شرح مسائل الجاهلية  67

شرح مسائل الجاهلية 67

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 67، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تسمية الإسلام شركا وتنفير الكفار من دعوة الحق

يشرح المؤلف كيف أن أهل الجاهلية وصفوا الإسلام بالشرك واستدلوا بآية قرآنية، ويبين أن الكفار يظنون أنهم على الحق. كما يوضح كيف ينفر الكفار من دعوة الحق ويعتبرون أتباعها على ضلال.

تحريف الحقائق وتأثير الجهل بالله على الشرك

يتحدث عن تحريف الناس للحقائق وتسمية المعاصي بأسماء أخرى نتيجة لطمس البصيرة بسبب الجهل بالله. يشرح أن دعوة الأنبياء كانت لعبادة الله وحده وعدم الشرك به.

ختام وتأكيد على العلم الإلهي والصلاة على النبي

يشير إلى الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه ويختتم بالتأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم، ويظهر الرغبة في نيل البركة والرضا الإلهي.

  • 12 جمادى الأولى 1435هـ - 13/03/2014مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: السادسة والخمسون تسمية اتباع الإسلام شركا، كما ذكره في قوله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله﴾ الآية. هذه الفقرة أوضح المؤلف رحمه الله تعالى فيها أن من قصص أهل الجاهلية كيف أنهم تجرأوا على وصف الإسلام وعلى رمي دين الله جل وعلا الذي ارتضاه للعالمين أن يوصف بالشرك، وأنه شرك، واستدل المؤلف رحمه الله تعالى بهذه الآية: ﴿ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله﴾. ما كان لبشر، أي ما ينبغي ولا يكون لبشر، وقال العلماء: المغصود به نبينا صلى الله عليه وسلم، كما ذكر المفسرون، أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة، ثم يقول للناس: كونوا عبادا لي من دون الله، هذا ما يكون أن نبيا من أنبياء الله، سواء كان نبينا صلى الله عليه وسلم أو غيره، ما يكون هذا من حقه، أنه يأمر الناس بعبادته. ويذكر العلماء من أهل السير وهكذا التواريخ وأهل كتب التفسير تابعا لهم ما يتعلق بأسباب نزول هذه الآية، ويحتاج إلى نظر، لكن هذا قد اشتهر عندهم ما يتعلق بوفد نجران، نصارى نجران، عندما قدموا على نبينا صلى الله عليه وسلم وفدوا إليه، فأراد نبينا أن يظهر لهم الدين وإقامة الحجة ببيان دعوة الإسلام، فأمرهم ودعاهم وحثهم على الإسلام. فكان من أمرهم بعدما سمعوا ما دعا عليه الصلاة والسلام، قالوا: أتأمرنا أن نعبدك يا محمد كما عبدت النصارى عيسى بن مريم؟ عن أهالي دعوتك تأمر أن نعبدك؟ فأنزل ربنا جل وعلا هذه الآيات: ﴿ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون﴾. ويقول العلماء: إن هذه الآيات نزلت على هذه الحادثة. الحاصل أنهم سموا ما جاء به نبينا من الإسلام أنه شرك، لأن هذه حقيقة الشرك، فقولهم: إنك تأمرنا أن نعبدك، هذه حقيقة الشرك. وهل هذه دعوة النبي عليه الصلاة والسلام؟ حاشا وكلا. إذن أراد المؤلف رحمه الله تعالى من تسمية أو من هذه الآية أنه كان من أمر الوفد، وفد نجران، على صحة هذه القصة، أنهم سموا ما دعاهم إليه نبينا عليه الصلاة والسلام بأنه شرك، حيث أمرهم أو يظنوا أن ما يدعوهم هو في الحقيقة الدعوة إلى عبادته كما عبدت النصارى عيسى. ومن هذه الفقرة، إخواني في الله، يستفاد عدة فوائد، نشير إليها إشارات. منها أن من هذه يستفاد أن أهل الكفر يدعون أنهم على الحق. وجه ذلك في قول مؤلف رحمه الله تعالى: تسمية اتباع الإسلام شركة. فهذه الآية لو حملناها على عمومها، فقد كان أهل الجاهلية يرون أنفسهم أنهم على الحق وأنهم على ملة إبراهيم عليه السلام، وأن ما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم هو الشرك. إذن هذا ما مفاده: أنهم على الحق. إذا أنت يا محمد، سواء كان هذا الرمي من قبل النصارى أو قل بمعنى أعم من قبل الكفار، أنهم إذا رموا نبينا أنه أتى بالشرك، إذن هم على ماذا سيكونوا؟ هم على التوحيد، هم على أصل السلامة. وهذه، إخواني في الله، من الضلالات العظام أن الكافر وأن المبطل يظن نفسه على الحق. وهكذا ربنا جل وعلا في آيات كثيرة حكى ذلك عن أهل الكتاب وعن اليهود وعن النصارى وعن الكفار بشكل عام أنهم على الحق. وقالوا: «كونوا هودا أو نصارى تهتدوا»، سبحان الله! الهداية والفوز والنجاح والفلاح في صفوفهم، من كان يهوديا، من كان نصرانيا، بزعمهم أنهم على الحق. وقال اليهود كما حكى ذلك ربنا عنهم: «نحن أبناء الله وأحباؤه»، فانظر القمة والمرتبة السامية التي يظن اليهود أنهم قد بلغوها عند رب العالمين، أنهم أبناء الله وأنهم أحباء الله، تعالى الله أن يكون أمثال هؤلاء بهذه المرتبة التي ظنوها لأنفسهم. لكن هذا، إخواننا في الله، من الضلال أن يعتقد المبطل بهذا. نعلم إخواننا فيه، وهذا ليس خاصية موجودة في الكفار، بل كل مبطل في كل مبطل يرى من نفسه أنه على الحق. وهكذا قل يا عبد الله في حق أهل البدع، ما من مبتدع إلا ويرى نفسه على الحق. وهنا تكمن المصيبة. وعندما قام العلماء بالقياس بين أهل المعاصي وبين أهل البدع، وجدوا أن أهل البدع أخبث وأشر من أهل المعاصي. فكان من أوجه الترجيح هذه المسألة، لأن المبتدع عندما يأتي البدعة يرى نفسه على الحق، بخلاف العاصي عندما يأتي المعصية، يعلم أنه على خطأ. فتجد الاستجابة والانكسار والانقياد من العاصي ما لا يوجد في حق أهل البدع وفي حق أهل البدع لأنهم يرون أنهم على الحق. كذلك مما يستفاد من هذه الفقرة، إخواني في الله، أن المبطل سواء كان الكافر أو المخالف، مع أنه يرى نفسه على الحق، إلا أنه في المقابل يرمي من خالفه بالضلال. وهذه مصيبة عظمى، لأن هذه الآية التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى، عندما قام النصارى على صحة سبب النزول، وعلى المعنى الأعم، أن الكفار بشكل عام لما رموا نبينا وأن ما جاء به هو الشرك بالله سبحانه وتعالى، فإن ملوازم الشرك رمي أهل الملة، إذا كانت هذه الملة ملة شرك، إذن أتباع هذه الملة هم من المشركين. إذن فالكفار بعدما اعتقدوا أنهم على الحق وأن هذه الملة التي أتى بها نبيهم ملة الشرك، إذن من كان ومن سار على هذه الملة فهو مشرك. فالكفار بهذه المسألة، إخواني في الله، وهكذا المخالف يجد أن من خالفهم في دينهم وفي عقيدتهم أنهم على الضلال. وهكذا ربنا جل وعلا ذكر ذلك عنهم: «إنا لنراه في سفاهة»، «إنا لنراه في ضلال مبين»، من قالها في حق من؟ قالها قوم نوح، الكفار المشركون، قالوها في هذا العبد الموحد لله في نوح عليه السلام: «إن لنراه في ضلاله». بل قال ربنا جل وعلا عن أهل قريش: «إن هؤلاء لضالون»، سبحان الله! الصحابة بلغوا إلى هذا الحق أن يوصفوا بالضلال. لكن هذه المصيبة لتولدت من المصيبة الأولى أن المبطل عندما رأى نفسه أنه على الحق، رأى من خالفه، بل تعداه على كل مبطل من الأمة الإسلامية ومن كان خارج الأمة، فتجد أن أهل الأهواء وأهل البدع من الأشاعرة، من المعتزلة، من الجهمية، من المكارمة، من الكرامية، من الماتوريدية، وقس على ذلك، كلهم يعتقدون فيك يا أيها السني بأنك ضال. فبهذا، إخواني في الله، فعلى المسلم الصادق في إيمانه والسني المتثبت بمنهج النبي صلى الله عليه وسلم، فحينئذ يا عبد الله، فلا سبيل أمام هذه المجتمعات الفاسدة المفسدة إلا أن تربي نفسك يا عبد الله على الثبات، وعلى أن تعتاد على الغربة، اعتد يا عبد الله على الغربة، كن غريبا كما أمرك نبينا عليه الصلاة والسلام: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا». فأينما يممت وجهك يا عبد الله، فلا تفرح بأي فرقة، فإنها تعتقد أنها على حق وأنك على ضلال. فالمسلم يربي نفسه، وهكذا يخالف الله مما يستفاد من هذه الفقرة ما يتعلق بتنفير الناس، أن أهل الضلال وأهل الجهالات وأهل الكفر، مع أنهم يعتقدون أنهم على الحق ويعتقدون أنك على ضلال، لم يقتصر الأمر إلى مسألة عقدية أو أنها أمر معنوي يبقى في القلوب ويكتم. بل يظهر هذا، يظهر ذلك في فلتات الألسن، فتجد أن من خالفك يا عبد الله، سواء كان كافرا أو كان مبتدعا ضالا، أنه يصل به الأمر بعد هذه العقيدة التي ترسخت، العقيدة الفاسدة التي ترسخت في قلبه، إلى أن يخرج إلى حيز الوجود، فماذا يفعل؟ ينفر الناس كما فعل وفد نجران عندما سمعوا من سمعوا، وكانوا عددا كثيرا، لما سمعوا ما سمعوا من نبينا، أن واحدا منهم، ومعهم كذلك الرئيس وهو الزعيم في هذه المجلس، أنهم قاموا وعكروا على غيرهم. فدل ذلك على أن من أعظم أساليب الكفار أنهم يقوموا بالتنفير عن دعوة الحق. وقال الذين كفروا: «لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه»، فإذن معنى ذلك أنك يا عبد الله أمام خصوم أنهم سيدخلونك في حرب لا هوادة فيها، ذاك سيكون عليك هجمة شرسة، إما بإقامة الشبه، وإما إن استطاع مد الأيدي، بل مد السلاح، وينفر الناس عنك أيما تنفير، حتى لا تستمع. ولنا عبرة في دعوة نبينا عليه الصلاة والسلام، كيف إذا قام لربه داعيا بشيرا ونذيرا، كان الكفار له بالمرصاد، لو ربما ذاك صفق، ولربما ذاك صفر، ولربما جاء من يجلس إزاء النبي عليه الصلاة والسلام، ثم أتى يأتي بحكايات، بقصص من الشام، وقصص من الغرب والشرق، حتى يصرف الناس عن نبينا عليه الصلاة والسلام. كذلك يا عبد الله، مما يستفاد من هذه الفقرة، ولذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن من طرق الذي استخدمها الكفار في الصد والتنفير عن دعوة النبي عليه الصلاة والسلام ما يتعلق بقلب الحقائق. انظر كيف المؤلف رحمه الله تعالى قال هاهنا: تسمية اتباع الإسلام شركة، الإسلام هو الانقياد لله جل وعلا، ومختار لهذا الدين العظيم من الأسماء، إلا هذا الاسم، وهو الاستسلام لله، أي أن المؤمن هو الذي استسلم لربه استسلام الظاهر والباطن. فكيف بعد ذلك بعد هذه المعاني العظيمة يأتي ويجازف ويقول: إن الإسلام هو دين الشرك؟ هذا ما يكون إلا من طعمه الله جل وعلا بصيرة. فكان من فعل أهل الكفر قلب الحقائق، من فعلهم قلب الحقائق أنهم يأتون إلى الحقائق الراسخة فيخروجونها للناس على خلاف ما أراد الله جل وعلا. وعلى هذا جرى أهل البدع وأهل الأهواء وأهل الضلال، وكل من خالف دين الله جل وعلا، أن يسمي دين الله جل وعلا ويخرجوا للناس على خلاف حقيقته. فأتجد من أهل الأهواء ومن المخالفين كذلك من يسمي دعوة التوحيد بدعوة الشرك. عندما قال من قال من بعض الأتباع لأحد الباطنية من غلاة المتصوفة: قال: إن كلامكم وأن في فصوص الحكم أن فيه شرك، فقال: لا، القرآن كله شرك، والتوحيد في كلامنا. وعندما أتى الحلاج وأتى ما يسمى بالتوحيد، ما هو التوحيد الذي أتى به؟ هو الشرك. وعندما جاء المعتزلة بأصولهم الخمسة وسموا ما يسمى بالتوحيد، ما توحيدهم هو نفي الصفات. وهكذا هم يقلبون الحقائق. ما كان من دين الله جل وعلا يخرجونهم بالمخرج والإسم الذي ما يريده الله. وما كان على ضلالة أخرجوا بالإسم ماذا؟ بالإسم الشرعي. يأتي من يأتي ويسمي ما نراه من المعاصي والذنوب، يأتي إلى الخمر وإلى المشروبات المسكرة بما يسميها بالمشروبات الروحية. مشروبات روحية! إيش هذا؟ يأتي إلى شمبانيا، إلى غيرها، يقول: هذا مشروب روحي، خمر مشروب روحي. وإذا جاء المعاملات الربوية سمها ماذا؟ سمها فوائد. وبعضهم يأتي بإسم عصري يسميها عوائد، فوائد عين الربا. وهكذا إذا جاء ما يسمى بالانحراف بكل ما تعمله الكلمة من ضلال، انحراف وخروج عن الجادة وعن الصراط المستقيم، سمها هذا قلب الحقائق. إخواني في الله، إلا من طمس الله طمس الله بصيرته. وليأتي طمس البصيرة إلا إذا بلغ العبد من الجهل العظيم علما وعملا بالله، إذا بلغ العبد الجهل العظيم بالله جل وعلا علما وعملا، حينها يضرب الله جل وعلا على قلبه ويطمس الله جل وعلا على بصيرته، في حينها تنعكس عليه الأمور، فيرى الحق باطلا والباطل حقا، كما قال عليه الصلاة والسلام، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾. أتى زيغان وزوغان القلب بعدما هم زاغوا عن الدين والملة. وتأتي هذه الحقيقة، إخواني، من قلب الحقائق، كلما تقادم الزمن، وكلما تأتي قرب الساعة، نرى من هذه الصورة المذهلة أن الناس يقلبون الحقائق، حتى قال عليه الصلاة والسلام: «قبل الساعة سنوات خداعة، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، وينطق فيها الرويبضة»، قالوا: يا رسول الله، ومن رويبضة؟ قال: «الرجل التافه يتكلم في أمر العامة». هذا مما تنقل به الحقائق، تأتي عند رجل تافه، رجل ليس له معرفة لا في دين، ولا كذلك اطلاع في دنيا، أمي جاهل من أجهل الناس بعلم الدين والدنيا، ومع ذلك يترأس، يترأس المناصب، وتعقد له المجالس، ويتكلم إما في دين لا يتقنه، أو في شريعة لا يحسنها، وكل ذلك من الضلال. وحتى قال عليه الصلاة والسلام كما جاء في صحيح مسلم: «إنه يقال في الرجل يقال لرجل في آخر الزمان: ما أجلده، ما أضرفه، ما أعقله»، قال عليه الصلاة والسلام: «وليس في قلبه حبة خردل من إيمان»، ليس فيه إيمان قط، ومع ذلك له هذه المنزلة عند الناس: «ما أجلده، ما أضرفه، ما أعقله»، كل من صيغة التعجب والإعجاب والمفاخرة بأمثال هؤلاء بين قوسين الحثالة، كما قال نبينا: «وليس في قلبه مثقال ذرة من إيمان»، لكنها قمص البصيرة يبتل بها العباد، متى ما ابتعدوا عن شرع الله. وللكفار في ذلك النصيب الأوفر، وهكذا من سار على منهجه من أهل بدع. فقال مؤلفنا ورحمه الله تعالى: تسمية اتباع الإسلام الشركة. وكذلك فيما هذه الآيات فيه دلالة على أن من أعظم دعوة الرسل الدعوة إلى عبودية الله سبحانه وتعالى: ﴿ما كان بشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله﴾. من دون الله، أي مع الله، ليس هذا من دعوة الأنبياء الشرك بالله سبحانه وتعالى، وإنما أتوا بأعظم ما أتوا به هو إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبودية. وفيه كذلك فائدة أنه من اتخذ أحدا معبودا من دون الله جل وعلا فقد أشرك: «أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون»، فمن اتخذ كائنا من كان، اتخذ ملكا أو اتخذ نبيا أو اتخذ رسولا، فضلا عن غيرهم، إذا كان هذه الزمرة وهم من أشرف الكائنات السماوية والأرضية، الملائكة والأنبياء، من أشرف المخلوقات السماوية والأرضية، من تجرأ على أن يجعلهم معبودات من دون الله جل وعلا فقد أشرك. «أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون»، فما ظنك يا عبد الله بمن دونهم؟ فالنصارى كفار لأنهم جعلوا عيسى بمرتبة الله عز وجل، فأخذوا يعبدونه من دون الله أو مع الله سبحانه وتعالى. وأيضا كذلك فيه فائدة على أنه كذلك من ادعى العبودية لغير الله فقد كفر وأشرك. كذلك أنه من دعا الناس إلى عبادة نفسه فقد كفر وأشرك، ولو كان نبيا، أنه يدعو الناس، وحاشى الأنبياء، إذا دعا أحد إلى أن يعبدوه من دون الله، وهكذا ملك، فإن هذا من الكفر. فما ظنك يا عبد الله بمن دون ذلك ممن يرى من نفسه الصلاح؟ وقد وصل وقد وقع ذلك في بعض أهل الظلام، الفرق الباطنية، ممن لربما يتجرأ فيصل إلى مرحلة الطاغوتية، فيأمر الناس بعبادته، يأمر الناس بعبادته، من أن يتوجه له ماذا؟ بالعبادات. فيقول بعضهم لبعض أتباعه: أنك إذا وقعت في مدلهمة أو أصبت بالمصيبة فلا تضجر ولا تيأس، فما عليك إلا أن تهتف باسمي، أدعني، وما عليك بالباقي، سيأتيك الفرج، هذا كفر، وهذا كافر إذا دعا الناس إلى عبادة نفسه، أن يتوجه بالعبودية، فهذا كافر، وهذا من نواقض الإسلام التي اتفقت عليه الأمة، قضى اتفاق الأمة من أمة الإسلام على كفر من دعا الناس إلى عبادة نفسه. وأحيانا قد لا يأمر الناس بعبادة نفسه، لكن إذا وجد من أمره أنه يرضى بهذا، إذا وجد الناس أنهم صرفوا له الطاعة هو راضي بهذا الصرف، وإن لم يأمر، فوكذلك كافر، لأن الله جل وعلا ما جعل لأحد تصرف له العبادة سوى إليه جل في علا، ليس لملك ولا لنبي: ﴿ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون﴾. فلا يجوز لأحد، إخواني في الله، أن يصل به الحال لا في نفسه، ولكذلك يتوجه إلى غيره بالعبودية، فإن العبودية لله سبحانه وتعالى. فهذا إخواني في الله ما يتعلق بمثل هذه المسألة. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.