التعليقات على كتاب الأدب المفرد 430

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 430، ألقاها

آداب مخاطبة الجماعة وتوجيه الخطاب

يتناول هذا الفصل آداب مخاطبة الجماعة، حيث ينصح بعدم تخصيص فرد واحد بالحديث أو النظر أثناء مخاطبة الجماعة. هذا الأسلوب يحافظ على مشاعر الجميع ويمنع الشعور بالتخصيص أو الإهمال.

خطورة إطلاق البصر وأثره على القلب

يناقش هذا الفصل خطورة النظر الزائد عن الحد المشروع وأثره السلبي على القلب، ويشير إلى أهمية غض البصر لحماية القلب من الأمراض. كما يستدل بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية لتوضيح أهمية غض البصر.

فضل الصبر على فقد البصر والإنكار على المنكر

يبين النبي عليه الصلاة والسلام أن فقد البصر قد يكون خيرا إذا كان سببا في تجنب الإثم، ويبين أن الصبر على فقد البصر يعوض صاحبه بالجنة. كما ينبغي على المسلم أن ينكر ويظهر عدم رضاه تجاه بعض الأمور.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: باب إذا حدث الرجل القوم لا يقبل على واحد. قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: أخبرنا هشيم، عن إسماعيل بن سالم، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: كانوا يحبون إذا حدث الرجل ألا يقبل على الرجل الواحد، ولكن ليعمهم. هذا الباب: إذا حدث الرجل القوم لا يقبل على واحد، أي: إذا تحدث الرجل مع جماعة من الناس، فلا يقبل على واحد منهم، لا يقبل على واحد منهم في حديثه وكلامه، فيخصه من بينهم، كأن يقول: يا فلان، الأمر كذا وكذا وكذا، أو يقبل عليه بالنظر، يتكلمه وينظر إلى شخص من القوم، كأنه يوجه الكلام إليه ويعنيه بالخطاب، أو كذلك أيضا بالإقبال بالوجه، يقبل عليه بوجهه دون بقية القوم. بل يجعل كلامه وخطابه للجميع، يجعل خطابه للجميع. ذكر في هذا الأثر أثر حبيب بن أبي ثابت، قال: كانوا يحبون إذا حدث الرجل ألا يقبل على الرجل الواحد، لا يقبل عليه في حديثه بالكلام فيخصه، أو يقبل عليه بالنظر بأن يحد النظر إليه في كلامه وخطابه، بل يخاطب الجميع وينظر إلى الجميع، لا يجعل يعني من في المجلس يظن أنه يعنيه وأنه يخصه بالحديث والخطاب، بل يجعل كلامه للجميع، يجعل الخطاب للجميع. وهذا حتى لا يقع في نفسي هذا الذي يقبل عليه شيء، أنت عندما تتكلم بأمر، ثم تنظر إلى أحد الجلوس، تتكلم بأمر وتنظر إليه، ماذا سيقع في نفسه؟ سيقول: هذا يعنيني ويقصدني، أنا المقصود بهذا الكلام، فيقع في نفسه شيء. لكن تتكلم وأنت تخاطب القوم والجماعة، وتنظر في الجميع، لا تجعل النظر إلى واحد بعينه، أو الإقبال على وجهك على واحد بعينه، بل يكون للجميع، فتكون النصيحة والخطاب والحديث لجميع من في المجلس ومن يستمع. قال: باب فضول النظر. قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الأجلح، عن ابن أبي الهذيل، قال: أعاد عبد الله رجلا، ومعه رجل من أصحابه، فلما دخل الدار، جعل صاحبه ينظر، فقال له عبد الله: والله لو تفقأت عيناك كان خيرا لك. هذا الباب: باب فضول النظر، فضول النظر، أي: النظر الزائد، النظر الزائد عن الحد المشروع، فما زاد عن المشروع فهو فضول، فهو فضول. ويريد بذلك رحمه الله أنه ينبغي للمسلم أن يحذر من فضول النظر، وأن ينظر إلى الأشياء التي لا تحل له أن ينظر إليها. ولذلك جاءت الشريعة بالأمر بغض البصر، لما في ذلك من سلامة القلب، وكذلك أيضا ابتعاد المرء عن أسباب الشر. فإن أسباب الشر التي تدخل على الإنسان تدخل إما بفضول النظر، أو بفضول السمع، أو فضول الكلام. فقد يستمع إلى ما يضره، يستمع إلى ما يضره، كأن يستمع إلى الغيبة مثلا، أو يستمع إلى الغناء والمزامير، فإن هذا مما يضر قلب الإنسان ويمرضه، فيدخل له المرض بسبب فضول السمع، فإنه إذا استمع إلى ما لا يحل، ضره ذلك. وهكذا أيضا فضول الكلام، وسيأتي في الباب الذي بعد هذا الباب ما يتعلق بفضول الكلام. وهكذا أيضا فضول النظر، إذا نظر إلى ما لا يحل، فإن ذلك مما يمرض القلب، مما يمرض القلب ويوقع الإنسان في الإثم. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون﴾، هذا أزكى وأطيب وأطهر للمسلم إذا غض بصره، أن يسلم من خطوات الشيطان، ومن مصائد الشيطان. فإن الإنسان إذا أطلق النظر، فإنه يتبع ذلك التفكير، ثم بعد النظر ربما يكون اللقاء، ثم يقع بعد ذلك المحذور. فلذلك إذا سد هذا الباب، سلم من شر عظيم. والنظر كما يقول أهل العلم: إطلاق النظر سهم من سهام إبليس، سهم من سهام إبليس التي تصل إلى القلب وتعمل به ما لا يعمل. ماذا السهم؟ وكما قال القائل: كم من نظرة فعلت في قلب صاحبها فعل السهام بلا قوس ولا وتر، فتؤثر في القلب وتمرضه وتتعبه، وربما كان السبب في جره إلى الوقوع في ماذا المحذور، وفي الأمر المحرم. فإذا غضب بصره، سلم من ذلك، سلم من ذلك وأراح نفسه وأراح قلبه. ذكر هذا الأثر، قال: عاد عبد الله رجلا، فمعه رجل من أصحابه، فلما دخل الدار، جعل صاحبه ينظر، يعني: فضول النظر، ينظر في الدار، فقال له عبد الله: والله لو تفقأت عيناك كان خيرا لك. لو تفقأت عيناك، يعني: ذهب بصرك، لكان خيرا لك. يريد بذلك أنك تسلم من الإثم، تسلم من الإثم الذي قد تقع فيه بسبب إطلاق النظر، بسبب إطلاق النظر. فالذي تذهب عيناه ولا يرى شيئا، هذا يسلم من يعني كثير من الآثام والذنوب التي قد يقع فيها المسلم بسبب النظر. ولذلك إذا حفظ بقية الجوارح، كان ذلك سببا في دخوله الجنة. وفي حديث أنس أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: يقول الله عز وجل: «إذا قبضت إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه يعني عينيه فصبر، عوضته منهما الجنة»، إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر، يعني: احتسب وصبر ولم يجزع ولم يتسخط، قال الله عز وجل: عوضته عنهما الجنة، عن ذهاب عينيه وبصره، يعوضه الله جل وعلا دخول الجنة. وهذا إذا صبر واحتسب. وبذلك يسلم من كثير من الإثم الذي يدخل على الإنسان بسبب النظر، فكون الإنسان يذهب بصره ويسلم من فضول النظر خير له من إطلاق البصر، خير له من إطلاق البصر ويتحمل الآثام والذنوب الكثيرة بسبب ذلك. قال: وحدثنا خلاد، قال: حدثنا عبد العزيز، عن نافع، أن نفرا من أهل العراق دخلوا على ابن عمر، فرأوا على خادم لهم طوقا من ذهب، فنظر بعضهم إلى بعض، فقال: ما أفطنكم للشر. هذا الأثر يقول نافع: أن نفرا من أهل العراق دخلوا على ابن عمر، فرأوا على خادم لهم طوقا من ذهب، أي: من هؤلاء النفر، على خادم لهم طوق فيه طوق من ذهب، الطوق ما يلبس في العنق، فنظر بعضهم إلى بعض، يعني: كأنهم يستنكرون ذلك ويكلم بعضهم بعضا في هذا الأمر الذي رأوه. فقال ابن عمر رضي الله عنه: ما أفطنكم للشر، يعني: حين رأيتم ذلك وتفطنتم له، نظر بعضكم إلى بعض. وكأنه يقول: لماذا تنظرون إلى هذا الأمر، وهذا المنكر الذي ترونه. ويريد بذلك أن البعض قد ينظر إليه قد ينظر إليه على سبيل الإنكار، على سبيل الإنكار، وهذا أمر مطلوب، إذا نظر المسلم إلى المنكر أن يغيره إن استطاع بيده، فإن لم يستطع فباللسان، بالبيان والنصيحة، وإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان. أما النظر إليه على سبيل الاستغراب أو التعجب، فهذا لا ينبغي. وهذا مراده رضي الله عنه: ما أفطنكم للشر، يعني: حين رأيتم ذلك فجلس بعضكم ينظر إلى بعض. أما على سبيل الإنكار وعدم الرضا، فهذا الذي ينبغي أن يحصل من المسلم. صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على