شرح حديث اغتنم خمسا قبل خمس 7

شرح حديث اغتنم خمسا قبل خمس 7

الدرس في شرح حديث اغتنم خمسا قبل خمس 7، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية اغتنام نعمة الحياة

يُنبه الخطيب إلى أهمية اغتنام نعمة الحياة في طاعة الله قبل حلول الأجل، ويُذكّر بأن الله سيحاسب العباد يوم القيامة عن أعمارهم. ينبغي على المسلم استغلال عمره في الأعمال الصالحة.

استغلال العمر في طاعة الله

العمر الطويل ليس نعمة في حد ذاته، وإنما النعمة في استغلاله في طاعة الله. ينبغي على المسلم أن يستغل نعم الله عليه في طاعة الله وأن تكون حياته كلها لله.

ختام الدرس والدعاء

المقطع يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الختام الاعتراف بقدرة الله تعالى واعتباره أعلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعود بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في هذا المقام إخواني في الله، نصل إلى ختام حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه، والذي ذكر فيه نبينا صلى الله عليه وسلم وذكرنا بالنعم العظام قبل أن تسلب وترفع، فقال: «اغتنم خمسًا قبل خمس: اغتنم شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك». نصل في هذا المقام، في ختام الكلام عن حديث خير الأنام عليه الصلاة والسلام، أن الحياة إخواني في الله هي من النعم العظيمة، ومن المنن الجليلة التي يعطيها الله جل وعلا لمن شاء من عبيده، بأن يجعل لك ربك عز وجل فسحة من دهرك، ويعطيك متسعًا من حياتك، فتمضي في هذه الدنيا تمرح وتسرح فيها. ولهذا يذكر الله عز وجل هذه النعمة على خلقه، كما قال سبحانه: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾، وقال أيضًا: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾، أرأيت إما أتعناهم سنين سنوات وهم يعيشون ويدبون على وجه الأرض؟ كم من أناس إخواني في الله هم أشد منا حرصًا وأكثر منا حبًا في أن يكونوا معنا على هذه الدنيا، لكن سبقتهم الآجال، ووافتهم المنية، وقضوا نحبهم، وحيل بينهم وبين ما يشتهون، فأصبحوا موتى من أهل القبور، بينما نحن وإياكم وجميع الحضور في شرق الدنيا وفي غربها قد منَّ الله عز وجل علينا بنعمة الحياة. وهذه النعمة إخواني في الله لعظيم شأنها، فإن الله عز وجل سيسألنا عنها يوم القيامة، كما جاء في حديث أبي برزة الأسلمي، وجاء من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، وفي رواية عن خمس: عن عمره فيما أفنى...». أعمارنا وهي حياتنا سيسألنا ربنا عز وجل عنها، كيف مضت وانقضت؟ أين ذهبت؟ وعن عمره فيما أفنى، فلا تظن يا عبد الله أن هذه الحياة ستمضي دون رجع، بل سيعيدها الله عز وجل عليك حسابًا، سيحاسبك على الأيام والأسابيع والشهور والسنوات التي كنت فيها. إخواني في الله، إن من أعظم ما ينبغي أن تستغل به هذه النعمة نعمة الحياة أن تغتنم، كما أشار نبينا في هذا الحديث «اغتنم خمسًا قبل خمس، واغتنم حياتك قبل موتك»، أن تغتنم نعمة الحياة، وأعظم ما تغتنم به نعمة الحياة أن تغتنم في طاعة الله جل في علا، وما تندم من تندم يوم القيامة بأعظم تندم من فوات هذه النعمة يوم لا ينفع فيه الندم، يقول: «يا ليتني قدمت لحياتي»، يتحسر كما قال المفسرون عند هذه الآية، يتحسر المتحسرون يوم القيامة على أنهم فرطوا في الأعمال الصالحة، «قدمت لحياتي»، أين الحياة؟ الحياة الأخروية، هذه الحياة إخواني في الله الدنيوية هي حياة زائلة. كم عساك أن تعمر الستين، السبعين؟ خذ مئة، وماذا بعد المئة؟ الموت والفناء، ثم تنتقل إلى الدار الأخروية، هي الحياة الدائمة المستديمة التي ينبغي أن نفكر فيها ليلة نهار، صباح مساء، في أن نكون من أهلها، وأن نكون من أصحابها، ولا ينال هذا المقام إلا بالجد والإجتهاد والإقبال على الله بالأعمال الصالحة. وبهذا نعلم مسألة عظيمة، منها أن ليست الحياة إخواني في الله، وليست الأعمار بحد ذاتها هي نعمة، حتى ينظر فيما تستغل به هذه النعمة، لا تظن عندما تبحث كما يفعل بعض الأثرياء عندما يبحث عن عقاقير ويبحث عن علاجات تطيل في الأعمار وتنمي الجينات وتضخم الهرمونات حتى يضخمه في الحياة، لا تظن أن البحث عن الحياة هو في حد ذاته نعمة، لا، قد تكون نقمة، وقد تكون نعمة بماذا؟ بما سيؤول إليه هذا العمر. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «ألا أنبئكم بخياركم؟» قلنا: «بلى يا رسول الله»، قال: «خياركم أطولكم أعمارًا، أحاسنكم أعمالًا»، هذا هو الضابط، خياركم أطولكم أعمارًا، حين أن تجد أن الله عز وجل يطيل لك في عمرك، هذا جزء من النعمة، لكن استكمل الحديث، قال: «أحاسنكم أعمالًا»، الأعمال الصالحة، الأعمال الحسنة، هذا الذي يشكر عليها العبد، يشكر عليه العبد أن اغتنم هذه الحياة في طاعة ربه جل في علاه. والأصل أن المسلم إخواني في الله ينبغي أن يستغل هذا العمر فيما يرضي ربه، وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إن عمر المؤمن لا يزيده إلا خيرًا»، ولهذا نهينا عن تمني الموت، ما ينبغي للمؤمن أن يتمنى الموت، نهينا: «ارضَ، ارضَ بحالتك، ولو جعلك الله عز وجل في حال تجد أنك من أبأس الناس»، لا تتمنى الموت، جعلك الله فقيرًا معدما، جعلك الله مريضًا مقعدًا، جعلك الله عز وجل طريدًا بعيدًا مسافرًا مهاجرا مبعدًا، مهما بلغ بك البؤس لا تتمنى الموت يا عبد الله، لماذا؟ لأن «عمر المؤمن لا يزيده إلا خير»، أنت ما دمت حيًا أنت في خير، ما دامت هذه النفس تضطرب أنت على خير. لهذا نهينا عن تمني الموت، ابقَ، ابقَ يا عبد الله على هذه الحياة، لكن استغلها بما يرضي الله عز وجل، وقد قال عليه الصلاة والسلام حين سئل: «يا رسول الله، من خير الناس؟» قال عليه الصلاة والسلام: «خير الناس من طال عمره وحسن عمله»، هذا المعيار كما قلنا، لا تظن أن زيادة الأعمار في حد ذاتها نعمة، وإنما فيما يكرس هذا العمر. إذا رأيت من نفسك أن الله عز وجل يطيل في عمرك وأنت من رواد المساجد، وأنت تصوم رمضان تلو رمضان، وأنت تؤدي بل أديت منسك الحج، ولا زلت تؤدي العمرة بين الفينة والأخرى، وأنت يا عبد الله فيما يطيل الله في عمرك وأنت تزيد من أعمال البر والخير، وأنت واصل لأرحامك، وأنت بار بوالديك، وأنت وأنت على خير حال، اعلم أن الله ما أراد بك إلا كل خير، «خير الناس من طال عمره وحسن عمله»، وحسن عمله. وهذا يجرنا إلى مسألة أخرى مفادها لا تظن يا عبد الله أن مفهوم العبادة والأعمال الصالحة التي يبغيها الله منك أنها محدودة بزمن معين، لا، بل العبادة لا حد لها، وهذا يجرنا إلى الحديث عن أصناف من الناس لربما نعم يقبلون على الله ببعض الطاعات والعبادات لكن في جزء من حياتهم، مثاله أصحاب رمضان، لربما إذا دخل علينا رمضان وجدت فئة من الناس يشمر عن الصلاة وعن القيام وعن النفقة وعن قراءة القرآن، ويقبل على الخير، وما إن ينقضي رمضان لا تجد لهم أثرًا ولا تجد منهم تواجدًا لا في المساجد ولا عند القرآن، تركوا يا عبد الله، ما هذه عبادة لله عز وجل، الله ما يبغي هذا منك أنك تعبده وتأتي بالأعمال في رمضان ثم سائر الأشهر تدبر عنه. قال ربنا جل في علاه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، حياتك حياتك من أولها إلى آخرها هي لله، تعود إليه منه وإليه، هو الذي أعطاك هذه النعمة فهي تعود إليه، وهذا هو مقام الشكر قد كررناه أكثر من مرة، وهو الذي ينبغي أن يطبق في هذه النعمة، هي نعمة من الله أعطاك نعمة الشباب، أعطاك نعمة الفراغ، أعطاك نعمة الصحة، أعطاك نعمة الغنى، أعطاك نعمة الحياة، إذن تعود إليه بأن تستغل نعمة الصحة، نعمة الفراغ، نعمة الشباب، نعمة الحياة تعود إليه. قل: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فينبغي إخواني في الله أن نفهم مفهوم استغلال الحياة أن من أولها إلى آخرها ينبغي أن تكون لله جل وعلا، ما عندنا ما نسمعه من بعض الناس «يوم لك ويوم لربك»، أو «ساعة لك وساعة لله»، الأيام والأسابيع والسنوات والعمر والحياة كلها لله جل في علاه. ولهذا قال ربنا جل في علاه: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾، وأعظم عبادة بعد توحيد الله الحرص على أركان الإسلام، احرص على الصلاة، احرص على صيام رمضان، احرص على حج بيت الله، احرص على أداء الزكاة، هذه لا تفرط فيها يا عبد الله، الخيرية بعد توحيد الله فيها، إن ميت وأنت متمسك بها فاعلم أنك ستموت وربك عنك راضٍ جل في علاه. ثم قس على ذلك ما يكون من علاقتك مع الناس، علاقتك مع أهلك وزوجتك، علاقتك مع أولادك، علاقتك مع من تحب من خلق الله، فإن هذا مما يزيدك قربًا وعند الله جل في علاه، فالشاهد إخواني في الله أن هذا الحديث العظيم وهو في ختامه أن الله عز وجل على لسان النبي أمرنا أن تستغل هذه النعم الخمس: نعمة الشباب، ونعمة الفراغ، ونعمة الغنى، ونعمة الصحة، ونعمة الحياة. نعم من وجد وظفر بواحدة منها فليحمد الله، فما ظنك بالذي قد أنعم الله عليه باثنتين أو بثلاث؟ فكيف بالذي ظفر بالخمس؟ بالخمس منها، فليعلم أن الله أراد له كل خير، فبقي عليه أن يستغلها في طاعة ربه. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.