الدرس في التعليق على شرح الأربعين النووية 8، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع حديث النعمان بن بشير الذي يقسم فيه النبي صلى الله عليه وسلم الأمور إلى حلال بين، وحرام بين، ومشتبهات، ويؤكد أن الورع يتم بترك المشتبهات استبراءً للدين والعرض. ويضرب المثل بالراعي الذي يرعى حول الحمى ليقرب صورة التساهل في المشتبهات المؤدي للوقوع في الحرام.
يفسر المقطع تشبيه النبي صلى الله عليه وسلم للمتساهل في المشتبهات بالراعي القريب من الحمى، مبيناً أن حمى الله محارمه، وأن صلاح القلب (المضغة) يستلزم صلاح الجسد كله. كما يبرز دور أهل العلم في معرفة المشتبهات ويحذر من التشدد والتنطع في غير محله.
يسلط المقطع الضوء على خطر محقرات الذنوب ويشبهها بالحطب الذي يوقد ناراً عظيمة، ويستعرض أساليب النبي صلى الله عليه وسلم المتنوعة في التعليم كالأمثال الحسية والرسم والعمل والسؤال. ويؤكد مركزية صلاح القلب كأساس لصلاح البدن داعياً للعناية به بالطاعات.
يقرر المقطع أن أعمال الجوارح الظاهرة دليل قاطع على صلاح القلب أو فساده، فمن ترك المحرمات وأقبل على الطاعات دل على صلاح باطنه. ويرد على من يزعم طهارة القلب مع مخالفة الشرع مستنداً إلى قاعدة الشيخ ابن عثيمين في أن فساد الظاهر دليل على فساد الباطن.
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. بعد، طيب، إن شاء الله نقرأ ما ذكره العلامة ابن عثيمين في شرحه للحديث السادس، حديث النعمان بن بشير: «إن الحلال بين، وإن الحرام بين» الحديث. الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: قال الشيخ ابن عثيمين: قسم النبي صلى الله عليه وسلم الأمور إلى ثلاثة أقسام: قسم حلال بين لا اشتباه فيه، وقسم حرام بين لا اشتباه فيه، وهذان واضحان. أما الحلال فحلال، ولا يأثم الإنسان به، يعني بفعله. وأما الحرام فحرام، ويأثم الإنسان به. مثال الأول: حل بهيمة الأنعام. ومثال الثاني: تحريم الخمر. هذا كأمثلة، مثل للحلال البين بهيمة الأنعام. وما هي بهيمة الأنعام عندك يا وهاد؟ الغنم، بس في شيء ثاني؟ نعم، الغنم والبقر والجمال، هذا تسمى ماذا؟ بهيمة الأنعام. فهل في اشتباه في حلية؟ ما في اشتباه في حلية. هذا حلال، ماذا؟ بيّن. هذا من باب المثال، مثل بمثال واحد، فيمكن أن نأتي بأمثلة أخرى على الحلال البين، مثل ماذا؟ أيضًا حلال بين واضح: قراءة القرآن. نعم، البيع والشراء. يعني البيع والشراء هذا قد يكون في معاملات مشتبهة. تمام، في معاملات مشتبهة، يعني يمكن تقول: البيع والشراء إذا كان ما فيه شبهة. طيب، شرب الماء، شرب الماء الطاهر. أحسنت. كل هذا حلال بين. ومثل للحرام البين: تحريم الخمر. فالخمر حرام بين لا اشتباه فيه لأنه يخمر العقل ويذهبه، فحرمه الله. يمكننا أن نأتي بأمثلة أخرى، عندك يا أبا سهل؟ الربا. أحسنت. نعم، الخنزير حرام بين لا في اشتباه فيه، وغير ذلك. فإذن هذان القسمان واضحان: حلال بين، وحرام بين، يعني واضح، بين، معنى واضح. قال: أما القسم الثالث فهو الأمر المشتبه الذي يشتبه حكمه، هل هو من الحلال أو من الحرام، ويخفى حكمه على كثير من الناس، وإلا فهو معلوم عند آخرين. فهذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: الورع تركه، وأن لا يقع فيه الإنسان. وهذا له أمثلة من السنة. فأمثلة ذلك ما جاء في حديث عدي بن حاتم لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «إني أرسل كلبي» يعني كلب الصيد ليصطاد له ما يجوز استصاده من الحمر غير الإنسية، يعني الحمر الوحشية وغيرها مما يصطاد، فيرسل كلبه، الكلب المعلم، وهذا معروف في القرآن، يعني جاء ذكره في القرآن: «يعلمون الكلب ليصطاد». فكان يرسل كلبه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وإني أجد عنده كلبًا آخر» يعني غير معلم عند هذه الفريسة، فلا يدرى هل الذي صاد هذه الفريسة كلبه المعلم أو الكلب الآخر. فأمره النبي صلى الله عليه وسلم ماذا؟ أن يترك هذه الفريسة لأنه أمر مشتبه، هل هو حلال أو حرام؟ قد يكون حلال، وقد يكون حرام. متى يكون حلالًا؟ إذا صاده كلبه. صح. ومتى يكون حرامًا؟ إذا صاده الكلب الآخر. فإذا هذا أمر مشتبه. صح. فالورع تركه. وبينهما أمور مشتبهات في العصر الحديث. مثلا: كثير من المعاملات، ومن الأمور المشتبهة، مثلا: أقل أحوال هذا الدجاج غير المستورد من غير الدول الإسلامية، كفرنسا مثلا، أو يعني غيرها من بلاد الكفر، البرازيل وغيرها. فما يدري هل هؤلاء يذبحون هذا الدجاج بالطريقة الإسلامية؟ هل مثلا يذبحونه حتى يسكب الدم؟ الله أعلم. أقل أحواله أنه شبهة. مع أن بعض العلماء ذكروا أنهم ما يذبحون، إنما يصعقون. إذن أقل أحواله أنه شبهة، ما ندري هل هم يصعقون أو يذبحون؟ فهذا أمر ماذا؟ مشتبه. فالورع ماذا؟ تركه. وبينهما أمور مشتبهات، وقس على هذا، الأمثال على ذلك كثيرة. معاملة في البيع والشراء، ما تدري هل هذا البائع يملك هذه البضاعة أو لا يملكها، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيع المسلم ما لا يملك، وأنت لا تدري هل يملك هذه البضاعة وما يملكها، فالورع أن تترك هذه المعاملة. وهكذا أشياء كثيرة، بينهما أمور مشتبهات. فهذا الورع ماذا؟ تركه. وهذا ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: ولهذا قال: «فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه». ما معنى استبرأ لدينه وعرضه؟ قال: استبرأ لدينه فيما بينه وبين الله. ومعنى استبرأ: أي برأ نفسه، برأ نفسه من أن يتلاعب بدين الله. فهذا فيما بينه وبين الله: استبرأ لدينه فيما بينه وبين الله، لأنه لو وقع في هذه المعاملة المشبوهة وقع في الحرام، ومن وقع في الحرام فقد أضر بدينه. صح. الذي يقع في الحرام يضر دينه، يضر دينه. فترك المشتبه به تستبرأ لدينك، أي لا تقع في الإثم، فتصلح أو فتصلح ما بينك وبين الله، فقد استبرأ لدينه. قال: واستبرأ لعرضه فيما بينه وبين الناس، بحيث لا يقولون: فلان وقع في الحرام، حيث إنهم يعلمون. قال: واستبرأ لعرضه فيما بينه وبين الناس، بحيث لا يقولون: فلان وقع في الحرام، حيث إنهم يعلمونه وهو عنده مشتبه. يعني الذي يقع في المشتبه، فالناس لا يقولون: هذا الشخص إنما وقع في شيء مشتبه، معذور. لا، ماذا سيقول الناس؟ هذا وقع في الحرام، هذا ما يخاف الله، ويتكلمون عليه بالغيبة، ويتكلمون عليه كذلك بالسب والطعن في دينه وفي كذلك نفسه. فلما يترك هذا الأمر المشتبه يسلم له عرضه. عرفتم هذا الآن؟ فهذا معنى قوله: فقد استبرأ لدينه وعرضه. يعني فيما بينه وبين الناس، فلا يناله الناس بسوء، لا بسب، ولا بشتم، ولا بسوء ظن، ولا بغيبة، ولا إلى غير ذلك، فيسلم عرضه بسبب تركه للمشتبه. عرفتم هذا الآن؟ فهذا معنى قوله: فقد استبرأ لعرضه. واضح. قال: ثم ضرب... لأن الناس ما يقولون: هذا معذور، هذا وقع في أمر مشتبه. لا، ناس يقولون: هذا وقع في حرام، هذا ما عنده ورع، هذا ما عنده خوف، هذا كذا، ويتكلمون عليه. قال: ثم ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً لذلك بالراعي يرعى حول الحمى، أي حول الأرض المحمية التي لا ترعاها البهائم، فتكون خضراء لأنها لم ترع، فإنها تجذب البهائم حتى تدب إليها وترعاها. يعني أرض مزرعة يملكها ملك من الملوك، يحوطها، يجعل عليها سورًا لا يستطيع أحد أن يدخلها، هذا يسمى حمى، حمى من أن يدخل إليها من يفسدها. فهذه الأرض المحمية لا شك أنها تكون غاية في حسن النبات، وفي خضرار النبات، لأن لا يأكل منها أحد، لا تأكل منها البهائم، فتبقى خضراء. صح. فإذا جاءت البهائم حولها تنجذب إليها، تحب أن تدخلها لأنها أرض طيبة خضراء فيها من الأعشاب الكثيرة. فلو أتى راعٍ ورعى حول هذا الحمى، فإن الأغنام أو الإبل ربما تقتحم هذا الحمى وتدخل إلى هذه الأرض الخضراء وتفسدها. صح. فهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام: «كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه». يعني ربما تأتي هذه الأغنام وترتع، يعني ترعى، ترعى في هذا، في هذه الأرض المحمية. يوشك أن يرتع فيه. وضع هذا الآن. فهذا معنى قوله: كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «ألا وإن لكل ملك حمى». ومعنى ملك: يعني أمير أو رئيس أو حاكم، فيقال له ملك لكسر اللام. وإذا كان من المفرد الملائكة يقال له ماذا؟ ملك لفتح اللام. واضح. ملك هو مفرد الملائكة، فتح اللام. وملك هو الوالي أو الحاكم أو الرئيس أو إلى غير ذلك، يقال له الملك. فقال عليه الصلاة والسلام: «ألا وإن لكل ملك حمى». يعني أنه جرت العادة بأن الملوك يحمون شيئًا من الرياض التي يكون فيها العشب الكثير. يعني ما من ملك إلا وقد جرت العادة أنه يمتلك أرضًا ورياضًا يحميها ويجعل الزرع فيها. «ألا وإن لكل ملك حمى». هذا المعنى. قال: «ألا وإن حمى الله ما حرمه». أي ما حرمه على عباده فهو حمى، لأنه منعهم أن يقعوا فيه. فإذا هذا من باب التشبيه، الشيء الحسي بالشيء المعنوي. فحمى الله هي المحارم، يعني ما حرمه الله. فالمعنى: أن الذي يتساهل في أمر المشتبهات، يتساهل في أمر المشتبهات، يعني أمر مشتبه. قال: يا رجال، هذا ما هو حرام بين، له حلال بين، إذن أنا آكل. يتساهل في المسألة، الأمر المشتبه الأول والثاني والثالث، هكذا. هذا مثل الراعي الذي يأتي يرعى حول الحمى، يعني حول الأرض هذه المحمية. فالذي يتساهل في أمر المشتبه فهو يوشك أن يقع في ماذا؟ في الحرام. يوشك أن يقع في الحرام، لأن ما عنده ورع، ما عنده دين. فبتساهله في المشتبهات لا محالة أنه سيقع في ماذا؟ سيقع في المحرمات البينة الواضحة، البينة الواضحة. عرفتم هذا الآن؟ وهذا له نظائر كثيرة في السنة. يعني قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده». طيب، هل البيضة ربع دينار؟ ليست البيضة ربع دينار، لأن التي يقطع فيها اليد ربع دينار. البيضة شيء يسير. لكن كيف قطعت يده وهو سرق بيضة؟ وبيضة قال أهل العلم: تساهل أولاً في سرقة الأشياء اليسيرة التي لا تقطع بها اليد، مثل البيضة، مثل الخيط، مثل... يعني ثم دينار، عشر دينار، أشياء يسيرة. ثم تطور به الأمر إلى أن... أن سرق أكثر من ربع دينار، يعني ربع دينار فأكثر. فسرقة البيضة كانت سببًا في ماذا؟ في استمراره في السرقة حتى سرق ما هو أعظم منها. فكانت بدايته بسرقة البيضة، الشيء اليسير، حتى سرق ما هو أعظم. عرفتم هذا الآن؟ وهذا مثله الذي يتساهل في الأمور المشتبهة، في الأمور التي يظن أنها هينة ويسيرة، سيقول به الأمر إلى أن... إلى أن يقع في المحرمات، لأنه قرب من محارم الله، مثل ما ذاك الراعي الذي قرب من حمى الملك. وهذا قرب من محارم الله في وقوعه في المشتبهات، فيوشك أن يقع في المحرمات، ولا محالة. عرفتم هذا الآن؟ قال: ثم بيّن أن في الجسد مضغة، يعني لحمة بقدر ما ينضغه الآكل. يعني القلب عبارة عن قطعة يسيرة، سميت مضغة لأنها تقدر بما ينضغ في الفم، اللقمة التي تنضغ في الفم. القلب حجمه ومقداره كمقدار تلك المضغة، أي القطعة التي تنضغ في الفم. فهذا معنى قوله: «ألا وإن في الجسد مضغة». قال: «إذا صلحت صلح الجسد كله». يعني أن بصلاح هذه المضغة، وهذه القطعة، صلاح جميع أعضاء الجسد. فإذا صلح القلب صلحت العينان، وصلح اللسان، وصلحت الأذنان، وصلحت اليدان، وصلحت الرجلان، وصلح الفرج، وجميع أعضاء الإنسان يصلح بصلاح هذه المضغة. والعكس بالعكس: إذا فسدت هذه المضغة فسد جميع الجسد. عرفتم هذا الآن؟ فهذا معنى قوله: إذا صلحت صلح الجسد كله. قال: ثم بين بقوله: «ألا وهي القلب». وهو إشارة إلى أنه يجب على الإنسان أن يراعي ما في قلبه من الهوى الذي يعصف به حتى يقع في الحرام والأمور المشتبهات. يعني لا يتبع هواه، ولا يجعل قلبه يتبع ما تشتهيه نفسه، بل يضبط قلبه بضابط الشرع، بالكتاب والسنة. هذا المعنى. قالوا: يستفاد من هذا الحديث فوائد: منها: أن الشريعة الإسلامية حلالها بين وحرامها بين، والمشتبه منها يعلمه بعض الناس. ومعنى قوله: «وبينهم أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس»، إذن في ناس يعلمون هذا. ومن هؤلاء الناس لا شك أنهم أهل... من أهل العلم، فأهل العلم هم الذين يعرفون المشتبه من غيره. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7] إلى آخر الآية. قال: ومنها، يعني من فوائد هذا الحديث، أنه ينبغي للإنسان إذا اشتبه عليه الأمر، أحلال هو أم حرام، أن يتجنبه حتى يتبين له أنه حلال. وهذا قلنا في الأمر المشتبه. أما الأمر الذي ما فيه اشتباه، إنما هو وسوسة، وإنما هو تشدد وتنطع، فهذا لا يبالى به. لأن بعض الناس قد يدخل له الشيطان من هذا الباب، من باب التورع عن المشتبهات، فيحرم على نفسه، فيحرم على نفسه ما أحل الله عز وجل له. فمثلا يقول: هذا يعني المعلبات، يعني فيها شبهة. لماذا فيها شبهة؟ قال: لأنها تأتي من أعداء الإسلام. طيب، الله عز وجل حرم علينا الذبائح، هل حرم عليك الأناناس والمانجو، وكذلك التي تأتي من أعداء الإسلام؟ لا، هذا ما حرم، وما في أي شبهة. فلماذا أنت تحرمه على نفسك؟ يقول: هذا من باب الشبهة. هذا من باب التنطع والتشدد. نعم، أمر فيه مضرة أثبتها الأطباء مثلا وأهل الخبرة، يمكن أن تبتعد عنه، لا من باب التورع، إنما من باب البعد عن ما يضرك. لا، بس. عرفتم هذا الآن؟ إنسان قال: ماذا؟ مثلا هذه الثياب التي تأتي من أعداء الإسلام قد يكون فيها يعني حرير، قد يكون فيها كذا. من هذه الوساوس التي ربما تطرأ على بعض الناس. نقول: هذا وساوس. أما قد وقد، فهذه من نزغات الشيطان. لأن الحرير رسمه معروف، وثمنه باهظ، فكيف يضعونه في مثل هذه الملابس؟ وإلى غير ذلك. فالمراد بالأمور المشتبهة التي يعني لم يتبين أمرها. أما إذا كان يعني من الأمور التي هي من باب التنطع والتشدد، فهذا لا تعد من المشتبهات. قال: ومنها: أن الإنسان إذا وقع في الأمور المشتبهة هان عليه أن يقع في الأمور الواضحة. فإذا مارس الشيء المشتبه فإن نفسه تدعوه إلى أن يفعل الشيء البين، وحينئذ يهلك. وقد ورد حديث في هذا المعنى في التساهل في أمر الصغائر، والحديث يحسنه بعض أهل العلم. ففي هذا الحديث أن يعني المتهاون في أمر الصغائر كقوم أجمعوا حطبًا، فأصبح هذا يأتي بعود، وهذا يأتي بعود، حتى أنضجوا خبزتهم، حتى أنضجوا خبزتهم. فهكذا الذي يتساهل في أمر الصغائر، يعني نفسه تقول: إياكم ومحقرات الذنوب. المراد بمحقرات الذنوب: يعني الأمور اليسيرة في نظر بعض الناس، المعاصي اليسيرة في نظر بعض الناس. هذه إذا اجتمعت على الشخص ربما تهلكه. نفسه يقول: إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن إذا اجتمعن على صاحبهن أهلكنه، أهلكنه. ثم مثل بهذا المثال: كقوم يعني جمعوا حطبًا، فأصبح هذا يأتي بعود، هذا يأتي بعود. فانظروا النار من ماذا تشب؟ من عيدان صغيرة. صح. من عيدان صغيرة، عود مع عود مع عود، تنظرم نار عظيمة وكثيرة. وهكذا محقرات الذنوب لا يستهان بها. فكما قال الشيخ ابن عثيمين: أن الشخص الذي يتساهل في المشتبهات، فإنه بالممارسة، ممارسة هذه الأمور المشتبهة، يقع، وتدعوه نفسه إلى أن يفعل الشيء الحرام البين. قالوا: منها جواز ضرب المثل. فمن أجل أن يتبين الأمر المعنوي، يضرب له مثلاً بالأمر الحسي، أن يشبه المعقول المحسوس ليقرب فهمه، ليقرب فهمه. وأين هنا في هذا الحديث المثل المحسوس؟ «كالراعي يرعى حول الحمى». هذا مثل ماذا؟ محسوس. لأن فيه راعي، وفيه حمى، وفيه يعني أغنام أو إبل ترعى. هذا شيء محسوس. وأين الشيء المعنوي؟ الوقوع في محارم الله. قال عليه الصلاة والسلام: «ألا وإن حمى الله محارمه». طيب. فالوقوع في المحارم أمر معنوي. فالذي يتساهل في المشتبهات يخشى أن يقول به الأمر إلى أن يقع في المحرمات. صح. فهذا فيه ما ذكر: جواز ضرب المثل. ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلًا لشيء معنوي بشيء محسوس. قالوا: منها حسن تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم بضربه للأمثال وتوضيحها. فهذا أسلوب من أساليب الفهم. النبي صلى الله عليه وسلم استخدم عدة أساليب كي يقرب المعنى إلى أصحابه، وكي يفهم أصحابه المراد. فتارة بضرب المثل، وتارة بالرسم والخط. حديث ابن مسعود: «خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا مُسْتَقِيمًا». هذا من باب التعليم. بل أحيانًا بالفعل، كما في الصلاة. النبي صلى الله عليه وسلم ذات مرة صلى بأصحابه على المنبر. صح. فكيف كان يفعل؟ درستم هذا في الصفة. هذا المنبر ثلاث رقد. الصحابة خلفه يصلون، وهو يصلي بهم. فكيف فعل؟ يا بركة، يمكن تطبق لنا هذا على المنبر؟ ما تعرف؟ من يعرف الكيفية؟ عندك يا أسامة تعرف الكيفية؟ صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر... يصلف... لما... ليلة... سفل... قم... قم... قم... ور... الله... نجل... نبين. هذه الفائدة: أن النبي صلى الله عليه وسلم استخدم أساليب عدة في تعليم أصحابه وتقريب المعنى إلى أصحابه. كيف فعل النبي صلى الله عليه وسلم؟ هم يصلون خلفه، هو ماذا فعل؟ صعد على المنبر. جاء أنه في الركعة الثانية... نعم، يرفع يديه ويركع ويقرأ وهو هكذا. فإذا أراد أن يسجد ماذا فعل؟ رجع القهقرة حتى وصل إلى أصل المنبر... أيها... رجع... رجع إلى السجود، سجد. انظروا، لأن السجود ما يثأت على المنبر، لا يمكن أن يسجد على المنبر. ثم هكذا قام وصعد على المنبر، أن يكون مرتفعًا... لماذا؟ يمكن أن يصلوا المنبر. قال عليه الصلاة والسلام: «إنما فعلت ذلك لتعلموا صلاتي». يعلمهم حتى ينظرون إلى ركوعه، كيف يرفع، كيف يرفع يديه، أرفت... وهكذا. «إنما فعلت ذلك لتعلموا صلاتي». هذا مرة... بكم في الصفة ما درستوه في الصفة؟ صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم. فهذا أيضًا من أساليب التعليم. وأحيانًا بالخط، وأحيانًا بالسؤال. قال عليه الصلاة والسلام: «أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟» هذا الأسلوب أيضًا يقرب الفهم. لأن الشخص إذا سُئل يتفاعل مع الفائدة. الفائدة لما تلقى عن طريق السؤال تكون استجابة المستمع لها أقوى، أقوى. صح. لأنه يفكر في الجواب، ما يدري... لو النفس... عسل... المفتدان. قال لهم: «الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ... أَوْ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَصَدَقَةٍ، وَيَأْتِي وَقَدْ شَتَمَ هَذَا...» يعني ربما ما يكون مثل السؤال: من المفلس؟ كل أحد يفكر: من المفلس؟ يعني كما يقول: يشتد إلى الإجابة، يشتد، يكون مشدودًا يريد الجواب. أيش هذا الجواب؟ صح. هذا أسلوب أيضًا من أساليب التعليم. أسلوب من أساليب التعليم. وفي هذا الحديث قرب المعنى إلى أصحابه بماذا؟ بضرب المثل. هذا أيضًا أسلوب. المثل يقرب المعنى. لأن العرب أنا ذاك كانت حياتهم عبارة عن رعي. صح. أتى لهم بشيء في واقعهم العملي، شيء في واقعهم العملي. الآن مثل: لو عندك ناس فلاحون، إذا أردت أن تقرب لهم معنى، يمكن تأتي لهم بمثال فيه شيء من الزراعة، يعني يتعلق بأمور الزراعة، فيفهموه بسرعة. صح. عندك ناس صيادون مثلاً، يطلعون البحر، فتأتي لهم بشيء من أمور البحر، مثال من أمور البحر، يفهموه بسرعة. أن هذا واقعهم العملي. وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم ضرب لهم هذا المثال لأنهم أهل رعي، حياتهم كانت رعي وغنم، يعني إبل، إلى غير ذلك. فضرب لهم هذا المثال من أجل أن يفهموه. وهذا من تعليم النبي صلى الله عليه وسلم، وحسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه. قالوا: منها أن المدار في الصلاح والفساد على القلب. وينبني على هذه الفائدة أنه يجب على الإنسان العناية بقلبه دائمًا وأبدًا حتى يستقيم على ما ينبغي أن يكون عليه. كيف العناية بالقلب؟ كيف الواحد يعتني في قلبه؟ أي شيء يجب له؟ ما يه ويصفيه، أو يجب له هكذا وعطبه؟ كيف يصلاح قلبه؟ كيف يصلاح قلبه؟ بالطاعة. الأشياء التي تصلاح القلب: العلم، الطاعة، الاستغفار، التوبة. ويبتعد عن الأمور التي تفسد قلبه. أي شيء الأمور التي تفسد القلب؟ المعاصي. إذا أذنب العبد ذنبًا نُكت في قلبه نكتة سوداء. فإن تاب ونزع واستغفر صُقل قلبه، مُحيت هذه النقطة. وإن عاد زيدت فيه. الإنسان إذا أسرف على نفسه بالمعاصي وأتبع الذنب بالذنب، تتابعت النقطة على قلبه حتى يتكون الران. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: «حتى تعلو قلبه». فذلك الران الذي ذكر الله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: 14]. فإذن ينبغي على المسلم أن يعتني بصلاح قلبه، يبتعد عن الغفلة، يبتعد عن كثرة الثرثرة والكلام الذي لا يفيد، والضحك، كثرة الضحك، والأغاني، ومجالس القيل والقال. ويكثر من مجالس العلم، قراءة القرآن، والذكر، ومجالسة الأخيار، وإلى غير ذلك. قال: ومن أن فساد الظاهر دليل على فساد الباطن، بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله». ففساد الظاهر عنوان فساد الباطن. وهذه فائدة يغفل عنها كثير من الناس. القلب باطن. صح. فإذا صلح هذا الباطن صلح الظاهر. فأنت تستطيع أن تميز القلب الصالح من القلب الفاسد، مع أن القلب ما تراهنت بعينك. هل ترى القلب الآن؟ ما ترى القلب. لكن هناك علامات وإشارات تستدل بها على صلاح قلب صاحبها أو فسادها. ما هي هذه العلامات؟ عندك؟ ما هي هذه العلامات؟ عندك يا بغيس؟ لا تعرفني علامات؟ عندك يا أبا سهل؟ أيضًا النور... لا، لا، لا، لا، انتبه. عندك؟ إيه، هنا يعني تعرف الإنسان هل هو قلب صالح أم هو صالح؟ بماذا؟ فاهد من الأعمال الصالح. نعم، بما تعمل جوارحه. أن رأيت الإنسان يبتعد عن المعاصي، يبتعد عن الكلام البذيء، يبتعد عن سماع المحرم، يبتعد عن النظر إلى المحرم، يبتعد عن الذهاب إلى أماكن المحرمة، فهذا دليل على ماذا؟ على صلاح قلبه. صح. هذا دليل على صلاح قلبه. لكن لو إنسان يسمع المحرم، وينظر إلى المحرم، ولا يقف عند حدود الله، ولا يفرق بين حلال وحرام، ولا يحب قراءة القرآن، ولا يجنح الجلوس في مجالس العلم، ولا يكثر من ذكر الله، ولا كذلك يحب مجالسة الصالحين، هذا دليل على أنه ماذا؟ فسد القلب. إذن الظاهر دليل على الباطن. طبعًا. فهذا معنى قول الشيخ ابن عثيمين: أن فساد الظاهر دليل على فساد الباطن. وهذا فيه رد على بعض الناس. لما تقول له: يا أخي، ما يجوز أنك تجلس مع بنت عمك، أو بنت خالك، أو يعني بنت عمتك، لأنها ما هي من محارمك. فأقول له: فأعوذوا بالله، إيش قلوبكم هذا؟ أنا قلبي صافي. نقول: لا، لا، لا، أنت قلبك ما هو صافي. لأن لو كان قلبك صافي ما ستقع في هذه المحرمات. صح؟ مثل إنسان يعني يزني ويشرب الخمر، تقول له: يا أخي، أنت... قل لك: لأ، أنا قلبي صافي، أنا أفعل هذا لكن يعني أعطف على الفقراء والمساكين وكذا. يقول: لا، لا، لا، أنت قلبك ما هو صافي. لماذا؟ لأن الظاهر عنوان على الباطن. لو كان قلبك صافي لصارت أعمالك صالحة، ما ستخالف الشرع. إنسان أيضًا يصافح بنت عمه، أو يصافح بنت خاله، أو بنت عمته. ليش؟ إنسان يا رجل تفعل هذا، هذا ما يجوز. قال: أعوذ بالله، هذا بنت عمي أكبر مني، كيف أنا ما أصافح؟ أنا قلبي صافي، ما في نفسي شيء من هذا الأشياء. قل: لا، لا، لا، أنت لو قلبك صافي ما ستفعل هذا، لأن هذا يخالف الشرع، والقلب الصافي لا يعمل شيئًا يخالف الشرع. صح؟ فهكذا هذا قاعدة مفيدة ومهمة جدًا: أن فساد الظاهر دليل على فساد الباطن. فلا بد من صلاح الظاهر والباطن. وكذلك إذا كان الظاهر فاسدًا فسيكون الباطن فاسدًا. وهكذا. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر