الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 156، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع مكانة القسط (العدل) في الحكم على الأقوال والأشخاص دون محاباة، مستدلاً بقوله تعالى: {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ}. ويؤكد وجوب أداء الشهادة بالحق حتى على النفس والوالدين، وأن كتمانها إثم عظيم، مشيراً إلى أن الإسلام يقوم على ركني العلم والعدل.
يحذر النص من اتباع الهوى الذي يعمي البصيرة أو يصد عن الحق لأجل الأصحاب والمألوف، مبيناً أن الإنسان مطبوع على الظلم والجهل ولا يستقيم إلا بمجاهدة النفس للعلم والعدل. ويوضح أن العدل الحقيقي هو تعظيم الكتاب والسنة لا تعظيم الرجال.
يفسر المقطع النهي القرآني عن تحريف الشهادة أو الحكم بالانحراف عن الحق سواء بتركها، أو كتمانها، أو الميل للهوى والمحبة والرشوة، شاملاً الشاهد والحاكم، مع التهديد الشديد بعلم الله بخفايا الأعمال. ويختتم المؤلف تفسير الآية بالإشارة إلى اكتفائه بما ذكر وقوله: والله تعالى أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: عند قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾. قالوا: من أعظم أنواع القسط القسط في المقالات والقائلين، فلا يحكم لأحد القولين أو أحد المتنازعين لانتسابه أو ميله لأحدهما، بل يجعل وجهته العدل بينهما. فهذا لا شك أن ما قال المؤلف رحمه الله من أعظم أنواع القسط، لأن هذه المسألة حصل فيها خلط كثير، وقع فيه كثير من الناس: قسط في المقالات وفي القائلين. فتجد إذا كانت المقالة تابعة لهواه، تابعة لما هو عليه أيدها. وكذلك أيضًا القائل: إن كان ممن يحبه ويعظمه، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فإنه لا يستطيع أن يخطئه. وأما إن كان ليس ممن يعظمه ويقلده فهو لا يبالي بأن يخطئه. وهذا ليس من القسط الذي أمر الله عز وجل به. قال: بل يجعل وجهته العدل بينهما. ومن القسط أداء الشهادة التي عندك على أي وجه كان، حتى على الأحباب، بل على النفس. ولهذا قال: ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾. ﴿إِن يَكُن غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا﴾، أي: فلا تراعوا الغني لغناه، ولا الفقير بزعمكم رحمة له، بل اشهدوا بالحق على من كان. وهذه الشهادة هي إذا كان فيها إثبات حق أو شهادة لأجل إضاعة حق، فيشهد أن الحق لفلان وهو قد طلب منه الشهادة، فهنا لا بد أن يشهد. وأما أن كان أمرًا ليس فيه إظهار حق أو إحقاق باطل أو من هذه، وشهداء كثير، فهذا إذا لم تطلب منه لا يسألها. وأما أن كان إحقاق الحق يكون بشهادته، ولو لم يشهد لضاع الحق، فهذا من قول الله عز وجل: ﴿وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾. قال: والقيام بالقسط من أعظم الأمور، وأدل على دين قائم به وورعيه، ومقامه في الإسلام. وكما قلنا: أن الإسلام قائم على العلم والعدل، وهو القسط. ولأن الإنسان طبع على الظلم والجهل، فإذا أرغم نفسه على العلم والعدل اعتدلت هذه النفس وصارت على الصراط المستقيم. قال: فيتعين على من نصح نفسه وأراد نجاتها أن يهتم له غاية الاهتمام، وأن يجعله نصب عينيه ومحل إرادته، وأن يزيل عن نفسه كل مانع وعائق يعوق عن إرادة القسط أو العمل به. وهذا أيضًا من أصعب الأمور، لأن هذا فيه تخلي عن الهوى. وقد قال الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾. فإذا صرف نفسه عن هواها وعن ملذاتها، وأمرها بالعدل، ولو كان ليس على ما يهواه، وليس على ما يقوله شيخه أو معظمه أو محبه، فإن هذا هو الانقياد لشرع الله جل وعلا، وهو تقديم سنة النبي عليه الصلاة والسلام على كل قول. وقد أشبع هذا الموضوع الإمام ابن القيم رحمه الله في «إعلام الموقعين عن رب العالمين»، أشبع هذا الموضوع استدلالًا بأدلة الكتاب والسنة، وأن العدل هو تعظيم الكتاب والسنة، لا تعظيم الرجال. فالحق لا يعرف بالرجال، ولكن الرجال يعرفون بالحق، كما جاء عن علي رضي الله عنه. قالوا: لهذا نبه تعالى على إزالة هذا المانع وهو الهوى، بقوله: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا﴾، أي: فلا تتبعوا شهوات أنفسكم المعارضة للحق، فإنكم إن اتبعتموها عدلتم عن الصواب، ولم توفقوا للعدل. فإن الهوى إما أن يعمي بصيرة صاحبه حتى يرى الحق باطلًا والباطل حقًا، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾. أو قال الله عز وجل: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ﴾. لا تتبع الهوى، لأن الهوى هو الذي يصد عن القسط والعدل. قال: وإما أن يعرف الحق ويتركه لأجل هواه. فمن سلم من هوا نفسه وفق للحق وهدي إلى الصراط المستقيم. أحيانًا التعلق بالأصحاب يضل الإنسان، يعلم أن هذا حق، لكن أصحابه على غير الطريقة التي يراها أنها حق، فيترك الحق لأجل أن يكون مع أصحابه، سواء كان أصحابه الذين يمشي معهم، أو أصحابه الذين هم على مذهبه. قال: ولما بيّن أن الواجب القيام بالقسط، نهى عما يضاد ذلك، وهو لي اللسان عن الحق في الشهادات وغيرها، وتحريف النطق عن الصواب المقصود من كل وجه، من بعض الوجوه. ويدخل في ذلك تحريف الشهادة وعدم تكميلها، أو تأويل الشاهد على أمر آخر، يراد منه أن يشهد على شيء معين، فهو لا يشهد عن ذلك شيء بكامله، إنما يشهد على بعضه، والباقي لا يشهد عليه، فيذهب الحق بسببه. فهذا من لي الألسنة. ﴿وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾، أي: تلو أي تنحرف عن الحق، إما أنه لا يشهد بالحق، أو أنه يحرف ذلك الحق فيجعل الحق باطلًا، إما بحسن منطقه، كما ذكر في الحديث: «حديث من سلمة: لعل بعضكم ألحن بحجته من بعض». وإما بكتمان الحق في نفسه، وإخراج ما ليس له علاقة بما يشهد له. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. وإن تلو أو تعرض، أي: تترك القصة المنوط، كترك الشهادة لشهادته، وترك الحاكم لحكمه الذي يجب عليه القيام به، أن تعرضه عن الحق. فالشاهد يعرض عن الشهادة التي هي شهادة الحق، والحاكم يعرض عن الحكم الحق إلى الباطل، إما لأجل هواه، وإما لأجل الرشوة، أو لأجل الميل إلى هذا الذي حكم له. كل ذلك من الباطل. قال: فإن الله كان بما تعملون خبيرًا، ويريد ربنا جل وعلا أن يبين أن هناك أشياء تصرف الإنسان عن الحق، سوى كان في الحكم أو في الشهادة. ويدخل في الشهادة الاتباع، يدخل في الشهادة أيضًا الاتباع، فهو يميل إلى قول فلان لأنه يعظمه، أو لأنه يحبه، أو أنه صاحبه، أو أنه شيخه، أو غير ذلك من الأسباب التي تجعل الشخص ينحرف عن الحق بسبب هذه الأهواء. وكذلك أيضًا في حكمه، سوى كان على الجماعات أو على المسائل أو غير ذلك. قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾، أي: محيط بما فعلتم، يعلم أعمالكم خفيها وجليها. وفي هذا تهديد شديد للذي يلوي أو يعرض، ومن باب أولى وأحرى الذي يحكم بالباطل أو يشهد بالزور، لأنه أعظم جرمًا. لأن الأولين تركا الحق، وهذا ترك الحق وقام بالباطل، فجُرمه أعظم. هذا ما ذكره المؤلف في تفسير هذه الآية، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.