الدرس في كتاب الحج 17، ألقاها
تناول المقطع آراء العلماء في الأفضل في الأضحية واشتراك السبعة فيها. الجمهور يرى أن الأفضل الإبل ثم البقر ثم الغنم، بينما يرى الإمام مالك في رواية أن الكبش أفضل. كما تطرق إلى آراء العلماء في اشتراك السبعة في الأضحية واختلافهم في اشتراط اتحاد النية.
المقطع تطرق إلى شروط الأضحية، حيث ذكر السن المعتبر شرعًا لكل نوع من أنواع بهيمة الأنعام، والسلامة من العيوب التي تسبب نقصًا في اللحم. الجذع من الضأن يجزئ إذا كان ابن ستة أشهر فما فوق.
يتناول المقطع شروط صحة الأضحية وعيوبها، حيث يشرح آراء العلماء في العيوب التي تجعل الأضحية غير مجزئة مثل العوراء والعرجاء والمريضة والعجفاء، ويذكر خلافهم في بعض الحالات.
المقطع يتناول مسألة كراهية الإنسان لشيء معين بينما يوجد ما هو أكمل أو أفضل منه، ويشير إلى عدم التحريم سواء على النفس أو على الآخرين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فمواصلة للباب السادس من كتاب الفقه الميسر من كتاب الحج، وهو الباب الذي تكلم فيه على مسائل الأضحية، وكان آخر ما أخذناه في الدرس الماضي ما يجوز أو ما تجزئ به الأشياء في الأضحية، كالإبل والبقر. مضى معنا في الدرس الماضي أن الصحيح من أقوال أهل العلم، وهو الذي عليه جماهير العلماء، أن الشاة تجزئ عن الرجل وعن أهل بيته. وأما الإبل والبقر، فعلى الصحيح أنها تجزئ للسبعة، أي يجوز أن يشترك فيها سبعة، لحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عند مسلم وغيره. ذكرنا في الدرس الماضي فائدة عن الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى، وذكرنا كذلك أن الإمام النووي رحمه الله تعالى ذكر هذه الفائدة، وهي أن مسألة الاشتراك -أي اشتراك السبعة في البقرة الواحدة أو في الإبل الواحد- لا يشترط فيه اتحاد النية، بل يجوز أن تكون النية مختلفة مفترقة. هذا القول الذي ذكر فيما مضى معنا هو قول جمهور العلماء، وبه قال كذلك الإمام أحمد وداود وغيرهما من أهل العلم. إلا أن داود رحمه الله تعالى، الظاهر يقول: يجوز الاشتراك في التطوع دون الواجب، بمعنى أنه إذا كانت الأضحية تطوعًا جاز عدم الاتفاق في النية، أما إذا كانت فرضا فإنها يجب أن تتفق النية. وذهب أبو حنيفة إلى أنه إن كانوا كلهم متفرقين جاز، وقال مالك: لا يجوز الاشتراك مطلقًا، كما لا يجوز في الشاة الواحدة. وما ذكر معنا فيما مضى هو قول الجمهور، والذي دلت عليه إطلاقات الأحاديث وعمومات الأحاديث. ومن المسائل المتعلقة ببهيمة الأنعام، يذكر العلماء رحمهم الله تعالى مسألة: ما هو الأفضل في الأضحية؟ ذهب الجمهور من أهل العلم رحمهم الله تعالى إلى أن الأفضل الإبل، ثم البقر، ثم الغنم، ثم الشرك في الإبل، ثم الشرك في البقر. لكن الإمام مالك رحمه الله تعالى، في رواية، ذهب إلى أن الكبش في الأضحية أفضل، ثم البقرة، ثم الناقة. وعلل ذلك بأمرين: الأول أن الكبش هو الذي كان يضحي به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعدل به رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا آخر. والدليل الثاني الذي استدل به من ذهب إلى هذا القول، قالوا: بأن الله جل وعلا فدى الذبيح إسماعيل عليه السلام بكبش سمين، ولو كان شيء أفضل منه لفداه الله جل وعلا به. والصحيح أن الأفضل في الأضحية أولًا الإبل، ثم البقر، ثم الغنم، ثم الشرك في الإبل، ثم الشرك في البقر. إذا قال قائل: فأيهما أفضل، أن يشترك مجموعة -يعني أقل من السبع مثلا- في الإبل الواحدة، أو أن يذبح شاة؟ ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الشاة أفضل. المسألة الثالثة: الشروط المعتبرة في الأضحية، منها السن، أي أن تكون السن معتبرة شرعًا. فلا يجوز أن يكون دون السن المعتبر شرعًا. قالوا: السن المعتبر في الإبل أن يكون قد أكمل خمس سنين، وفي البقر أن يكون قد أكمل سنتين، وفي المعز أن يكون قد أكمل سنة. ويشترط في الضأن الجذع، وهو ما أكمل ستة أشهر. فالحاصل أن الجذع من الضأن يجزئ ما كان ابن ستة أشهر فما فوق. وذهب جماهير أهل العلم إلى الإجزاء، بل قالوا: هذا أولى، إذ لو كان ابن ستة أشهر مجزئًا، فابن سنة من باب أولى أن يكون مجزئًا. وذهب جماهير أهل العلم إلى أن الجذع من الضأن مجزئ في الأضحية. وذهب عطاء والأوزاعي إلى أن الجذع يجزئ من بهيمة الأنعام مطلقًا. والصواب الذي عليه جماهير أهل العلم أن الجذع المعتبر إنما هو من الضأن خاصة. الأمر الثاني من شروط الأضحية: السلامة، أي السلامة من العيوب. قالوا: يشترط في الإبل والبقر والغنم أن تكون سالمة من العيوب التي من شأنها أن تسبب نقصًا في اللحم. فلا تجزئ العجفاء والعرجاء والعوراء والمريضة، لحديث البراء بن عازب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أربع لا تجزئ في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين عرجها، والعجفاء التي لا تنقي». قوله صلى الله عليه وسلم: «العوراء البين عورها»، قالوا: وهي التي قد انخسفت عينها وذهبت. فإن كان على عينها بياض، لكن العين باقية على ما هي عليه، قالوا: جازت التضحية بها؛ لأن عورها ليس ببين. وما كان من أضاحي عمياء، فهل تجزئ التضحية بها؟ ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنها غير مجزئة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نبه بالأدنى على الأعظم. لكن بعض العلماء استثنوا أمرًا، فقالوا: إذا كانت عمياء وكانت تعلف، قالوا: فإنها مجزئة؛ لأن العلة في عدم الإجزاء هو نقصان لحمها، وهذه ليست بناقصة اللحم. قوله صلى الله عليه وسلم: «المريضة البين مرضها»، قالوا: وهي المريضة التي بها مرض قد يؤس من زواله؛ لأن ذلك ينقص لحمها وقيمتها نقصًا كبيرًا. وقوله صلى الله عليه وسلم: «العرجاء البين عرجها»، كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن المقصود بالعرج هنا ما منع العرج الظاهر الذي يمنعها من اللحاق بغيرها من الغنم إلى الكلأ. وقوله صلى الله عليه وسلم: «العجفاء التي لا تنقي»، قالوا: أي التي لا مخ لها؛ لهزالها. والعجفاء: الهزيلة. ومعنى لا تنقي: أي لا مخ لها. قالوا: يقاس على هذه العيوب الأربعة ما في معناها، وهذا كما سمعتم في خلاف بين العلماء. قولهم: كالهتماء التي ذهبت ثناياها، والعضباء التي ذهب أكثر أذنها أو قرنها، ونحو ذلك من العيوب. بالنسبة للهتماء، بعضهم عرف الهتماء بأنها التي ذهبت ثناياها من أصلها. وبعض أهل العلم أطلق الحكم في الهتماء، فقال: هي التي سقط بعض أسنانها. وحكم الهتماء، كذلك، للأهل العلم فيها قولان: منهم من قال بأنها مجزئة، وأن العيب فيها غير مؤثر، ومنهم من قال بأنها غير مجزئة؛ لأن العيب فيها مؤثر. والأول هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله. قولهم: والعضباء التي ذهب أكثر أذنها أو قرنها، ونحو ذلك من العيوب. ذهب بعض أهل العلم إلى أنه إن كسر قرن الأضحية فإنه غير مجزئ، وبعض أهل العلم ذهب إلى أنه غير مؤثر. والأظهر والله أعلى وأعلم أنه مجزئ؛ لما جاء في حديث البراء. وفي حديث البراء تتمة، أن الراوي على البراء قال: «فإني أكره أن تكون مكسورة القرن»، فقال له البراء رضي الله عنهما: «إن كرهته دعه، إن كرهته دعه، ولا تحرمه على أحد». وهذا هو الظاهر، إن كره الإنسان وعنده الآخر الأكمل، فعل، لكن لا يحرم ذلك الشيء لا على نفسه ولا على غيره. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.