هريرة عند ابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم حثا على القبر ثلاث حثيات، وهذا أصح ما ورد في الباب. فدل هذا على استحباب أن يحثو المسلم على الميت ثلاث حثيات، يعني عند دفنه، فيعين بدفنه ولو بثلاث حثيات من الرمل بيده، فهذا مستحب. قال: الحديث الثامن بعد السبعمئة. وعن عثمان رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: «استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل». رواه أبو داود وصححه الحاكم. السلام. في هذا الحديث استحباب الاستغفار للميت بعد الفراغ من دفنه، يدعى له بالمغفرة والرحمة، ويسأل له التثبيت: «اللهم ثبته بالقول الثابت». وقوله: «استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت» لا بأس بقول ذلك وتذكير الناس بذلك أحيانا، ويستغفر للميت ويدعى له بالثبات. وقوله: «فإنه الآن يسأل» يعني أن الميت يسأل عند الفراغ من الدفن، يسأله الملكان، فيدعو له المسلمون بالمغفرة والثبات، أن الله يثبته في الجواب عن سؤال الملكين، لأن الجواب عن أسئلتهما بتثبيته من الله سبحانه وتعالى. ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. قال البراء رضي الله عنه: نزلت في سؤال العبد في قبره. قال: الحديث التاسع بعد السبع مئة. عن ضمرة بن حبيب أحد التابعين قال: كانوا يستحبون إذا سوي على الميت قبره، قال: وانصرف الناس عنه، أن يقال عند قبره: «يا فلان، قل لا إله إلا الله ثلاث مرات، يا فلان، قل ربي الله وديني الإسلام ونبي محمد». رواه سعيد بن منصور موقوفا، وللطبراني نحوه من حديث أبي أمامة مرفوعا مطولا. نعم. هذا الحديث لا يصح. حديث التلقين: تلقين الميت بعد دفنه: «يا فلان قل لا إله... يا فلان قل ربي الله وديني الإسلام ونبي محمد». هذا الحديث باطل. قال ابن القيم رحمه الله في كتابه المنار: «حديث التلقين حديث لا يشك أهل المعرفة بالحديث في وضعه». حديث لا يشك أهل المعرفة بالحديث في وضعه. وأيضا حديث أبي أمامة كذلك ضعيف لا يصح. وحديث سعيد بن منصور هذا رواه أيضا من طريق حمزة بن حبيب عن أشياخ له من أهل حمص، حمزة بن حبيب عن أشياخ له من أهل حمص، فهم مجهولون، فهم مجهولون. ولهذا قال الصنعاني رحمه الله: والتحقيق أنه حديث ضعيف، والعمل به بدعة، ولا تغتر بكثرة من يفعله. نعم. فتلقين الميت بعد دفنه من البدع والمحدثات، ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام، ولا فعله الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. ولأن هذا الأمر لا ينفع، لا ينفع أن يلقن الميت، لأن الجواب عن أسئلة الملكين هي بتثبيت من الله، وتكون بقدر عمل العبد في حال حياته. فإذا مات انقطع عمله، وكان التوفيق من الله سبحانه وتعالى. فما ينفع أن يغش ويلقن بعد أن يموت، وقد انتهى عنه زمن التكليف والعمل، كحال من يهمل الدراسة والمراجعة ثم يأتي الامتحان ويريد من يغشه ويلقنه، فهذا لا ينفع. نعم، فالتلقين من الأمور المحدثة. قال: الحديث العاشر بعد السبعمئة. وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تدفنوا موتاكم بالليل إلا أن تضطروا». أخرجه ابن ماجه. وصلوا في مسلم: لكن قال: «زجر أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه». حديث جابر فيه أن نهي عن دفن الموتى بالليل: «لا تدفنوا موتاكم بالليل إلا أن تضطروا»، يعني فتدفنوهم بالليل، يدل على أن دفن الموتى بالليل يكون للضرورة إذا ما أمكن تأخيره إلى الصباح. وفي مسلم: «زجر أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه». معناه: إذا صلي عليه لا بأس أن يدفن بالليل، خشية أن يقصر في حقه، يعني من حضور المصلين وقلتهم ونحو ذلك. ولهذا جاء في نفس الحديث في مسلم بعد قوله: «حتى يصلى عليه»، قال: «إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك». ثم قال: «وإذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه». يعني جاء في سبب هذا الحديث أن رجل كفن بكفن لا طائل تحته، يعني ليس بذلك الكفن، ودفن في الليل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فزجر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه، ثم قال: «إلا أن تضطر»، وقال: «إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه». هذا الحديث يدل على أن نهي عن قبر الميت ليلا إلا للضرورة، إذا ما كان أن يؤخر كخوف أن يتغير أو شيء من ذلك، فيجوز أن يدفن ليلا. لكن هذا الحديث عارضه عمل الصحابة رضوان الله عليهم، فالخلفاء الأربعة دفنوا ليلا: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. وكذلك أيضا النبي صلى الله عليه وسلم كذلك دفن في الليل، في ليلة الثلاثاء قبل الصبح. ولهذا يعني كذلك أيضا قصة الرجل الذي في البخاري: عباس، أن رجلا كان النبي يزوره ويعوده، فمات في الليل، ودفن، صلي عليه ودفن في الليل، فلما سأل عنه نبي عليه الصلاة والسلام، أخبروا بأنه مات بالليل ودفنوه، فقال: «دلوني على قبره»، وما أنكر عليهم كونهم دفنوه بالليل. هذه الأحاديث تدل على جواز، على جواز الدفن الميت ليلا. ولهذا حمل أهل العلم أن النهي عن دفن الميت في الليل أن هذا كان في أول الأمر، أن هذا في أول الأمر، وأنه بعد ذلك أجاز النبي صلى الله عليه وسلم الدفن. ويدل على ذلك فعل الصحابة رضوان الله عليهم أنهم كانوا يدفنون موتاهم بالليل. أو يحمل كذلك أنه إذا كان في دفنه بالليل تقصير في حقه، مثل عدم إحسان الكفن، وقله المصلين عليه ونحو ذلك، إلا للضرورة إذا ما أمكن تأخيره، فيدفن في الليل، ولو يعني حصل شيء من ذلك من قلة المصلين ونحو ذلك. وبهذا تجمع بين الأدلة. فإذا كان دفنه في الليل ليس فيه تقصير في حقه، ويكثر المصلون عليه، ويحسن في كفنه، فلا بأس، لا بأس أن يدفن في الليل. وما كان سيقصر في حقه، ويقلل في عدد المصلين مثلا، ويمكن تأخيره إلى الصباح، فيؤخر. وبهذا تجمع بين الأدلة. قال: حديث الحادي عشر بعد السبعمئة. وللمسلم عن عقبة بن عامر قال: «ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب». نعم. هذه ثلاثة أوقات نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الصلاة فيها، وعن قبر الميت أن يقبر في هذه الثلاثة الأوقات، وهي الأوقات الشديدة الكراهة. عند طلوع الشمس بازغة حتى ترتفع، لأن في هذا الوقت كما جاء في حديث عمرو بن عبسة: «تطلع الشمس بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار». وعند «حين تقوم قائم الظهيرة» إلى «حتى تزول الشمس». وقوله: «حتى ترتفع» يعني تنفصل الشمس عن الأفق وترتفع قدر ميل، وحينئذ تزول الكراهة. وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول الشمس، يعني عند زوال الشمس، قبل الزوال بقليل، حتى يدخل وقت الظهر، هذا الوقت وقت كراهة، وعلته: وحين تضيف الشمس للغروب، كذلك عند غروب الشمس، لأن كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن عبسة: «تغرب بين قرن الشيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار». فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في هذه الثلاثة الأوقات، كذلك عن دفن الموتى، حتى تزول الكراهة. قال: الحديث الثاني عشر بعد السبع مئة. وعن بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها». رواه مسلم. زاد الترمذي: «فإنها تذكر الآخرة». وزاد النسائي: «فمن أراد أن يزور فليزر، ولا تقولوا هجرا». وزاد ابن ماجه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه: «وتزهدوا في الدنيا». هذا الحديث: بريدة بن الحصيب رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها». «كنت نهيتكم عن زيارة القبور» يعني في أول الأمر، وذلك خشية الافتتان بها، وكذلك أيضا سد لذريعة الشرك. فلما رسخ التوحيد بقلوبهم أذن النبي صلى الله عليه وسلم لهم بزيارة القبور ورفع هذا المنع. قال: «فزوروها». ثم ذكر العلة والحكمة من زيارة القبور، قال: «فإنها تذكر الآخرة». تذكر الآخرة لأن القبر أول منزل من منازل الآخرة، ينتقل الإنسان من الدنيا ويوضع في قبره، فكون الإنسان يزور القبور يتذكر اليوم الذي سيرحل فيه من هذه الدنيا ويدفن في قبره، حتى يستعد لمثل هذا اليوم. إذن من حكم زيارة القبور تذكر الآخرة والاستعداد لها. «في غواية النساء، فمن أراد أن يزور فليزر، ولا تقولوا هجرا». أي لا تقولوا قولا فاحشا، وأعظم القول الفاحش الشرك، الشرك في عبادة الله، وسؤال أهل القبور، والاستغاثة بهم إلى آخر ذلك. إذن هذا يدل على أنه يجوز زيارة القبور بشرط أن لا يقال هجرا، ولا يقال قولا فاحشا. ولهذا قال أهل العلم: زيارة القبور على ثلاثة أقسام: زيارة شرعية، وزيارة بدعية، وزيارة شركية. زيارة شرعية وزيارة بدعية وزيارة شركية. الزيارة الشرعية هي التي يقصد منها تذكر الآخرة والدعاء للميت. أنت تزور القبور، تدعو للأموات بالدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم: «السلام عليكم أهل الديار من المسلمين والمؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية». تدعو لهم، والأمر الثاني أنك تتذكر الآخرة واليوم الذي سيكون مصيرك مصيرهم. ولا تكون الزيارة بيوم محدد أو زمن محدد، إنه متى ما تيسرت لك زيارة، زر القبور، هذه زيارة شرعية. الزيارة البدعية: إذا كانت الزيارة لها وقت محدد، مثلا أنك تزور القبور كل جمعة وتعتقد أن هذا فيه فضيلة أو كذا، هذا من البدع. أو تجعل لها يعني يوما محدد في الشهر أو في السنة، كبعض الزيارات السنوية، هذا من البدع. وهكذا إذا حصل في هذه الزيارة شيء من البدع كذلك فإنها تعتبر زيارة بدعية. الزيارة الشركية: إذا تخللت الزيارة شيئا من الأفعال الشركية كدعاء الأموات، والاستغاثة بهم، وطلب المدد والولد، أو التمسح بالقبور مع اعتقاد النفع والضر في أصحابها، فهذه زيارة شركية. وقول ابن ماجه: «عند ابن مسعود: وتزهدوا في الدنيا». يعني زيارة القبور ترغب في الآخرة وتزهد في الدنيا. نعم، لأن الإنسان إذا أيقن أن مصيره إلى هذه القبر وهذه الحفرة الضيقة، هانت عليه الدنيا، هانت عليه الدنيا، وعلم أن هذه الدنيا لا تساوي شيئا. قال: الحديث الثالث عشر بعد السبع مئة. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور». أخرجه الترمذي وصححه ابن حبان. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن زائرات القبور، أي النساء التي يزرن القبور. وهذا الحديث بهذا اللفظ ضعيف، والصحيح أنه ثبت بلفظ: «لعن الله زوارات القبور»، زوارات القبور. يعني لا تكلفنا الزيارة. وهل يستفاد منه أنهن إن لم يكلفن الزيارة أنه لا بأس للنساء إن يزرن القبور؟ هذه مسألة فيها خلاف بين أهل العلم. فمنهم من ذهب إلى المنع، واستدل بهذا الحديث، لكن هذه اللفظة كما علمنا لا تصح. وذهب جماعة من أهل العلم إلى الجواز، جواز زيارة المرأة للقبور إذا أمنت الفتنة، وكذلك أيضا كانت الزيارة يعني من غير تكثير للزيارة، وكذلك أيضا لا يصحب ذلك شيء من التسخط وإظهار الجزع والصياح على الميت نحو ذلك، أنه لا بأس، لا بأس للمرأة أن تزور القبور. واستدلوا بعموم حديث بريدة: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها»، وهذا الحكم عام يشمل الرجال والنساء، يشمل الرجال والنساء. كذلك أيضا استدل العلماء بفعل عائشة رضي الله عنها أنها شهدت دفن أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر، فلما سألها عبد الله بن أبي مليكة: أليس قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، ثم أمر بزيارتها. قالت: نعم، ثم أمر بزيارتها. والحديث عند الحاكم والبيهقي. يعني فهمت من الحديث أن النهي رفع وأذن بالزيارة للرجال والنساء. وكذلك أيضا سؤال عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم كما في مسلم: «ماذا أقول إذا زرت المقابر؟» فعلمها ذلك الدعاء. وفي حديث أنس في المرأة التي كانت تبكي على قبر ابنها، لما رآها النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اتقي الله واصبري». قالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي. الحديث. وما أنكر عليها النبي صلى الله عليه وسلم إتيانها إلى القبر وزيارة قبر ابنها، وإنما أنكر عليها البكاء على ابنها، أمرها بالصبر. فهذه الأدلة تدل على أنه يجوز للمرأة أن تزور المقابر، لكن كما سمعتم أن تكون الزيارة من غير مبالغة وكثرة، وتكون زيارة شرعية غير محددة بزمن معين، وكذلك أن لا يصحب ذلك شيء مما يخالف الشرع من البكاء والصياح، وكذلك أيضا الهجر، والاستغاثة، ودعاء الأموات، والتمسح بأتربتهم ونحو ذلك. وأيضا لا يفضي ذلك إلى تضيع ما عليها من حقوق لزوجها ونحو ذلك. فإن سلمت من هذه الأمور فلا بأس أن تزور المقابر. طيب، نقف هنا إن شاء الله. إلى هنا. صلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.