الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 11، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
التفسير هو بيان معاني القرآن الكريم، ويُعرَّف لغةً بأنه الكشف عن المغطى. يُعتبر تعلم التفسير واجبًا، سواءً كان عينيًا أو كفائيًا.
يُبرز أهمية تعلم القرآن ومعانيه وتفسيره كما كان السلف الصالح يفعلون، ويشير إلى وجوب بيان العلماء لمعاني القرآن للناس. يُفصَّل بين الواجب العيني والكفائي في تعلم التفسير.
يشير إلى انتهاء الدرس مع الدعاء للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بالصلاة والتسليم، ويُظهر تواضع المتحدث بإقراره بأن الله تعالى أعلم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال إمام بن عثيمين رحمه الله تعالى في رسالته «أصول في التفسير». قال رحمه الله تعالى: التفسير وضع المؤلف رحمه الله تعالى هذا الفصل في ذكر المسائل المتعلقة بتفسير كتاب الله وكلامه سبحانه وتعالى. قال التفسير لغة من الفسر، وهو الكشف عن المغطى. وكذلك من باب الفائدة هناك اصطلاح، هناك لفظة هي تعطي معنى التفسير، وهي التأويل. فإن التأويل هي بمعنى التفسير، وهذا مصطلح جرى عليه عمل العلماء القدامى كأمثال الطبري رحمه الله تعالى، من قرأ في تفسير الطبري، تجده في بعد كل آية إذا أراد أن يقوم بتفسيرها، قال: وتأويل هذه الآية كذا، وتأويل هذه الآية كذا. ما معنى التأويل؟ بمعنى التفسير، بمعنى التفسير. والتأويل يأتي على عدة معان، ويهمنا أنها تأتي بمعنى التفسير. وأحيانا، وهذا من التنبيهات، أن بعض الناس إذا مرت عليه كلمة التأويل مباشرة، يجعلها في ذهنه أنها بمعنى صرف اللفظ عن ظاهره، لكن هذا مصطلح متأخر، هذا اللفظ مصطلح متأخر، وهو صرف اللفظ عن ظاهره. لكن التأويل في لغة العرب، وعند العلماء من القدامى، أن التأويل بمعنى التفسير. والأدلة الشرعية تدل عليه، كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل»، «اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل»، بمعنى علمه التفسير. وهكذا كما قال ابن عباس رضي الله عنه عن نفسه، قال: «أنا ممن يعلم تأويله»، «أنا ممن يعلم تأويله»، أي بمعنى يعلم تفسيره. فكلمة التأويل تأتي بمعنى التفسير. وحتى قال الإمام اللغوي أبو العباس المعروف بثعلب، قال رحمه الله تعالى: التأويل والمعنى والتفسير واحد، التأويل والمعنى والتفسير أي هذه المترادفات الثلاث، قال: التأويل والمعنى والتفسير واحد، أي كلها بمعنى واحد، كلها تأول إلى معنى واحد، وهو إلى فهم الألفاظ. كما سيأتي في تعريف المؤلف رحمه الله تعالى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: التفسير لغة من الفسر، وهو الكشف عن المغطى، فكونك تكشف عن شيء كان مغطى، هذه العملية تسمى فسر، لأنك كشفته وأبنته وأظهرته، فهذا معناه في اللغة. وهذا قد ذكره ابن منظور رحمه الله تعالى في لسان العرب، عندما عرف الفسر، قال: وهو الكشف عن المغطى. إذن فكلمة تفسير تدور معانيها على الكشف والإيضاح والبيان، الكشف والإيضاح والبيان. ويقال كذلك: فسر الرجل عن ذراعه، أي أظهرها. فسر أو فسر الرجل، لأن تأتي بالتخفيف فسر، أو تأتي بالتثقيل فسر، فسر بمعنى الكشف. قال رحمه الله تعالى: وفي الاصطلاح بيان معاني القرآن الكريم، هذا توضيح لمعنى التفسير، وفائدة. كذلك هناك كلمة أخرى كذلك هي بمعنى التفسير، وهي الشرح. لكن تجد أن من صنيع العلماء أنه يفرقون بين التفسير وبين الشرح، وإلا معناها واحد. ما هو الفرق الذي درج عليه العلماء؟ أنهم اصطلحوا على جعل التفسير يتعلق ببيان مفردات القرآن، والشرح جعلوه فيما عدا ذلك. مثلا تجد عندك في تأويل الآيات، تقول: وقد فسر ابن كثير هذه الآية على ذلك النحو، أو ذهب الطبري في تفسير هذه الآية على كذا. تجد أن العلماء إذا تكلموا عن بيان ألفاظ القرآن، عبروا بالتفسير. وأما إذا أرادوا أن يعبروا عن معاني ألفاظ الأحاديث النبوية، ماذا يقولون؟ شرح هذا، شرح لهذا الحديث، أو قام الإمام ابن حجر وشرح حديث النية. تقول: شرح، وإلا يمكن أن تغير، يمكن أن تقول: وقام ابن كثير وشرح الفاتحة، يمكن هذا. أو تقول: وذهب الحافظ ابن حجر وفسر حديث النية، يمكن، لكن العلماء اصطلحوا على خلاف ذلك. هذا اصطلاح جرى عليه عمل العلماء، أنهم جعلوا الذي يريد أن يبين مفردات القرآن، يستخدم كلمة التفسير، فسر يفسر التفسير. ومن أراد أن يبين معاني ما سوى القرآن من كتب العقيدة، كتب الفقه، كتب الحديث، يستخدم لفظة الشرح، شرح ويشرحوا، والشروحات. وهذا كما قلنا إنما مصطلح اصطلح عليه العلماء في تعاملهم، في بيان ألفاظ القرآن تحت مسمى التفسير، وما سوى ذلك تحت مسمى الشرح، وإلا الأمر واحد في هذا وإذاك، لكن هو اصطلاح ما شاء عليه العلماء، ولا زالوا على هذا المنوال. قال رحمه الله تعالى: وفي الاصطلاح بيان معاني القرآن الكريم، هذا خلاصة معنى التفسير. ما معنى التفسير؟ هو بيان معاني القرآن الكريم. جعل كلمة التفسير متعلقة ببيان مفردات القرآن، وهذا الضابط إخواننا في هذا الضابط مهم جدا، لكي نعرف ما معنى التفسير أصلا. التفسير حقيقته وخلاصته وثمرته أنك تستبين معاني مفردات القرآن، ويلتحق بهذا بعض المسائل، مثل أسباب النزول، تدخل في علم التفسير. أسباب النزول تدخل في علم التفسير، لكن الأصل أن الركيزة في علم التفسير هو أنه يبين معاني القرآن، يبين معاني القرآن. والعلماء يراعون هذه المسألة، ويحاولون أنهم يجعلونها هي الأصل في تفسير كتاب الله وكلام الله سبحانه وتعالى. لأننا نجد من بعض المفسرين من لربما يسترسل، يسترسل عند آية منها الآيات، بذكر أشياء هي ليست من صميم التفسير. انتبه، يسترسل في ذكر أشياء لها تعلق بالآية، نعم، لكن ليست من صميم التفسير. التفسير يدور على هذا الفلك، وهو أنه يبين لك معنى الكلمة القرآنية، المفردة القرآنية، كونك تريد أن تكشف عن معناها، هذا يسمى التفسير. ما زاد عن ذلك، هذا لا يدخل في علم التفسير. وأذكر من الفائدة ما ذكره الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى في «فتح القدير»، عندما تكلم عن سورة الإسراء وما يتعلق بأمورها، ذكر في مقدمة عن تفسير هذه السورة، قال رحمه الله تعالى: واعلم أنه قد أطال كثير من المفسرين كابن كثير، والسيوطي وغيرهما في هذا الموضع، بذكر الأحاديث الواردة في الإسراء على اختلاف ألفاظها، وليس في ذلك كثير فائدة. والمقصود في كتب التفسير ما يتعلق بتفسير ألفاظ الكتاب العزيز، وذكر أسباب النزول، وبيان ما يؤخذ من المسائل الشرعية. وما عدا ذلك فهو فضلة لا تدعو إليه حاجة. إذن الشوكاني رحمه الله تعالى انتقد على بعض المفسرين الاسترسال في ذكر الأحاديث، أحاديث الفضائل. وهذا موجود، طبعا من قرأ في تفسير كثير، أنه رحمه الله تعالى في بداية كل سورة يسترسل بذكر فضائلها، وما جاء بذكرها من الأحاديث النبوية. هذا لو جئت في الحقيقة، هذا ليس من أصل التفسير، حتى تعلم ما هو التفسير وما هو ليس من التفسير. التفسير يتعلق ببيان الكلمات، كلمة تأتي بمعانيها، وما يتعلق بها من أحكام. فذكر الأحاديث الفضائل مثلا، هذا ما يعتبر من علم التفسير، إنما هو أمر فضلة، يأتي به بعض المفسرين من باب إتمام الفائدة، لكن لا تجعل هذا هو أصل من أصول علم التفسير. علم التفسير يدور على هذا الفلك، وهو بيان معاني ألفاظ القرآن. وهكذا ما ذكره كذلك أبو حيان رحمه الله تعالى في تفسيره، عند قوله تعالى: ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾، قال رحمه الله تعالى: وقد تعرض الزمخشري هنا بذكر فائدة تفصيل القرآن وتقطيعه سورا. يقول أبو حيان عن الزمخشري: أنه ذكر في هذه السورة «فأتوا بسورة من مثله»، ذكر فضائل أو فوائد التي من أجلها قسم القرآن إلى سور. قال: وقد تعرض الزمخشري هنا بذكر فائدة تفصيل القرآن وتقطيعه سورا، وليس ذلك من علم التفسير. ليش؟ هذا ليس من علم التفسير؟ لأن هذا شيء زائد، هذا شيء زائد. كونه يأتي بفوائد حول تقطيع القرآن، وجعله سورا وسورا أخرى، هذا إنما شاء فائدة. لكن قال: ليس ذلك من علم التفسير، لأنه قد علم عند المفسرين أن التفسير يدور على بيان ألفاظ، معاني القرآن، هذا هو علم التفسير. فإلى الإخوان في الله، لتجد أن بعض العلماء لا يسترسل، يذكر الأحكام الفقهية، الأحكام الأخلاقية، الأحكام الأدبية، هذا نعم تذكر في كتب التفسير. لكن يجعلها كفي ذهنك أن هذا ليس هو من علم التفسير، وإنما هذا أمر فضلة، أمر زائد. بعض المفسرين يريد ماذا؟ يحب أن يشبع الكتاب بفوائد، حتى تجعل القارئ على طلاع بها. لكن علم التفسير كما قال ابن عثيمين رحمه الله تعالى: وفي الاصطلاح بيان معاني القرآن الكريم، هذه خلاصة كتب التفسير، وعليها يدور معناها ورحاها. قال رحمه الله تعالى: التفسير لغة من الفسر، وهو الكشف عن المغطى، وفي الاصطلاح بيان معاني القرآن الكريم. وتعلم التفسير واجب، لقوله تعالى: ﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب﴾، ولقوله تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾. إذا قال رحمه الله تعالى: أن تعلم التفسير واجب، ومعنى تعلم التفسير واجب، بأن تاركه يؤثم، هذا معنى الوجوب. لكن بقي مسألة، وهل تفسير القرآن الذي يصل إلى حد الوجوب، هل هو واجب كفائي أم واجب عيني؟ واجب عيني بمعنى على كل واحد، منا أن يتعلم مفردات القرآن، واجب. وأن أي واحد منه يتخلف عن ذلك، فإنه يصل إلى حد الإثمية. أم يقال: أنه فرض كفاية؟ معنى فرض كفاية، إن قام به البعض سقط عن الباقي. العلماء تحت هذا الحكم يفصلون، يفصلون فيقولون: بأنه ما لا يسوغ جهله، فهذا واجب. ما لا يسوغ جهله، هذا واجب. أن تدرك معنى، تدرك معنى مثل قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾، يجب أن تعرف ما معنى هذه الكلمات «وأقيموا الصلاة»، هذا واجب عليك. لأنه لا يمكنك أنت في رحى الإسلام، وأن تجهل ما معنى إقامة الصلاة. إذن هذه الكلمة التي ما ينبغي لأحد أن يجهل حكمها، واجب أن تعلم تفسيرها. وما زاد عن ذلك، فهذا فرض كفائي، فرض كفائي. يقوم به جماعة من العلماء ممن يشتغل بكتب التفاسير، ومن سواهم، فهذا في حق مستحب، زيادة في التطلع، ومعرفة كتاب الله سبحانه وتعالى. وعلى هذا يحمل كلام العثيمين: «وتعلم التفسير واجب»، يحمل أنه قد يصل إلى درجة الفرض العيني على كل أحد، وذلك في المسائل والآيات التي لا يسع لأحد من المسلمين أن يجهلها، فهذا واجب عليه. وأما إن كانت ما دون ذلك، فهذا في حقه مستحب، وتكون فرض كفاية، يقوم به البعض دون الباقي. قال رحمه الله تعالى: وجه الدلالة من الآية الأولى، أن الله تعالى بيَّن أن الحكمة من إنزال هذا القرآن المبارك أن يتدبَّر الناس آياته ويتعظوا بما فيها، وهذا فيه دلالة على أهمية التفسير. قال ربنا جل وعلا: ﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته﴾، اللام هنا لام التعليل، لام التعليل. ما هي العلَّة من إنزال القرآن؟ هل اكتفاء بقراءته؟ لا، لتأمُّله وللتدبُّره. ولا يكون التأمُّل التدبُّر إلا بمعرفة المعاني، إلا بمعرفة المعاني. قال: وجه الدلالة من الآية الأولى، أن الله تعالى بيَّن أن الحكمة من إنزال هذا القرآن المبارك أن يتدبَّر الناس آياته ويتعظوا بما فيها. والتدبُّر هو التأمُّل في الألفاظ للوصول إلى معانيها، هذا معنى التدبُّر، هو التأمُّل في الألفاظ للوصول إلى معانيها. أي عليك أن تتأمَّل في هذه اللفظة حتى تُدرِكَ المعنى المراد من هذه اللفظة. فإنما من لفظة إلا ولها معنى. وهذا فيه رد على المفوِّضة، ممن يقول: بأن القرآن، وخاصة في باب آيات الأسماء والصفات، تُقرأ الألفاظ ولا نَدري ما معناها. لا، ليس بصحيح، بل هذا فيه طعن في كتاب الله عز وجل. فربنا سبحانه وتعالى أنزل القرآن ليدبَّر الناس آياته، وذلك بأن يتفكروا في معانيه، ويعلموا على ماذا تدلُّ عليه. قال رحمه الله تعالى: ولأنه لا يمكن الاتعاظ بما في القرآن بدون فهم معانيه. قال: وجه الدلالة من الآية الثانية في قوله: ﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾. قال: وجه الدلالة من الآية الثانية، أن الله تعالى وَبَّخَ أولئك الذين لا يتدبرون القرآن، وأشار إلى أن ذلك من الإقفال على قلوبهم، وعدم وصول الخير إليها. قال: وكان سلف الأمة على تلك الطريقة الواجبة، يتعلمون القرآن ألفاظه ومعانيه، يتعلمون القرآن ألفاظه، أي الأحرف، القراءة الصحيحة في النطق، مساءلة للتجويد والترتيل والقراءات، هذا من يتعلم ألفاظ القرآن. ليس هذا فحسب، بل كذلك المعاني. قال: يتعلمون القرآن ألفاظه ومعانيه، لأنهم بذلك تمكنوا من العمل بالقرآن على مراد الله به. فإن العمل بما لا يعرف معنى، غير ممكن. وقال أبو عبد الرحمن السلمي، وهو من التابعين، واسمه عبد الله بن حبيب رحمه الله تعالى: حدثنا الذين كانوا يقرؤوننا القرآن، كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات، لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل. قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعلم والعمل جميعا. دل ذلك على اعتناء السلف، على أنهم ما كانوا فقط يهتمون بالقراءة والحفظ، بل كذلك التفسير، وكشف المعاني القرآنية، فكان يهتمون بذلك اهتماما بليغا. وتأتي مسألة هنا مهمة، وهي اختلف فيها العلماء، هل قام نبينا صلوات ربي وسلامه بتفسير القرآن؟ بلى، قام بتفسير القرآن، لكن بقي ما هو الكم الذي قام به نبيه بتفسيره؟ هنا اختلفت أنظار العلماء في هذه المسألة. منهم من ذهب إلى أن نبينا فسر القرآن كاملا، فسر القرآن كاملا. وبعضهم أخذ لفظة من عبارة شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، في مقدمة تفسيره، أنه قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم الصحابة معاني القرآن، كما علمهم ألفاظه. فبعضهم أخذ هذه العبارة، ونسب هذا القول لشيخ الإسلام، بأن النبي علم الناس كما علمهم ألفاظ القرآن، علمهم معاني القرآن. إذا ما ترك لفظة إلا وبيّن المراد منها، فهذا قول طائفة من أن نبينا فسر القرآن كاملا لأصحابه عليه الصلاة والسلام. والقول الثاني: أن النبي ما فسر إلا القليل من كتاب الله، فسر القليل من كتاب الله سبحانه وتعالى. وبعضهم استدل بعض الآثار، لكنها ضعيفة، كحديث عائشة: بأن رسول الله لم يعلم إلا الشيء اليسير من كتاب الله، لكنه منكر، حديث منكر. وهذه مسألة تذكر في المطولات، وكل قول له وجاهة. منه من قال: أن النبي ما ترك شيئا إلا وفسره من كتاب الله، لتبين للناس ما نزل إليهم. ومنهم من قال: أن نبينا إنما فسر القليل، كما هو يلاحظ في كتب السنة، في باب كتب التفسير في البخاري، وفي غيرها، تجد أن هناك أحاديث ليست بالوفرة، إنما بعض الأحاديث فيها النبي ماذا؟ شرح بعض الآيات. فهذه مسألة للعلماء فيها أقوال، ويرجع في هذا في باب المطولات. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: والعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابا في فن من العلم، كالطب والحساب، ولا يستشرحوه. فكيف بكلام الله الذي هو عصمتهم؟ هذا قياس بديع. أنت يا عبد الله، لو قمت بقراءة كتاب من الكتب، فإنك تحاول أنك تفك الألفاظ حتى تعرف ما المراد من هذا الكتاب، وإلا لكان الكتاب ستقرأ قراءة عميا، ما تدري ما المراد منها. وإذا كان هذا صنيع الناس في الكتب التي بين أيديهم، فكيف بكتاب الله سبحانه وتعالى؟ فكتاب الله أجل وأعلى، أن يقرأ هذًّا من غير دراية لمعنى، بل واجب ماذا؟ أن الناس يستشرحوا آياته ليعرفوا مراد الرب منها. قال: فكيف بكلام الله تعالى الذي هو عصمتهم، وبه نجاتهم وسعادتهم، وقيام دينهم ودنياهم؟ أظن هنا ينتهي عبارة شيخ الإسلام، لأن في النسخة التي عندي، ليس عندي هناك قوس للإيضاح بأن الكلام انتهى إلى هنا. انتهى كلام شيخ الإسلام، وهذا منقول من مقدمة في «أصول التفسير» لشيخ الإسلام رحمه الله تعالى. ثم قال شيخ معثمين: ويجب على أهل العلم أن يبينوه للناس، عن طريق الكتابة أو المشافهة، لقوله تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبينوه للناس ولا تكتمونه﴾. وتبين الكتاب للناس شامل لتبين ألفاظه ومعانيه. وعلى هذا كان العلماء قديما، كان يهتمون بدراسة كتب التفاسير، ولو حتى الكتب المختصرة التي فيها إشارة إلى معاني ألفاظ القرآن. ولا زال العلماء على هذا الحال، قديما وحديثا. العلماء بن عثيمين رحمه الله تعالى، كان يحكي عن شيخه السعدي رحمه الله تعالى: كان له مجلس بين المغرب والعشاء، يتعلق بتفسير القرآن، يقرأ عليه آيات الكتاب، ثم يقوم بشرحها. وعلى هذا سار بن عثيمين، كما هو معروف. والمفسر رحمه الله تعالى، فكان له مجالس يفسر فيها القرآن. فكان العلماء يهتمون، وينبغي كذلك الاهتمام. وكيف لا؟ فهذا كتاب الرب سبحانه وتعالى. وكم وقع عند الناس الغموض لكلام الله عز وجل، لأنهم ما فهموا المعاني. فإذا كان بغي أن ينبري العلماء، وطلبة العلم، من عنده ملكة في ذلك، ولو أن يقرأ للناس قراءة لكتب التفاسير، حتى يعلم الناس ما المراد من هذه الآيات، ومن هذه السور، حتى يقوم بما أمر الله جل وعلا به. قال: وتبين الكتاب للناس شامل لتبيين ألفاظ ومعانيه، فيكون تفسير القرآن مما أخذ الله العهد على أهل العلم ببيانه. يذكر أن سفيان الثوري رحمه الله تعالى سئل: أيهما أفضل؟ الجهاد في سبيل الله، أم تعلم القرآن؟ قال: بل تعليم القرآن، واستدل رحمه الله تعالى بقوله عليه الصلاة والسلام: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». فأثبت نبينا الخيرية في حق من تعلم القرآن، ثم قام بتعليمه للآخرين. وتعليم القرآن كما قلنا، في ألفاظه، من أحكام، مسألة التجويد والقراءات والنطق، وكذلك ما يتعلق بمعانيه، وذلك بإضاح مشكلاته، وهكذا بيان كلماته. قال: والغرض من تعلم التفسير هو الوصول إلى الغايات الحميدة والثمرات الجليلة، وهي التصديق بأخباره، والانتفاع بها، وتطبيق أحكامه على الوجه الذي أراده الله، ليعبد الله بها على بصيرة. وقلنا: هذه الثمرة العظيمة، والتي هي التي ذكرها ربنا سبحانه وتعالى من كتابه: ﴿ليدبروا آياته﴾، لأنك عن طريق التدبر يا عبد الله، تعلم مراد الله سبحانه وتعالى، ثم تقوم بما أمر الله جل وعلا به، أمرا ونفيا. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.