الدرس في شرح مسائل الجاهلية 51، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح المفهوم اللغوي والاصطلاحي للتعطيل وأقسامه، ويشمل إنكار وجود الخالق أو إلغاء نعوت الجمال والكمال لله. التعطيل يشمل تعطيل المصنوع عن الصانع وتعطيل الله عن كماله المقدس.
يشرح مفهوم التعطيل لله عن حقه الواجب، ويبين أن المعطل أعظم وشر من المشرك لأنه إما يعطل الذات أو يعطل كمال الذات. بينما المشرك أقر بوجود الله ولكن جعل له شريكاً.
يناقش معنى آل فرعون في قول ابن القيم رحمه الله تعالى، ويشرح معنى آل فرعون وهل تشمل فرعون نفسه أم لا. يستدل على أن كلمة آل قد تطلق أحيانًا بمعنى الذات وليس الأهل أو الأتباع.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ما يهده الله فلا مضل له، وما يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الأربعون، التعطيل كقول آل فرعون. اقتصر المؤلف رحمه الله تعالى على هذه الفقرة بهذه الكلمات، فقال: التعطيل كقول آل فرعون، ولم يذكر رحمه الله تعالى نصًا لإيضاح هذه المسألة والفقرة، ولعل ذلك لوضوحها ترك ذلك واقتصر على ذلك الإيضاح. وقول رحمه الله تعالى: التعطيل، أي من خصائص أهل الجاهلية ومما كانوا عليه، مسألة التعطيل، والتعطيل أي أنهم عطلوا ما يجب لله جل وعلا، معنى التعطيل أنهم عطلوا ما يجب لله سبحانه وتعالى. والتعطيل في اللغة مأخوذ من الإخلاء والترك، وبئر معطلة، بمعنى متروكة تركت. على هكذا صيغة اللغة يقولون، مثاله: جيد عطل، بمعنى العنق عطل، أي أنه خالي من الزينة، ويقال: إمرأة عاطل، بمعنى أنها خالية من الحلي، فالتعطيل بمعنى الإخلاء والترك عما يجب لله سبحانه وتعالى. وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن التعطيل ينقسم إلى أقسام ثلاث، منها وأولاها: تعطيل المصنوع عن الصانع، أي أنه وهذا فكر كان عند جماعات من الفرق قبل الإسلام ممن يعتقد أن هذه العوالم وأن هذه الكائنات والمخلوقات بغير خالق. تعطيل المصنوع عن الصانع، أي عن خالقها، كما كانت الدهرية تزعم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾، يرون أنهم بأنفسهم يحيون ويميتون، ليس هناك خالق يتحكم فيهم أو أنه يدبر أمورهم، فهذا من قسم الأول وهو تعطيل المصنوع عن الصانع، أي الظن بأن هذه المعمورة وهذه الكائنات وهذه المخلوقات بلا رب خلقها ولا أودعها ولا أنشأها. وكما قلنا هذا كذلك وقع عند بعض الفلاسفة ممن يقولون بقدم المخلوقات، وأن المخلوقات هي التي تتحكم بنفسها، فأنكروا وجود الرب سبحانه وتعالى. الصورة الثانية من صور التعطيل وهو تعطيل الله جل وعلا عن كماله المقدس، كإلغاء ما يجب لله جل وعلا من نعوت الجمال والكمال، كما تفعل جماعات من المبتدعة كالجهمية وغيرهم ممن ينكرون أسماء الله جل وعلا وصفاته سبحانه وتعالى، هذا تعطيل. الصورة الثالثة من صور التعطيل كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: تعطيل الله جل وعلا عن حقه الواجب، تعطيل الله جل وعلا عن حقه الواجب من العباد والتعبد وما يجب لهم. ويقول علماء: أن المعطل أعظم وشر من المشرك، ولماذا؟ يقول علماء: أن المعطل لو تلاحظ إما أنه يعطل الذات، يعطل الرب عن وجوده كما قلنا كالدهرية والفلاسفة ينكرون وجود الله جل وعلا، يعطلون هذه المعمورات عن خالقها، لا رب لا خالق. فالتعطيل أحيان يكون في الذات، وأحيانًا إذا من ألغى الذات، إذا من سيعبد؟ لا يعبد أحد، لما أبقى أحد من المعبودات حتى تعبد فألغاها، عطل الخالقة عن خالقها وأنكر وجود الرب سبحانه وتعالى كالدهرية، وكذلك فرعون، فرعون هذا كان تعطيله قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، ما يؤمن برب لله رب للكائنات للعوالم؟ جحد وعطل هذه المخلوقات عن خالقها، فالذي يعطل هذه المخلوقات عن خالقها إذا لا يعبد أحد، والدرجة الثانية من درجات التعطيل التعطيل للكمال لكمال الذات، فهذا إذا من دخل في هذا التعطيل وهو تعطيل كمال الذات هو أيضًا سيعبد من؟ لأن التعطيل لكمال الذات كما قلنا هو أنه يعرج على الأسماء والصفات فيعطلها يلغيها ينكرها كحال الجهمية مما يقولون. تخيل كحال الجهمية يعتقدون بأن الرب سبحانه وتعالى أنه عاري عن الصفات وعن الذات، عاري عن الصفات وعن الأسماء، أنه لا يسمع ولا يبصر ولا يغضب ولا يرضى، وليس في داخل العالم في العالم ولا في خارجه، إذا ما الذي أبقوا؟ إذا هو عدم، وفي حقيقة الأمر ما أثبت إلا العدم. والنفوس إخواني في الله عندما تتعلق بالذوات أي بالآلهة كلهم بدينه، فإنما يتعلقون بما كان عنده الصفات الكاملة، فالمعطل الذي عطل كمال الذات في الحقيقة لن يعبد أحد لأن ربه الذي يعبده قد عطل عن أسماءه وصفاته. فيقول العلماء كابن القيم رحمه الله تعالى: تجد أن المعطل هو يدور على أمرين اثنين، إما سيعطل الذات أو يعطل كمال الذات، وكل ذلك منقصه، لكن بخلاف المشرك، فإن المشرك قد أقر بوجود الله، أقر بوجود الله، ومع ذلك إلا أنه جعل مع الله شريك، جعل مع الله شريك، فالمشرك خير من المعطل باعتبار الذات. هذه المسألة ذكر العلماء كابن القيم رحمه الله تعالى فيما ياني أمر التعطيل، فقوله رحمه الله تعالى: الأربعون التعطيل كقول آل فرعون، إذن قول آل فرعون بمعنى فرعون الذي أنكر وجود الله جل وعلا، بل صرح أنه هو الرب: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، أنكر وجود الله جل وعلا، عطل الخالق عن الوجودية وأثبت ذلك لنفسه. وهنا مسألة قوله رحمه الله تعالى: التعطيل كقول آل فرعون، هنا كلمة آل قد تشكل، كلمة آل فرعون لأن الآل هي من حيث المعنى قريبة من كلمة أهل، لهذا بعضهم يستعوض هذه عن تلك، آل بمعنى أهل، آل فلان أهل فلان. والله ميزت كلمة آل بأن لا تطلق إلا على من له الوجاه والشرف، على من له الوجاه والشرف من علم من جاه من رئاسة، يقال: آل فلان، فهذه إطلاقاتها فتطلق على آل فلان، لكن هنا السياق المؤلف رحمه الله تعالى وأراد فرعون، كقول يعني يكون تقدير عبارة كقول فرعون. ولهذا بعض العلماء عرج على شرح الكلمة، ومنهم من صرح بأن هذه الكلمة زائدة، بأن هذه اللفظة آل يرى أنها زائدة، لكن هناك محمل آخر وهو مناسب، وقد وجد ذلك عند شراح الحديث، ذكروا فائدة أن آل أحيانًا تطلق ويراد بها الذات، أن آل تطلق ويراد بها الذات. لأن قلنا الأصل إذا قلت: آل فلان بمعنى أهل فلان، من الأتباع من الحاشية من الأقارب ومن كان تحت مظلته وتحت قهره، هذا الأصل في إطلاق آل، لكن العلماء يقولون: أحيانًا تأتي آل ولا يوراد منها الأتباع وإنما يوراد منها الذات نفس الشخص، يقول: آل فلان، أنا أريد فلان بنفسه بعينه. وهؤلاء استدلوا بما جاء في الصحيح في قوله عليه الصلاة والسلام في حديثه: «لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود»، ليس هناك أحد إلا داود، ليس هناك إلا داود عليه السلام هو الذي أوتي مثل هذه المزامير، كما قال الخطاب وجماع من المحش الراح، إذن ما معنى الحديث؟ معنى الحديث: لقد أوتيت مزمارًا من مزامير داود، من مزامير داود، فمعنى آل هنا بمعنى الذات. وقد صرح بذلك النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم، قال: وقد تطلق الآل ويراد منها الذات، وعلى هذا كذلك ابن حجر، وقبل ذلك الخطابي، صرح أن من معاني الآل أنها تطلق على الذات، فعلى هذا إذن لا زيادة في هذه اللفظة، وإنما كما قال مؤلف رحمه الله تعالى، وكما عناها أنه أراد من قوله آل فرعون بمعنى فرعون، إذن كقوله كقول آل فرعون أي كقول فرعون، لأن آل تطلق ويراد منها الذات. وبهذا إذن يزال هذا الإشكال، فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ولسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسن، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.