الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح أهمية أسماء الله وصفاته وثبوتها بالكتاب والسنة، ويوضح الفرق بين الأسماء والصفات. الأسماء تعتبر أعلى من الصفات ومتعلقة بالذات، بينما الصفات تطلق على معانٍ تكون تبعًا للذات.
يناقش أهمية التمسك بالنصوص الشرعية في إثبات صفات الله عز وجل، ويحذر من الاعتماد على العقل في إثبات أو نفي الصفات. يجب الإيمان بصفات الله الواردة في القرآن والسنة وتلقيها بالتسليم والقبول.
يُبين تناقض المذاهب الكلامية مثل الأشاعرة في التعامل مع صفات الله، ويوضح الفرق بين التأويل والتفسير وخطأ استعمال أهل الكلام للتأويل في تحريف معاني الصفات.
يشرح الفرق بين التمثيل والتشبيه من حيث المعنى، حيث أن التمثيل أعم من التشبيه ويمكن أن يكون في جميع الصفات أو بعضها، بينما التشبيه يكون في بعض الصفات فقط.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد، قال الحافظ أبو محمد بن قدامة رحمه الله: له الأسماء الحسنى والصفات العلى، الرحمن على العرش استوى، له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، فإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى، أحاط بكل شيء علما، وقهر كل مخلوق عزة وحكما، ووسع كل شيء رحمة وعلمًا. يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ولا يحيطون به علما، موصوف بما وصف به نفسه في كتابه العظيم، وعلى لسان نبيه الكريم. هذا أيضًا في المقدمة، ضمن هذه المقدمة أن الله عز وجل له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وهذا كما قلنا يسميه أهل البلاغة براعة الاستهلال، يذكر في المقدمة ما يتكلم به في الكتاب أو في الخطبة، فلهذا قال هنا: له الأسماء الحسنى والصفات العلى، أي لله عز وجل. وهنا أكثر ما ركز المؤلف رحمه الله على الأسماء والصفات، ثم ذكر أيضًا تبعًا بعض العقائد التي اعتقدها أهل السنة. وفي كلام هذا الذي ذكره واضح أنه يريد أن يثبت أن ربنا جل وعلا له أسماء هي حسنة سمى بها نفسه جل وعلا، أو سماها له نبيه صلى الله عليه وسلم، وصفات على أيضًا سمى الله عز وجل بها، وصف الله عز وجل بها نفسه في كتابه، أو وصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم، لا يتجاوز الكتاب والسنة، لا يخرج عن الكتاب والسنة في أسماء الله وفي صفاته. فلا بد إذا أراد الإنسان أن يثبت اسمًا من أسماء الله عز وجل، لا بد أن يكون ثابتًا في الكتاب أو في السنة، فالاسم لا يثبت إلا بثبوته. وأيضًا لا بد أن يكون مضافًا إلى الله جل وعلا، فإن جاء منكرًا فليس اسمًا، لا بد أن يكون مضافًا إلى الله سبحانه وتعالى، يضيفه الله عز وجل إلى نفسه، أو يضيفه له رسوله صلى الله عليه وسلم. ولا تأخذ الأسماء من الصفات، لأن الإسم يعتبر أعلى من الصفة، الإسم متعلق بالذات، معنى الإسم يطلق على ذات الشيء، بخلاف الصفة، فالصفة إنما تطلق على شيء أو على شيء مضاف أو معنى يكون تبعًا للذات، الصفة تطلق على شيء يكون تبعًا للذات. فلهذا قال العلماء: أن الأسماء تشتق منها الصفات، والصفات لا تشتق منها أسماء. فليس من الخطأ أن يؤخذ الإسم من الصفة، مثلا على سبيل المثال صفة الهداية، صفة الهداية ذكرها الله عز وجل في عدة آيات، لكن لم يذكر الله عز وجل أنه الهادي، لم يذكر اسمًا من أسمائه يقال له الهادي، فلهذا ليس من أسماء الله عز وجل الهادي. كذلك النصر، النصر صفة من صفات الله عز وجل أنه ينصر عباده المؤمنين وغيرهم، لكن ليس من أسماء الله عز وجل الناصر، لم يذكره الله عز وجل ولا نبيه صلى الله عليه وسلم. وكذلك أيضًا غيره من هناك صفات كثيرة، وباب الصفات أوسع من باب الأسماء، فلهذا فليس في كل صفة نجعلها اسمًا، لا، وإنما الصفة صفة. لكن هناك باب آخر يتعلق بهذه الأبواب، وهو باب الإخبار، فقد يجوز أهل العلم ذكر مثلًا اسم ليس على سبيل الإسمية، وإنما على سبيل الخبر، مثلا يقال: الله عز وجل هادي إلى سبيل الرشاد، هذا ليس اسمًا وإنما هو خبر، وهو خبر صحيح يخبر عن الله عز وجل أنه هادي إلى سبيل الرشاد، أيضًا ناصر عباده، وغيرها من هذه الأسماء التي قد يقال بها على سبيل الخبر وليس على سبيل الاسم. فلهذا فالأولى أن لا تعبد هذه الأسماء، لا تعبد في أسماء الناس، هذا من باب الأولى لأنه ليس اسمًا من أسماء الله عز وجل. فلهذا فأسماء الله عز وجل توقيفية، وصفاته كذلك توقيفية على الكتاب والسنة، ما جاء في الكتاب والسنة أثبتناه، وما لم يأت في الكتاب والسنة لا نثبته. قال: موصوف بما وصف به نفسه. قال هنا: أحاط بكل شيء علما، عن صفة العلم التي هي صفة عظيمة لله عز وجل، ويعدها لأشاعرة من الصفات العقلية التي أثبتوها، والتي أثبتتها بلا صح عقولهم، معنى هم قالوا: أن هذه الصفات أثبتناها بالعقل. المعتزلة يخالفونهم في هذا، المعتزلة يخالفونهم في ثبوت السبع الصفات، وعقول المعتزلة لم تسق لهم أن يثبتوا هذه الصفات السبع، لكن عقول الأشاعرة أثبتتها، وكل واحد منهم يقول: أن عقله هو المضطرد وهو العقل الصحيح. حتى قال شيخ الإسلام رحمه الله: فيا لتشعري بمن نحكم الناس أو على عقل من نحكم الناس، هي على عقل الجهمية أو المعتزلة أو الأشاعر، الجهمية يقولون: العقل ينفي الأسماء والصفات، والمعتزلة تقول: العقل يثبت الأسماء وينفي الصفات، والأشاعرة يقولون: العقل يثبت الأسماء لكن أيضًا يثبت سبع صفات مع حوالها، وهذا كله تناقض منهم، ولو أنهم رجعوا إلى طريقة الكتاب والسنة، فالله عز وجل أعلم بنفسه، وأعلم به رسوله صلى الله عليه وسلم الذي أوحى الله عز وجل إليه، فلماذا يتدخل في مثل هذه الأمور؟ فما أثبته الله عز وجل لنفسه أثبتناه، وما نفاه الله عز وجل عن نفسه نفيناه، وهكذا رسوله صلى الله عليه وسلم. ولهذا قال المؤلف هنا: وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى صلى الله عليه وسلم من صفات الرحمن واجب الإيمان به، وتلقيه بالتسليم والقبول، وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل. كل ما جاء في القرآن، وكذلك أو صح عن المصطفى من صفات الرحمن، صح عن النبي عليه الصلاة والسلام من صفات الرحمن، أي شيء الواجب؟ قال: وجب الإيمان به، يجب أن نؤمن به أولًا، وتلقيه بالتسليم، لا نعارض، لا نناقش، ولا نقول: لماذا هذا لله؟ معنى هذا يستحيل أن يكون لله، وكأنهم أعلم بالله عز وجل من نفسه، كما قال الله عز وجل: ﴿قل أأنتم أعلم أم الله﴾. فالله عز وجل هو الذي أثبت لنفسه صفة العزة، وأثبت لنفسه صفة اليد، فلماذا تثبتون صفة العزة ولم تثبتوا صفة اليد؟ أي لأشعره، ومنح نحوه من الماتريدية أيضًا، فقولهم تناقض. لهذا إن شاء الله تعالى سنبين كما ذكر شيخ الإسلام: أن من المذاهب المتناقضة جدًا مذهب الأشعري، وتناقضهم في مذهبهم أكثر من تناقض المعتزلة والجهمية، لأنهم أرادوا أن يجمعوا بين طريقتين: طريقة الإثبات طريقة أهل السنة، وطريقة النفي طريقة الجهمية والمعتزلة، لكنهم لم يستطيعوا أن يتوسطوا أو أن يثبتوا ذلك، فصاروا في مذهب متناقض. فلهذا فطريقة أهل السنة أنهم يؤمنون بالصفة والإسم إذا جاء في الكتاب والسنة، ويتلقونه بالتسليم، لا يعارضون، ولا لماذا هذا؟ ولا يستحيل أن يثبت له. وكذلك القبول، يتقبلون هذا دون معارضة. قال: وترك التعرض له بالرد، لا يرد، ولا أيضًا يقال كما قلنا: أنه مستحيل. والتأويل، التأويل هذا غالبًا يقصد به أهل الكلام صرف اللفظ عن ظاهره، وهذا لا يعرف في لغة العرب، ولا يعرف أيضًا في الكتاب والسنة أن التأويل المراد به صرف اللفظ عن ظاهره، لكن استعملها أهل الكلام، وجرى بعض العلم على ما استعملوه. وإلا قوله هنا: والتأويل أصلا التأويل لا يطلق على صرف اللفظ عن ظاهره، وإنما التأويل هو التفسير أو مآل الأمور، حقيقة الأمر كما جاء في القرآن. وقوله مثلًا: ابن جرير وغيره: وتأويل هذه الآية تفسيرها. وقوله جل وعلا: ﴿ولا يعلم تأويله إلا الله﴾ أي تفسيره ومآله حقيقة. وقال الله عز وجل: ﴿يوم يأتي تأويله﴾ أي عاقبة ذلك ومآله وحقيقة أمره. فلهذا فالتأويل كما ذكر شيخ الإسلام وغيره: أنه من البدع أن يطلق على تحريف اللفظ عن ظاهره أو صرف اللفظ عن ظاهره، لكن استعمله أولئك أهل الكلام، وجرى معهم بعض أهل العلم تمشيًا على ما قالوا. فقال: وترك التعارض له بالرد والتأويل. ولأن الجهمية ينفون الصفة، وهو التعطيل الذي يسميه العلماء تعطيل، والمعتزلة والشاعر يؤولون معناه، يحرفون، يحرفون معنى الصفة، يأتون لها بمعنى آخر. وكذلك أيضًا الجهمية أيضًا لهم دور في هذا. والتشبيه أيضًا هو مذهب المذاهب الباطلة أن يشبه الله عز وجل بخلقه، والتمثيل والتمثيل هو عم من التشبيه، لأن التشبيه قد يكون خاصًا، والتمثيل يكون عامًا. ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن إطلاق التمثيل في هذا المقام أفضل من إطلاق التشبيه. قال: إطلاق التمثيل في هذا المقام، أي في الكلام في نفي التمثيل عن الصفات أفضل من إطلاق التشبيه، لماذا؟ قال: لثلاثة أمور، أولًا: أن التمثيل هو لفظ الكتاب والسنة، ﴿ليس كمثله شيء﴾، ولم يأتي التشبيه. وكذلك أيضًا الأمر الثاني: أن التشبيه استعمله أهل البدع في ثلب أهل السنة، يقولون: مشبه، ويريدون به إثبات الصفات، فجعلوا إثبات الصفات تشبيهًا، وهذا أيضًا مما يبين أن لفظ التشبيه لا يطلق، والأفضل التمثيل. وكذلك أيضًا من ناحية المعنى، وهو الأمر الثالث: أن التمثيل أعم، بخلاف التشبيه، فإنه يكون في بعض الصفات، التشبيه يكون في بعض الصفات، أما التمثيل يكون أعم، يكون في الصفات كلها، ويكون في بعضها. فلهذا قال شيخ الإسلام: أن إطلاق التمثيل لفظ التمثيل أفضل من إطلاق لفظ التشبيه. هذا ما ذكره هنا المؤلف رحمه الله، ونكتفي به، ونكمل في درس لاحق.