الدرس في كتاب الأيمان والنذور 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
اليمين تنعقد بالله أو بأسمائه أو صفاته، ولا شيء في لغو اليمين. من حلف بصدقة ماله فهو مخير بين الصدقة أو كفارة اليمين.
كفارة اليمين تكون بعتق رقبة مؤمنة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، فإن لم يستطع صام ثلاثة أيام. النذر يلزم في الطاعة ولا يلزم في معصية أو ترك مباح.
النذر نوعان: مقيد ومطلق، ويجب الوفاء به إذا كان طاعة. يُكره ابتداء النذر ولا ينعقد في معصية أو ترك مباح.
تم ختام الدرس بالدعاء للنبي محمد صلى الله عليه وسلم والصلاة عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمُرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال القاضي أبو شجاع أحمد بن حسين الأصفهاني رحمه الله في كتابه متن الغاية والتقريب المشهور بمتن أبي شجاع: كتاب الأيمان والنذور. قال: لا ينعقد اليمين إلا بالله تعالى أو باسم من أسمائه أو صفة من صفات ذاته. ومن حلف بصدقة ماله فهو مخير بين الصدقة أو كفارة اليمين. ولا شيء في لغو اليمين. ومن حلف أن لا يفعل شيئا فأمر غيره بفعله لم يحنث. ومن حلف على فعل أمرين ففعل أحدهما لم يحنث. وكفارة اليمين هو مخير فيها بين ثلاثة أشياء: عتق رقبة مؤمنة، أو إطعام عشرة مساكين كل مسكين مدا، أو كسوتهم ثوبا ثوبا. فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام. ذكر هنا كتاب الأيمان والنذور، والأيمان جمع يمين، واليمين هي الحلف بالله أو باسم أو صفة من صفاته. الحلف بالله أو اسم من أسماء أو صفة من صفاته على أمر من الأمور. وسمي الحلف بالأيمان؛ قالوا: لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل بيمين صاحبه. قال: لا ينعقد اليمين أي لا تصح ولا يترتب عليها آثارها إلا إذا كانت بالله أو اسم من أسمائه أو صفة من صفاته. فإذا كانت بغير ذلك كالحلف بالآباء أو بالأمهات أو بالنعمة أو غير ذلك من المخلوقات فلا تصح اليمين، ولا يجوز الحلف بغير الله؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عمر: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت». وقال عليه الصلاة والسلام: «قولوا ما شاء الله وحده، وقولوا ورب الكعبة». وهكذا أيضا ما جاء في السنن بقول عليه الصلاة والسلام: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحلف بغير الله، وقال فيه قولا شديدا». فالحالف بغير الله محرم، بل هو أيضا من الشرك اللفظي، وقد يكون كفرا أكبر إذا عظم المحلوف به كتعظيم لله أو أشد. ويكون شركا أصغر إذا كان من غير تعظيم. لكن المقصود هنا أن الحالف المنعقد فهو الحالف بالله، أن يقول: والله، أو بالله، أو تالله، أو بإسم من أسماء الله الأخرى، كالعزيز والحكيم والرحيم والجبار والمتكبر إلى آخر ذلك من أسماء الله جل وعلا، سواء كان الإسم مفردا أو كان مركبا، كرب العالمين ومالك يوم الدين ونحو ذلك. أو كذلك يكون الحالف بصفة من صفات الله، كعزة الله وقدرة الله. والعزة إذا أضيفت إلى الله لا تقول عزة الله، قدرة الله. قال: ومن حلف بصدقة ماله فهو مخير بين الصدقة أو كفارة اليمين. من حلفة بصدقة ماله قال: «الله علي أو قال: والله لأتصدقن بكذا». إذا يعني فعل كذا وكذا، أو يقول: «والله إن لم تفعل كذا لأتصدقن بنصف ماله». من حلف بصدقة ماله قال: «والله يا فلان إن لم تفعل كذا لأتصدقن بمالي كله». طيب هذا الآن يمين بصدقة المال. قال: فهو مخير بين الصدقة أو كفارة اليمين. هذه اليمين تسمى يمين اللجاج والغضب، وتسمى يمين اللجاج والغضب. ومثلها أيضا نذر اللجاج والغضب كما سيأتي. وسميت بذلك؛ لأن اليمين هنا انعقدت بسبب خصومة وجدال، والغالب كذلك أن الإنسان لا يقول ذلك إلا في حال الغضب. فإذا قال ذلك: «والله لتصدقن بمالي إن فعلت كذا أو إن لم تفعل كذا». «والله لتصدقن بمالي إن لم تفعل كذا وكذا». طيب إن لم يفعل هل يلزمه أن يتصدق بماله كله؟ الجواب: لا، هو مخير بين الصدقة بما قال، وبين أن يكفر كفارة يمين. إن شاء تصدق بما قال، وإن شاء كفر كفارة يمين. فهذه اليمين هي بمنزلة النذر، كأنه نذر أن يتصدق بماله. ولهذا جعل أهل العلم حكم اليمين هنا كحكم النذر. واستدل العلماء بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كفارة النذر كفارة يمين». حديث عقبة بن عامر في مسلم: «كفارة النذر كفارة يمين». وحمله أهل العلم على نذر اللجاج والغضب. قال: ولا شيء في لغو اليمين. لا شيء في لغو اليمين. اليمين التي تنعقد التي يحلف بها الإنسان ويقصد اليمين جازما يعقد اليمين كما قال الله عز وجل: «يؤخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤخذكم بما عقدتم الأيمان». يعني أن يحلف عاقدا لليمين قاصدا لها، هذا الذي يؤخذ عليه الإنسان. فإن حنث كما سيأتي بأن لم يفي بما حلف على تركه أو على فعل أن يفعل ما حلف على فعله، فهنا تجب عليه الكفارة. وأما إذا كانت اليمين لغوا وهو أن يجري الحلف على اللسان من غير قصد من غير قصد اليمين، كما قالت عائشة رضي الله عنها في البخاري: هو قول الرجل: «لا والله، وبلا والله». تجري على لسانه ولا يقصد اليمين ولا يعقد اليمين، هذا لغو تسمى لغو اليمين، ليس فيها كفارة ولا تنعقد. ولا يؤخذ عليها الإنسان. كذلك أيضا من لغو اليمين أن يقصد الحلف لكن يسبق لسانه إلى شيء آخر غير ما أراد، فهنا لا يؤخذ بهذه اليمين. كذلك أيضا أن يحلف على شيء يظنه فيكون على خلاف ما ظن، فهذا تعتبر لغو يمين. كأن يقول: فلان هل جاء فلان من السفر؟ يقول: نعم، يقول: صحيح، يقول: «والله لقد جاء، والله أن فلان جاء من السفر». هو يحلف على حسب ظنه أنه قد جاء، ثم يتبين أنه تأخر، حصل له ظرف فلم يأت. هل نقول: عليك كفارة يمين؟ لا، هذه لغو يمين؛ لأنه حلف على شيء ظنه فكان على خلاف ما ظن. هو لم يقصد أن يعقد اليمين، وإنه أراد يؤكد الخبر على حسب ما يعلم. قال: ومن حلف أن لا يفعل شيئا فأمر غيره بفعله لم يحنث. من حلف أن لا يفعل شيئا، فقال: «والله لا أدخل بيت فلان». ثم قال لشخص: «اذهب إلى بيت فلان». هل يكون بهذا قد حنث؟ معنى حنث أنه لم يفي بيمينه. هو حلف أنه ما يدخل. طيب لما أمر فلان الآن أن يدخل، هل يكون بهذا قد خالف ما حلف على تركه؟ الجواب: لا، هو ما دخل. هو حلف على نفسه، أما لو دخل غيره حتى لو أشغله بالدخول ما يكون بذلك قد حنث في يمينه. قال: ومن حلف على فعل أمرين ففعل أحدهما لم يحنث. نعم، لو قال: «والله لأكلم زيدا ومحمدا»، أو «لا ألبس هذين الثوبين». فلبس أحدهما، أو كلم أحد الرجلين، هل بهذا قد يكون قد حنث وتلزمه الكفارة؟ يقول: لا. ومن حلف على فعل أمرين ففعل أحدهما لم يحنث؛ لأن اليمين هنا منعقدة على أمرين اثنين، فإذا فعل أحدهما فهو لم يخالف يمينه؛ لأن اليمين ألا يكلم هذين الرجلين، وألا يلبس هذين الثوبين. هو الآن ما لبسهما، إنما لبس واحدا، وكلم واحدا، فحينئذ لا يكون حنثا في يمينه. قال: وكفارة اليمين هو مخير فيها بين ثلاثة أشياء: عتق رقبة مؤمنة، أو إطعام عشرة مساكين كل مسكين مدا، أو كسوتهم ثوبا ثوبا. فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام. يقول: كفارة اليمين مخير فيها المراد باليمين هنا اليمين المنعقدة، وهي اليمين التي عقدها قاصدا لعقدها، ثم حنث في يمينه، يعني لم يفي بموجب هذه اليمين بأن ترك ما حلف على فعله أو فعل ما حلف على تركه. فإذا فعل ذلك وجبت عليه الكفارة. وهذه الكفارة على قسمين: القسم الأول هو مخير فيه يختار منها ما شاء، والقسم الثاني يأتي على جهة الترتيب بعد ذلك. ثلاثة الأشياء المخير فيها إذا لم يستطع منها شيئا انتقل إلى القسم الثاني وهو الصيام. فأول شيء في كفارة اليمين هو عتق الرقبة المؤمنة، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم. هذه ثلاثة الأشياء هو مخير فيها كما قال الله جل وعلا: «فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة». إن شاء هذا وإن شاء هذا وإن شاء هذا. إن شاء أطعم عشرة مساكين، وإن شاء كساهم، وإن شاء أعتق رقبة مؤمنة. فإن لم يجد شيئا من ذلك من هذه الثلاثة الأشياء فحينئذ ينتقل إلى الصيام، فمن لم يجد فصيامه ثلاثة أيام. ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم. نعم، إذن هذه هي اليمين التي تنعقد وتجب فيها الكفارة، وهو أن يحلف الإنسان على شيء في المستقبل، ثم يخالف هذه اليمين. وأما إذا حلف على شيء ماضي فإن كان صادقا فليس عليه شيء، وإن كان كاذبا فهذه اليمين الغموس، وهي من كبائر الذنوب. كما يحيط بالله من عمر في الصحيحين قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس». وسميت هذه اليمين بالغموس؛ قال أهل العلم: لأنها تغمس صاحبها في الإثم، وقيل: تغمس صاحبها في النار. هذه اليمين الغموس ليس فيها كفارة، يعني لو قال حلف إنسان على شيء كاذبا، ثم قال: «أنا ندمت أريد كفارة». نقول: «ما عليك كفارة، عليك التوبة». ليس لها كفارة، الكفارة في اليمين التي هي في المستقبل. نعم، أما إذا حلف على شيء ماضي كاذبا فعليه التوبة. طيب قلنا هذه اليمين التي تنعقد وتجب فيها الكفارة يخير فيها بين هذه ثلاثة الأشياء: بين عتق رقبة مؤمنة يعتق رقبة يحررها من الرق، وتكون هذه كفارة له عن يمينه. أو يطعم عشر مساكين كل مسكين مدا، كل مسكين مدا يعني من وسط الطعام، من الأرز أو البر أو التمر أو نحو ذلك من الطعام الذي يقتاته الناس. والمد ربع الصاع، ويقدر بالوزن يعني نحو ستمائة جرام. أو كسوتهم يعني يكسو عشرة مساكين لكل مسكين ثوبا. وضابط هذه الكسوة بما يسمى كساء، ما يسمى كسوة فيصح مثلا عمامة، يقال: «فلان كسي عمامة». هذا يسمى كساء، أو إزار ورداء، أو قميص. هذا القميص يسمى كساء، كل ما يحصل به اسم الكسوة فيصح به الكفارة. قال: فإن لم يجد ما عنده لا يطعم عشرة مساكين ولا كسوة لعشر مساكين ولا عتق رقبة، فهنا ينتقل للصيام، فصيام ثلاثة أيام كما سمعنا في الآية. يصوم ثلاثة أيام. وهل يشترط التتابع في صيام هذه ثلاثة أيام؟ الجواب: لا، لا يشترط؛ لأن الله عز وجل أطلق في الآية ولم يقيدها بالتتابع. لو كان التتابع شرطا لقال: «فصيام ثلاثة أيام متتابعات». نعم، فدل هذا على أنه لا يشترط التتابع، لو أن يصوم متفرقة ويجزئه. قال: فصل، والنذر يلزم في المجازات على مباح وطاعة كقوله: «إن شفى الله مريضي فلله علي أن أصلي أو أصوم أو أتصدق». ويلزمه من ذلك ما يقع عليه الإسم. ولا نذر في معصية كقوله: «إن قتلت فلانا فلله علي كذا». ولا يلزم النذر على ترك مباح كقوله: «لا أكل لحما ولا أشرب لبنا» وما أشبه ذلك. ذكر هنا ما يتعلق بالنذر. النذر في اللغة: الوعد بخير أو شر. وشرعا: هو إلزام المكلف نفسه بأمر لم يلزمه به الشرع. إلزام المكلف نفسه بأمر لم يلزمه به الشرع. وقال هنا: والنذر يلزم في المجازات على مباح وطاعة، يعني أن النذر الذي يلزم ما كان متعلقا بمجازاة ومقابلة ومكافأة على حصول أمر مباح، فينذر لله جل وعلا بطاعة من الطاعات، أو يحصل له شيء مباح فينذر نذرا لحصول هذا الأمر المباح. نعم، أو كذلك أيضا يلزم نفسه بطاعة من الطاعات. والنذر ينقسم إلى قسمين: نذر اللجاج والغضب، ونذر التبرر. نذر اللجاج والغضب كما مر معنا في ذكر اليمين اللجاج والغضب، يعني أن ينذر الإنسان نذرا ويعلقه بحصول أمر، كان يقول: «لله علي أن أتصدق بمالي أو بنصف مالي إن حصل كذا وكذا أو إن لم أفعل كذا وكذا أو إن لم يفعل فلان كذا وكذا». هذا يسمى نذر اللجاج والغضب. يحصل لجاج ومخاصمة بين اثنين، فيقول أحدهما: «لله علي إن لم تفعل كذا لأفعلن كذا وكذا لأتصدقن بكذا وكذا». طيب أو لأصلي لله كذا وكذا ركعة. هذا يسمى نذر اللجاج والغضب. وهذا حكمه أنه مخير كما مر معنا بين فعل ما نذر أن يفعله وبين أن يكفر كفارة يمين. ونذر التبرر وهو نذر الطاعة، وينقسم إلى قسمين: النذر مقيد، ونذر مطلق. النذر المقيد أن يقيده بحصول نعمة أو دفع نقمة، كأن يقول: «لله علي إن شفى الله مريضي أن أتصدق بكذا وكذا»، أو «لله علي إن جاء فلان من السفر سالما أن أعتق عبيدي مثلا». ونحو ذلك. هذا نذر مقيد، ويسمى نذر المجازاة. يعني ينذر مجازاة على حصول نعمة أو دفع نقمة. والنوع الثاني وهو النذر المطلق، يعني لا يقيده بحصول شيء، يقول: «لله علي أن أصوم عشرة أيام»، أو «لله علي أن أتصدق بكذا وكذا من المال»، أو «لله علي أن أصلي عشرين ركعة». هذا نذر مطلق. وهل يلزمه الوفاء به؟ الجواب: نعم، ما دام أنه نذر طاعة فيلزمه الوفاء به؛ بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من نذر أن يطيع الله فليطعه». حديث عائشة في الصحيح: «ومن نذر أن يعصه فليعصه». فما دام أن النذر طاعة فعليه الوفاء به. وعلى أن عقد النذر ابتداء مكروه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النذر، وقال: «إن النذر لا يأتي بخير، وإنما يستخرج من البخيل». وخاصة النذر المقيد هذا أشهد كراهية. خل الوفاء إذا كان نذر طاعة يجب الوفاء، لكن عقد النذر كله كلا النوعين، يعني عقده ابتداء مكروه، لكن الوفاء به واجب إذا كان نذر طاعة. قال: كقوله: «إن شفى الله مريضي فلله علي أن أصلي أو أصوم أو أتصدق». هذا نذر المجازاة، النذر المقيد. «لله علي إن شفى الله مريضي أن أصلي أو أصوم أو أتصدق». قال: ويلزمه من ذلك ما يقع عليه الإسم، يعني إسم ما نذر بفعله. قال: «لله علي أن أصلي». طيب إذا ما حدد عددا معينا فيلزمه أقل ما يسمى صلاة وهي ركعتان. «أقول عليك أقل شيء عليك أن أصلي ركعتين لله». أو كذلك في الصيام لو قال: «لله علي أن أصوم» وما حدد شيئا معينا، أقل شيء يصوم يوما. وهكذا «لله علي أن أتصدق» ولم يحدد مبلغا معينا، فنقول: يصح أن تتصدق بكل ما يصح أن يكون مالا، يعني تمول ويحصل به الانتفاع بما قل من المال. قال: ولا نذر في معصية كقوله: «إن قتلت فلانا فلله علي كذا». قتل النفس المحرم غير حق، معصية وكبيرة من كبائر الذنوب. ما يقول: «أنا نذرت أنا لابد أوفي بالنذر». «أنا نذرت أن أقتل فلانا». والمفون بنذرهم نقول: «لا، هذا نذر معصية، ما يجوز لك أن تفي به». ما يجوز لك أن تفي به. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا نذر في معصية الله». «لا نذر في معصية الله». والحديث في مسلم، وفي حديث عائشة: «ومن نذر أن يعصي فلا يعصه». لو قال إنسان: «الله علي أن لا أصلي هذا اليوم». «يا فلان ما لك أنا نذرت». النذر شديد. نقول: «هذا نذر معصية، ما يجوز لك أن تفي به». أو يقول: «لله علي أن أشرب الدخان أو نحو ذلك من نذر المعصية». فنقول: «هذا نذر معصية، لا يجوز لك أن تفي به». أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا نذر في معصية الله»، أي: لا ينعقد النذر بنذر المعصية. قال: ولا يلزم النذر على ترك مباح كقوله: «لا أكل لحما ولا أشرب لبنا» وما أشبه ذلك. يعني من ترك الأمور المباحة يقول: «أنا نذرت لله علي نذر ألا أكل لحما أو ألا أشرب لبنا أو ألا أركب مركوبا أو لله علي أن أمشي حافيا أو لله علي أن أقف ولا أجلس أو نحو ذلك من فعل المباحة وترك مباح». فهذه اليمين كذلك لا تنعقد. قال: ولا يلزم النذر على ترك مباح. ودليل ذلك ما جاء في البخاري في قصة ابن عباس في قصة أبي إسرائيل. رجل كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب فرآه قائما، فسأل عنه، قالوا: «هذا أبو إسرائيل». قال: «ما شأنه؟» قالوا: «نذر أن يقوم ولا يقعد، وأن لا يستضل ولا يتكلم ويصوم». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مروه فليستضل، وليقعد، وليتكلم، وليتم صومه». هذه الأشياء المباحة التي نذر أن يتركها أمره بفعلها. ولما كان الصيام طاعة أمره بالوفاء بهذا النذر، أنه يصوم. ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالكفارة، لم يأمره بالكفارة. فهنا دل هذا الحديث على أن النذر المباح لا ينعقد، ولا يلزم الإنسان ما نذر من فعله أو تركه من أمور المباحة. واختلف أهل العلم في الكفارة: هل تجب الكفارة في النذر المباح؟ والصواب أنه لا تجب. والدليل هذا الحديث. حديث ابن عباس في قصة هذا الرجل. ما أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالكفارة مع أنه نذر أشياء مباحة، ترك أشياء مباحة: الكلام، والقيام، والجلوس، والاستضلال. وأمره النبي صلى الله عليه وسلم بترك ذلك، ولم يأمره بالكفارة. ولو كانت كفارة واجبة لأمره النبي صلى الله عليه وسلم بها؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. فدل هذا على أن الكفارة لا تجب. وهذا الذي رجحه الإمام النووي رحمه الله بكتابه المجموع. نعم، إذن نذر المعصية لا ينعقد، وكذلك نذر المباح لا ينعقد. تحريم الحلال ليس هو محرما، هو نذر أنه ما يفعله. ما صرح بالتحريم. لو حرم هل تلزمه كفارة يمين؟ تلزمه كفارة يمين. لو قال إنسان: «والله لا أكل لحما»، أو «اللحم علي حرام». لو قال: «اللحم علي حرام»، أو «ركوب السيارة علي حرام». نقول: «هنا كفر كفارة يمين». هذا تحريم حلال. الدليل قال الله عز وجل: «يا أيها النبي لما تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور الرحيم قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم». يعني جعل الله عز وجل تحريم الحلال بمنزلة اليمين. وسبب نزول الآية لما حرم النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه العسل حين فعلت ما فعلت عائشة رضي الله عنها وحفصة. وجعلها الله سبحانه وتعالى جعل هذا التحريم بمنزلة اليمين، وأمره بالكفارة. «قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم». فاستدل أهل العلم على أن من حرم على نفسه حلالا فإنه يكفر كفارة يمين. تلزمه يمين. يلزم تلزمه يمين. نعم، طيب نكفينا إن شاء الله إلى هنا. وصلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.