التعليق على شرح الأربعين النووية  23

التعليق على شرح الأربعين النووية 23

الدرس في التعليق على شرح الأربعين النووية 23، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

شرح حديث «إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت» ووجهي معناه

يشرح الشيخ ابن عثيمين حديث أبي مسعود عن النبوة الأولى، مبينًا وجهين لمعنى «إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت»: الأول إباحة الفعل غير المستهجن، والثاني تهديد من عدم الحياء فيقع في القبائح. ويؤكد أن الحياء خلق محمود يدفع صاحبه لترك كل قبيح، وهو من الأخلاق التي حث عليها الإسلام.

فضل الحياء المحمود وأنواعه في الشرع

يتناول المقطع فضل الحياء المحمود الذي حثت عليه الشرائع السابقة، مستدلاً بآية المرأة التي جاءت موسى عليه السلام بحياء، وحديث «الحياء لا يأتي إلا بخير»، مع التفريق بين الحياء الممدوح الذي يمنع من القبيح، والحياء المذموم الذي يعيق طلب الحق، ويوضح معنى حديث «إذا لم تستح فاصنع ما شئت» على وجه التهديد لا الإباحة.

ضابط الحياء المشروع وتقييده بمراعاة المصلحة والمفسدة

يبيّن المقطع أن الحياء المحمود لا يمنع من فعل المباحات كطلب العلم من الأصغر أو المشي مع الزوجة، بل يُترك الفعل فقط إذا كان مستحيًا منه شرعًا، مع تقييد الإطلاق بمراعاة المفسدة؛ فقد يكون الفعل غير مستحىٍّ لكن فعله يثير مفسدة كتنفير الناس، فيُترك للمصلحة لا للحياء.

كلمة الختام والحمد لله رب العالمين

يختتم المتحدث المقطع بالاكتفاء بما تم طرحه ويختم بالحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وصلاتنا على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. بعد، وقفنا عند شرح الحديث العشرين، حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت». رواه البخاري. قال العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله: قوله صلى الله عليه وسلم: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت»، يعني أن من بقايا النبوة الأولى... هذا معنى قوله: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى»، فمعنى ذلك أن هذا الكلام الآتي اتفقت عليه الشرائع، فجاء هذا الكلام في شرائع الأمم التي قبلنا وأقره شرعنا، فهذا معنى قوله: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى»، يعني النبوة التي قبل مبعث نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولذلك قال: يعني أن من بقايا النبوة الأولى التي كانت في الأمم السابقة وأقرتها هذه الشريعة... ما هو هذا الكلام؟ «إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت». «إذا لم تستحِ» بكسر الحاء، «إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت». لأن الفعل «تستحِ» فهنا جزم بـ «لم»، وعلامة جزمه حذف الياء، والكسر دليل عليه. «إذا لم تستحِ إذا لم تستحِ» بكسر الحاء، «فاصنع ما شئت». «إذا لم تستحِ» قال: يعني... يعني ما معنى «إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت»؟ قال: يعني إذا لم تفعل فعلًا يستحَى منه فاصنع ما شئت. هذا أحد وجهين، أي فافعله. هذا التفسير الأول لهذا المعنى: «إذا لم تستحِ» إذا لم تستحِ معناه: إذا كان الفعل الذي تريد أن تفعله مما لا يستحَى منه، مما لم ينه عنه شرعنا، فهنا افعله، افعل ما شئت من الأعمال التي لا يستحَى منها. هذا التفسير الأول لمعنى قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت»، يعني فافعل ما شئت من هذه الأفعال التي لا حياء فيها ولا يستحَى منها. هذا الوجه الأول. قال: الوجه الثاني: أن الإنسان إذا لم يستحِ يصنع ما يشاء ولا يبالي، ويكون هنا بمعنى التهديد، فيكون المعنى: الإنسان إذا عدم منه خلق الحياء فهو سيصنع ما يشاء، وإن كان هذا الفعل مما يستحَى منه، وإن كان هذا الفعل مما نهى عنه الشرع، فلعدم حياء هذا الإنسان فإنه يصنع ما يشاء. وهذا نظير قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، فهذا من باب ماذا؟ من باب التهديد. هذا الوجه الثاني، وهذا هو الواقع، فإن الإنسان إذا ذهب منه خلق الحياء فإنه لا يستحِي لا من الله ولا من خلقه. لأن الحياء... ما معنى الحياء؟ الحياء قال العلماء: هو خلق محمود يبعث على فعل كل عمل قبيح... أو يبعث صاحبه على فعل كل عمل قبيح. نعم، الحياء هو خلق محمود يبعث صاحبه على ترك... عفوًا، يبعث صاحبه على ترك كل فعل قبيح. فأي فعل قبيح وفعل نهى الله عنه، فإن المستحي وكذلك المتصف بهذا الخلق يبتعد عنه ولا يفعله ولا يفعله. أما الذي قد تخلى عن هذا الخلق فتجده يقع في القبائح لأنه لا حياء عنده. فالحياء من الأخلاق الحميدة التي دعا إليها الإسلام في الرجال وفي النساء. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾، فذكرها الله عز وجل في مقام الثناء، في مقام الثناء. فهذه المرأة جاءت إلى موسى عليه السلام وهي غاية في الحياء، وصفها الله عز وجل بذلك، ولم تتكلم... ولم تتكلم إلا بما أوصاها به أبوها، قالت: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾، فقط ما زادت على هذا، ما ضحكت، ولا كذلك أتت بكلام آخر كنساء زماننا هذا، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وكذلك جاء في الصحيح أن رجلًا وعظ أخاه في الحياء فأنكر عليه آخر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «دعه، فإن الحياء لا يأتي إلا بخير». الحياء لا يأتي إلا بخير. والمراد بالحياء هنا الحياء الممدوح، فإن هناك حياء مذموم، وهو الحياء من عمل الحق والخير استحياء من الناس، هذا حياء مذموم، كالذي يستحِي مثلًا من طلب العلم بحجة أنه كبير أو أنه لا يفهم سريعًا، هذا الحياء مذموم. يقول مجاهد بن جبر: «لا ينال العلم مستحٍ ولا متكبر». الذي يستحِي لا يمكن أن ينال العلم وأن يتحصل على العلم. وإنما المراد بالحياء المحمود: الحياء الذي يبعثك... وكذلك يبعدك عن فعل كل قبيح. إذا أردت أن تنظر إلى محرم استحييت من الله ومن خلقه، إذا أردت أن تخرج كلمة سيئة استحييت أن تخرج هذه الكلمة السيئة، إذا أردت أن تظلم استحييت، إذا أردت أن تبغي استحييت. فهذا هو الحياء المحمود، هذا هو الحياء المحمود. وكان من صفات النبي عليه الصلاة والسلام أنه حَيِيٌّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حتى أن عائشة وصفت حياء النبي عليه الصلاة والسلام بقولها: «لقد كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها». العذراء: عن البنت التي هي مهيأة للزواج، تجلس في خدرها في مخبئها، فإنها تكون غاية في الحياء، تكون غاية في الحياء. فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان أشد حياء من هذه العذراء في خدرها. فهذا يدلك على عظيم هذا الخلق، وأنه من صفات نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: وكل المعنيين صحيح، يعني المعنى الأول والمعنى الثاني، كلاهما صحيح، ويحمل عليهما جميعًا. فمعنى «إذا لم تستحِ»: يعني إذا علمت أن هذا الفعل لا يستحَى منه فافعله، هذا المعنى الأول. والمعنى الثاني: أن الإنسان الذي قد ذهب عنه هذا الخلق ولم يتصف به فإنه يفعل ما يشاء، لأنه لا يردعه شيء، لا يردعه شيء، فإنه يفعل ويصنع ما يشاء. هذا هو المعنى، وهذا من باب التهديد، ليس من باب أن من لم يستحِ جائز له أن يفعل ما يشاء، لا، ليس هذا المراد، وإنما المراد به التهديد والوعيد. قال ابن العثيمين رحمه الله: يستفاد من هذا الحديث أن الحياء من الأشياء التي جاءت بها الشرائع السابقة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى»، يعني من كلام الشرائع السابقة، فهذا الحديث يدل على هذا، أن الحياء مما يدلك على عظيم منفعته وأثره، أن الأمم السابقة قد دعت إليه. قال: وأن الإنسان ينبغي له أن يكون صريحًا، يعني واضحًا، ما عنده مُغْمغَة، وما عنده كذلك تدليس، وإنما يكون واضحًا في عمله. قال: فإذا كان الشيء لا يستحَى منه فليفعله. شيء لا يستحَى منه افعله. مثالًا على سبيل المثال: على سبيل المثال طلب العلم عند الشخص الصغير، لكن هذا الصغير عنده علم، هذا الصغير سنه مثلًا عشرون أو ثماني عشرة سنة، فتح الله عليه وعنده من العلم، وأنت تبلغ من السن ثلاثين ولست عندك من العلم ما عند هذا الصغير الذي يعلم ويدرس الناس، فهل من الحياء المحمود أنك تترك مجلس هذا الصغير بحجة أنه أصغر منك؟ لا، ما تترك. فهذا معنى قوله: فإذا كان الشيء لا يستحَى منه فليفعله، فإن هذا شيء ما يستحَى منه، هذا حق. أو مثلًا مثال آخر: مثلًا في الزواج، نأخذ مثالًا في هذه العادة الموجودة في البلاد، فمثلًا في الزواج: هل يجوز للزوج... هل يجوز للزوج إذا تزوج أن يخرج مع زوجته مثلًا إلى منطقة أخرى أو إلى مكان آخر وهو مع زوجته المتحجبة الملتزمة؟ نعم يجوز، هذا... هذا لا يستحَى منه. فبعض الناس ربما يستحِي أن يمشي مع زوجته، لا، هذا شيء لا يستحَى منه، لأن هذا شيء... لا يستحَى منه، هي زوجته، ليست امرأة أجنبية حتى تستحِي أن تمشي معها. فبعض الناس ربما هكذا، الشيء الذي لا يستحَى منه يفعله ولا يبالي. فكونك تمشي مع زوجتك أو تخرج وتدخل وهي معك في بعض الأحيان أو تحتاج شيء أو إلى غير ذلك، هذا شيء لا يستحَى منه فيفعل. فهذا معنى قوله: فإذا كان الشيء لا يستحَى منه فليفعله. ومفهوم المخالفة: إذا كان الشيء يستحَى منه فلا يفعله، فلا يفعله. فمثلًا في الزواج نأخذ مثالًا آخر في الزواج: هل يجوز مثلًا للزوج لما يدخل على زوجته يجلس بجانبها والنساء ينظرن إليه؟ هل هذا شيء يعني يستحَى منه أو لا يستحَى منه؟ أنت جالس عند زوجتك والنساء ينظرن إليك وإلى زوجته، هذا يستحَى منه، لا يجوز هذا بأي حق، النساء ينظرن إلى الزوج وزوجته، فهذا شيء يستحَى منه، فهذا لا يفعله. عرفتم الآن؟ فهذا معنى قوله: فإذا كان الشيء لا يستحَى منه فليفعله. قال: وهذا الإطلاق مقيد بما إذا لم يكن في فعله مفسدة، وهذا من فقه الشيخ رحمه الله تعالى. فقد الشيء لا يستحَى منه، لكن في فعله ربما يكون هناك مفسدة. فمثلًا الناس في هذه البلاد مثلًا ما يعرفون مسألة: إنسان يكون محاضرًا في مسجد، وهنا عنده حارس معه آلي، وهنا حارس معه آلي، ويحاضرون ما شاء الله، الحراس بآلياتهم، هذا شيء لا يستحَى منه، صح؟ هذا شيء لا يستحَى منه. فالنبي صلى الله عليه وعلى الله عليه وسلم هو القائل: «من يحرسون هذه الليلة»؟ خصوصًا إذا خيف، ولم يكن من الآمن إلى غير ذلك. لكن إذا سيحصل في هذا مفسدة، الناس ربما ينفرون ويقولون: يعني هذا الآن في المسجد ومعهم هكذا وإي شيء حاصل وكذا، وربما ينفرون من المحاضرة أو من ذلك المجلس، فيراعى في ذلك المصلحة. فإذا يعني تبين أن المصلحة أن الحارس مثلًا يكون بعيدًا أو خارجًا أو بدون سلاح فليفعل. عرفتم هذا الآن؟ فينظر في ذلك إلى المصلحة والمفسدة. فهذا معنى قوله: وهذا الإطلاق مقيد بما إذا لم يكن في فعله مفسدة. أمر لا يستحَى منه، لكن إذا فعله الإنسان ربما تحدث وتحصل مفسدة، فهنا ترك هذا الفعل ليس لكونه يستحَى منه، وإنما لكونه ماذا يخلق مفسدة، لكونه يخلق ماذا؟ مفسدة. وعلى هذا فهذا هو مراد الشيخ، والله تعالى أعلم. وبه نكتفي، وإلى هنا، والحمد لله رب العالمين.