الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 14، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يشرح المقطع فضيلة العلم النافع وضرورته لتصحيح العبادة مستدلاً بقوله تعالى ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾، ويبين معنى «لا إله إلا الله» بأنها إفراد الله بالعبادة لا مجرد الإقرار بالربوبية مع ذكر شروطها السبعة ونواقضها العشرة. كما يؤكد تفوق أهل العلم على الجهلاء بقوله تعالى ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وأن فضل العلم خير من فضل العبادة النافلة.
يبيّن المقطع فضل طلب العلم وأنه من أفضل القربات والجهاد في سبيل الله مستدلاً بأحاديث نبوية وآثار سلفية تؤكد أن الملائكة تحف طالب العلم وتستغفر له الخلائق، وأن فضل العالم على العابد كفضل النبي على أدنى أمته. كما يؤكد أن أجر تعليم العلم يتصل بالنبي صلى الله عليه وسلم عبر سلسلة المتعلمين، وأن باباً واحداً من العلم النافع خير من ألف ركعة تطوع لنفعه المتعدي، ويحذر من الاستغناء عن طلب العلم.
يعلن المتحدث انتهاء الجلسة الحالية ويؤكد عزمه على استكمال باب فضل العلم وتعلم وشرف العلماء في الدرس القادم، مختتماً بالحمد لله والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال المؤلف -حفظه الله-: "الباب الحادي عشر: الاهتمام بالعلم والعلماء، ومعرفة فضلهما". وهذا باب مهم يهم كل مسلم، وهو تعلم العلم النافع؛ لأن الله سبحانه وتعالى أمر به وحث عليه ورغب عباده فيه. فالعلم فيه تصحيح للعبادة، وعبادة الله سبحانه وتعالى تحتاج إلى علم نافع لكي تكون هذه العبادة صحيحة متقبلة عند الله سبحانه وتعالى. قال -حفظه الله-: قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾. فبدأ سبحانه في هذه الآية بالعلم: ﴿اعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾. حق العلم فلا بد للمسلم أن يعلم شهادة التوحيد وما دلت عليه من النفي والإثبات: إثبات الألوهية لله سبحانه وتعالى، ونفي ما سواها من المعبودات، سواء كانت أحجارًا أو أشجارًا أو أصنامًا أو أوثانًا؛ فكلها ليست آلهة ولا تستحق أن تعبد من دون الله، بل الذي يستحق ذلك هو الله جل وعلا. لهذا المسلم مطالب بأن يعلم ما معنى شهادة التوحيد التي ينطقها في الليل والنهار، في صلواته ودعائه؛ فهو يقول: لا إله إلا الله. فكثير من الأدعية تدخل فيها كلمة التوحيد، وكثير من الناس يجهل حقيقة هذه الكلمة العظيمة وما دلت عليها. ولها شروط ذكرها أهل العلم، ولها كذلك نواقض. فـ "لا إله إلا الله" كلمة الإخلاص والتوحيد: لا معبود بحق إلا الله، لا معبود بحق إلا الله. فلا تفسر إلا بهذا التفسير، فلا تفسر بأنه "لا خالق إلا الله" ولا "لا رازق إلا الله"، بل تفسر بأنه "لا معبود إلا الله". فالمشركون كانوا يقرون بربوبية الله جل وعلا: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾، ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. فإذن هم يقرون به أن الله هو الخالق، وهو الرازق، وهو المدبر، وهو الذي ينزل الماء من السماء، لكنهم أبوا أن يقولوا: لا إله إلا الله. حتى قالوا للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما قال لهم: «يا معشر العرب، كلمة واحدة تقولونها تدين لكم بها العجم، تدين لكم بها العرب، وتملكون بها العجم». فقالوا: «عشر كلمات لو أردتها وأبيك لو تريد عشر كلمات إلا هذه الكلمة». قال لهم: «قولوا لا إله إلا الله تفلحوا». فقالوا: «لا، ما نقول هذه الكلمة»؛ لأنهم يعلمون معناها. الذين قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم هذه المقالة يعلمون ما معنى أن تقول: لا إله إلا الله، أي أن تفرد الله سبحانه وتعالى بالعبادة، فلا تصرف شيئًا من العبادات إلى غيره. وانظر اليوم كم من المسلمين يقولونها، وبعضهم -لمن رحم الله- يقع في الشرك؛ فهو يقول: لا إله إلا الله، ويذهبون إلى ماذا؟ القبور، ويصرفون لها النذور، ويذبحون عندها، ويستغيثون عندها، وهكذا يفعلون أنواعًا من العبادات عند هذه القبور. فمنهم من يستنجد بالمقبور، ومنهم من يطلب قضاء ورفع الحوائج إلى الله سبحانه وتعالى، كحال أولئك الذين قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ﴾. يعني عندهم هذه المعبودات من الأصنام ثلاثمائة وستون صنمًا كانت في الكعبة، فهم يتقربون إلى الله جل وعلا بواسطتها، أن هذه تشفع لهم عند الله سبحانه وتعالى. والله عز وجل أبطل ذلك كله، وسمّى هذا الذي يفعلونه شركًا، شركًا به سبحانه، وهو شرك أكبر مخرج من دين الإسلام. فلهذا ينبغي للمسلم أنه إذا قال: لا إله إلا الله، يعرف ويعلم ما معنى لا إله إلا الله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾. وما هي شروط لا إله إلا الله؟ وما هي نواقضها؟ نواقضها عشرة، وربما أكثر من ذلك كما ذكر أهل العلم، لكن نواقض الإسلام عشرة التي ذكرها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب. وحري بطالب العلم أن يدرس هذه النواقض التي تخرج الإنسان من دين الإسلام، والعياذ بالله. على رغم أن بعضهم يقول: لا إله إلا الله، لكن ما يعلم نواقض لا إله إلا الله، فربما وقع في شيء منها جهلًا منه، جهلًا منه. وكذلك أيضًا يعلم شروط لا إله إلا الله. من درس شروط لا إله إلا الله يرفع يده... أو يأتينا بشروط لا إله إلا الله من الإخوان؟ نعم: العلم، اليقين، الإخلاص، المحبة، القبول، الانقياد. علم، يقين، وإخلاص، وصدقك، مع محبة، وانقياد، والقبول لها. هذه سبعة ذكرها في هذا البيت: «علم يقين وإخلاص وصدقك مع محبة وانقياد والقبول لها». فهذه سبعة من شروط لا إله إلا الله، ولها إن شاء الله شرح، ولعل أحد إخواننا يفتح في هذا. أخونا الشيخ أبو يوسف يفتح في هذا الباب؛ لأن الإخوة يحتاجون إلى معرفة شروط لا إله إلا الله، ونواقض لا إله إلا الله، وما دلت عليه. هذه كلمة عظيمة، ليست بالسهل؛ لأن هذه الكلمة من قالها صدقًا من قلبه دخل الجنة، ومن قالها كذلك مخلصًا من قلبه دخل الجنة. فيترتب عليها ذلك الجزاء العظيم عند الله سبحانه وتعالى. فلا بد من فقه لها، لا بد من فقه لكلمة التوحيد. فإن شاء الله تعالى لعل في الأيام القادمة يفتح لكم درس في هذه الكلمة العظيمة وما دلت عليها. ثم قال المؤلف: وقال سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. هذه آية أيضًا فيها بيان منزلة العلم ومنزلة العلماء؛ أن الذين يعلمون ما أنزل الله سبحانه وتعالى، يعلمون علم الشريعة، ليسوا كأولئك الجهال. ما ساوى ربنا سبحانه وتعالى بينهما: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. فإذا كنا نحن نرى هذا في واقعنا من حيث الأمور الدنيوية: شخص عنده علم في الطب، وشخص لا يعرف الطب، من يسألون؟ يسألون الذي عنده معرفة بالطب، الطبيب. وهكذا أيضًا شخص عنده معرفة بالهندسة، يسألون هذا المهندس ولا يسألون غيره. بل الناس يذهبون عند صاحب الخبرة، يقول لك: هذا شخص عنده خبرة ومعرفة. لهذا إذا كنا في أمور دنيانا نقر ونعترف أن صاحب الخبرة وصاحب العلم في الأمر الدنيوي هو أفضل من غيره، فلا شك أن علماء الشريعة الذين علموا ما أنزل الله سبحانه وتعالى وتفقهوا في دين الله هم أفضل، ولا يستوي معهم الجاهل، لا يستوي أبدًا معهم الجاهل. فالناس يذهبون إلى العلماء. قال صلى الله عليه وسلم: «فضل العلم خير من فضل العبادة». هذا الحديث جاء في الطبراني، وهو حديث صححه الألباني رحمه الله، جاء من حديث حذيفة، وجاء أيضًا عند الحاكم من حديث سعد بن أبي وقاص: «فضل العلم خير من فضل العبادة». يعني إذا استزدت من العلم النافع فهو خير من فضل العبادة. بعض الأوقات يكون فيها العلم مقدمًا على تلك العبادة، على النوافل التي ستفعلها. لهذا كان السلف ربما يبادرون بالمجلس، مجلس العلم، وتعلم العلم بعد الصلوات، ويؤخرون ماذا؟ السنن الرواتب، إذا كان لها متسع وكان لها وقت. إذا كان كذلك فإن العلم يقدم. وإذا كنا طلبة علم نحن في مسجد، فلا بأس لو تأخرنا قليلًا في أمر من الأمور، أخرنا الأذان مثلًا قليلًا في بعض المحاضرات، ثم أذن وصل. فلا بأس في هذا، لا بأس في هذا؛ لأن العلم مقدم. فأنت عندما تتعلم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أنت في عبادة، أنت في عبادة. فهذا من أفضل العبادات والقرب إلى الله سبحانه وتعالى. بين عليه الصلاة والسلام في حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه: «أن من خرج من بيته إلى المسجد لا يريد إلا تعلم العلم، فإن له أجر حجة تامة». وفي بعض الأحاديث: «فهو في سبيل الله». هذا الذي يخرج يطلب العلم، أنت في سبيل الله الآن. أنت يا طالب العلم، يا من خرجت من بلدك وبيتك، أنت مجاهد في سبيل الله. ألا تشعر بهذا؟ أنت مجاهد لأنك جاهدت نفسك، جاهدت هذه النفس التي تأمرك بالشهوات، تأمرك بضياع الأوقات، جاهدتها ورحلت من بلدك إلى بلد أخرى لتتفرغ لطلب العلم. أنت الآن محسوب، هذه الجلسة محسوبة، أنت من المجاهدين في سبيل الله. فليس الجهاد فقط في سبيل الله بالسيف والسنان، أيضًا هذا من أنواع الجهاد: العلم النافع، والرحلة إليه، وطلبه يعتبر من الجهاد في سبيل الله. وهذا قاله نبينا صلى الله عليه وسلم أيضًا: «ما تناله من الخير مثل أجر حجة، حجة تامة، إذا خرجت من بيتك إلى بيت من بيوت الله لا تريد...» يعني تكون نيتك طلب العلم، لا تريد إلا أن تتعلم العلم، فإن لك أجر حجة تامة. الحديث في صحيح الترغيب. ارجعوا إلى صحيح الترغيب تجدون فيه بابًا كاملًا من أبواب العلم، باب كامل فيه الصحيح، فيه الضعيف، فيه الحسن، وفيه كذلك الموضوع. لكن الشاهد نأخذ ما صح من أحاديث الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لهذا نحن نصبر أنفسنا على طلب العلم، نصبر أنفسنا على طلب العلم. فأينما كنت تبتغي بذلك وجه الله سبحانه وتعالى فأنت في عبادة الله جل وعلا. قال: وقال صلى الله عليه وسلم: «مرحبًا بطالب العلم، إن طالب العلم تحفه الملائكة بأجنحتها». هذا الحديث أيضًا في الترمذي وغيره من حديث صفوان بن عسال، أنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من بلده، وقال: يا رسول الله، وهو كان جالسًا في المسجد عليه الصلاة والسلام: «جئت أطلب العلم». فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «مرحبًا». هذه الكلمة قال عند ماذا؟ عند قدوم الضيف تقول له: مرحبًا. وكذلك قدوم طالب العلم تقول له: مرحبًا، تبشره وتبشبش له. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال له: مرحبًا. فإذا قدم إليك قادم وتحب إكرامه تقول له: مرحبًا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لصفوان بن عسال: «مرحبًا بطالب العلم»، ووصفه بطلب العلم؛ لأنه قال: يا رسول الله، جئت أطلب العلم. فبشره عليه الصلاة والسلام بفضل طلب العلم، فقال: «إن طالب العلم تحفه الملائكة بأجنحتها». الملائكة تحفه بأجنحتها، حتى بين عليه الصلاة والسلام أن الملائكة من حبها لطلب العلم ورغبتها في السماع أنها تكون هكذا، بعضها فوق بعض، إلى السماء الدنيا. يا إله، إلا الله! كيف لو رأى الناس ذلك؟ لو رأى الناس الملائكة وهي تحف الطالب بأجنحتها، وأنهم بعضهم على بعض يتراصون، بعضهم فوق بعض إلى السماء الدنيا، لأجل أن يسمعوا طلب العلم. فالملائكة تحب أن تسمع العلم الشرعي، العلم النافع: قال الله، وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وليس هذا فحسب، هذا جزء من الفضيلة وهو إحفاف الملائكة بطالب العلم. بل طالب العلم أيضًا يستغفر له الحوت في البحر والنملة في جحرها. هذا أجره عظيم عند الله سبحانه وتعالى، لكي يرغب العباد في الاستزادة من العلم النافع، ويجلس في بيوت الله عز وجل. ناهيك عن ما ذكره نبينا عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة: وأن كذلك السكينة تنزل عليهم، وتغشاهم الرحمة، ويذكرهم الله فيمن عنده، وأيضًا أنهم مغفور لهم إذا قاموا من مجلسهم ذلك. حتى الذي يأتي وليس لغرض طلب العلم، وإنما يأتي لحاجة، يدخل فيجد الحلقة في المسجد فيجلس لأجل حاجة، يريد شخصًا أو أمرًا من الأمور، فإنه كما قال عليه الصلاة والسلام: «هم القوم لا يشقى بهم جليسهم». ثم قال: وقال صلى الله عليه وسلم: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم». وهذا حديث بأبي أمامة رضي الله عنه، وهو حديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة، صححه الألباني رحمه الله في صحيح الترغيب: «فضل العالم على العابد كفضل النبي عليه الصلاة والسلام على أدنَى الناس». منزلته وفضله عظيم صلى الله عليه وسلم على أمته، فهو الذي هداهم الله به، وأخرجهم به من الظلمات إلى النور، وشرفه، فضله عظيم عليه الصلاة والسلام، وهو الذي يشفع لهم يوم القيامة. فهذه الفضائل للنبي عليه الصلاة والسلام أيضًا تكون للعالم على العابد. العابد يتعبد لنفسه، لكن العالم ينفع الناس، فهو يجلس وينفع الناس بعلمه. وكما قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «لأن يهدي بك الله رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم». فإذا كان الفضل للعالم على العابد كفضل النبي عليه الصلاة والسلام على أدنَى الناس، منزلة من أمته، فهذا أجره عظيم، يدل على عظم المكانة والمنزلة للعالم على ذلك العابد. ثم قال: وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: «عليكم بالعلم، فإن طلبه عبادة، وتعلمه لله حسن، وبذله لأهله قرب، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، والبحث عنه جهاد، ومذاكرته تسبيح». وكل هذه التي ذكرها رضي الله عنه وأرضاه عليها دلالة من سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أنت لما تطلب العلم وينفعك الله عز وجل فأنت في عبادة، وأنت كذلك تستزيد من الحسنات في جلوسك، والملائكة تستغفر لك. ولما تبذله للناس فإنك تتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى وتتصدق عليهم، وهذا من أفضل الصدقات. بل ينفعك العلم كذلك إذا مت، ومما يجري عليك الأجر بعد موتك، مما ذكره نبينا عليه الصلاة والسلام: «أو علمًا ينتفع به». علم تنتفع به وينتفع منك الناس، أو مصحفًا ورثه، كذلك فإن هذا مما يجري عليك الأجر إلى أن تقوم الساعة، وأنت في أجر عظيم يصلك ذلك الأجر بسبب تعليمك للعلم. فع علينا أن نستزيد من العلم النافع، وأيضًا أن نبذله لغيرنا حتى ينتفعوا به. فإذا نفعهم الله عز وجل به فإن الأجر يعود للمعلم الذي علمهم. ولهذا أجور أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم تعود لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه هو المعلم الأول، هو الذي علم الصحابة رضي الله عنهم، والصحابة علموا التابعين، والتابعون علموا أتباع التابعين، وهكذا إلى زماننا هذا. ما زال أناس قائمون بأمر الله جل وعلا، يأخذون العلم ويعلمونه للناس، فالأجور متصلة، الأجور متصلة. فإذا رغبت وأردت أن يبقى لك أجرك بعد موتك فإنك تعلم العلم النافع. قال: وقال ابن مسعود رضي الله عنه: «عليكم بالعلم قبل أن يقبض، وقبضه ذهاب أهله. عليكم بالعلم، فإن أحدكم لا يدري متى يفتقر إلى ما عنده، وستجدون أقوامًا يزعمون أنهم يدعون إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم. فعليكم بالعلم». وهذا رواه الدارمي وغيره، موجود في كتب السنة. هذا الأثر، أثر ابن مسعود، يحث فيه على العلم قبل أن يقبض، وقبض العلم هو قبض حملته. فإذا رأيت قبض العلماء فاعلم أن العلم يذهب، يذهب بقبض العلماء؛ لأنهم حاملوه وهم الذين يبلغوه. «فإن أحدكم لا يدري متى يفتقر إليه». يعني كما قال عروة: «تعلموا العلم، فإنكم صغار قوم اليوم، كبار قوم غدًا». أنت اليوم صغير في العلم أو في السن، لكن ما يلبث أن الناس يحتاجون لك. فلا تحتقر نفسك، لا تقول: من الذي سيحتاج إليه ما دام فيه الأمة فلان وفلان؟ فلان قبض، هذا الذي تقول أنه فلان وفلان، احتاجت الأمة إليك يا عبد الله. قد هيئوك لأمر لو فطنت له، فاربع بنفسك أن ترعى مع الهمل. يعني أنت الآن يا طالب العلم مهيأ، ما دمت تأخذ العلم فأنت مهيأ لأن تصير من العلماء، تصير كذلك من طلبة العلم النجباء، تصير كذلك من المشايخ. ليس هناك عند الله سبحانه وتعالى بعيد، ولا يحتقر أحدنا نفسه، يقول: من سيحتاج إليه، أو أنا لست كذا وكذا؟ لا، أنت ما دمت تطلب العلم وتخلص في نيتك في طلب العلم، فإن الله سبحانه وتعالى هو الذي بيده الأمور. ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾. فهذا واقع وشاهد في الأمة، أن من ترك العلم فإن الله يستبدل بهم قومًا آخرين. فأنت الآن تحتاج لك أمتك، تحتاج لك أمة محمد صلى الله عليه وسلم، قريتك تحتاج إليك، بلدك. فاستزد من العلم النافع، وإذا خرجت بعد ذلك إلى أهلك وعشيرتك فإنك تعلمهم ما انتفعت به. فإن الناس... انظر ابن عباس لما قال له ذلك الرجل: قال ابن عباس لذلك الرجل: «تعال نطلب العلم». قال: «ومن يحتاج لك يا ابن عباس؟ هؤلاء صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبار موجودون». قال: فتركه ابن عباس وذهب يطلب العلم عند أبواب الصحابة في المسجد، وعند الصحابة، يذب إلى بيوتهم ويجلس حتى يخرج الصحابة من بيوتهم. وبعد ذلك لما احتاجت الأمة إلى ابن عباس صار هو فقيه الأمة. صارت الأمة تقول: «ابن عباس كل شيء». مات الصحابة الكبار الذين علموا غيرهم، فاحتاج الناس إلى علم ابن عباس. فلما صار أهلًا للفتوى والرجوع إليه، ماذا قال الرجل ذلك الذي قال له من قبل: «يا ابن عباس تعال نطلب العلم»؟ قال: «لقد كان هذا الفتى أعقل مني، لقد كان هذا الفتى أعقل مني». انتبه أن يثبتك أحد عن طلب العلم، ويقول لك: أنت ما تعرف شيء، أنت كذا وكذا. لا، أنا ما سأسمع نصيحتك. أقل شيء أنا أتعلم لأصحح عبادتي، وأعرف به ماذا... ما يريد مني ربي. أقل شيء أنا أعرف ما يريد منه الله سبحانه وتعالى من كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالمثبتون ضعهم على جنب، وأنت استفد من وقتك ومما جئت لأجله. فإذا انتفعت بعد ذلك كنت أعقل، كنت عاقلًا لأنك تركت من يثبتك خلف ظهرك، كما تركه ابن عباس رضي الله عنهما. قال أبو ذر وأبو هريرة رضي الله عنهما: «باب من العلم نتعلمه أحب إلينا من ألف ركعة تطوعًا، وباب من العلم نعلمه، عمل به أو لم يعمل، أحب إلينا من مئة ركعة تطوعًا». وهذا كما تقدم في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن فضل العلم أفضل من فضل... العبادة. فأنت عندما تشتغل بالعلم تدوينًا وقراءة فأنت في عبادة. فيقول الصحابة منهم أبو ذر، أبو هريرة: «باب واحد من العلم نفقه نتعلمه أحب إلي من أن أقوم ألف ركعة أصلي لله سبحانه وتعالى». لأن هذا الباب إذا حفظته وعلمته، واحتاج الناس بعد ذلك لأن أبثه لهم، كان النفع متعديًا. كان النفع لهذا الباب الذي أنا تعلمته وحفظته ثم بلغته، كان النفع متعديًا. وأما هذه الألف ركعة فلا تعدو أن تكون لي وحدي. فباب من العلم أفضل عندما تشغل نفسك به. ولهذا ترى كثيرًا من أولئك العلماء، مثال البخاري وإمام أحمد، مع عملهم أيضًا هم زهاد وعباد، لكن أوقاتهم كانت أكثرها في المذاكرة، أكثرها كان في المذاكرة وطلب العلم. قال مطرف بن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه -وهذه تُقال للصحابة، ومطرف تابعي جليل وهو من أصحاب ابن مسعود، حتى قال له ابن مسعود رضي الله عنه: «يا مطرف، لو رآك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحبك»، قال: «وما رأيتك إلا ذكرت المخبتين، وما رأيتك إلا ذكرت المخبتين»؛ لما يرى على مطرف بن عبد الله بن الشخير رحمه الله من أثر العبادة. قال مطرف: «فضل العلم خير من فضل العمل». وقال ابن مسعود رضي الله عنه: «لأن أجلس مجلس فقه ساعة أحب إلي من صيام يوم وقيام ليلة». وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «مذاكرة العلم ساعة أحب إلي من إحياء ليلة». وقال سعيد بن جبير رحمه الله: «لا يزال الرجل عالمًا ما تعلم، فإذا ترك العلم وظن أنه قد استغنى واكتفى بما عنده فهو أجهل ما يكون». وهذا الأثر يعني: تقدمت الآثار أولًا في أن مجلس العلم أفضل من... من مجلس العبادة، أن تتعبد لله وتحيي ليلك، فأفضل منه أن تكون في علم نافع. وإذا لم تكن في علم فإن العبادة كذلك لها شأن عظيم. وأما أثر سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: فأن الرجل يكون عالمًا ما دام يطلب العلم. يعني حتى العالم ما يقول: أنا عالم فقط، ويقف عند علم الذي تعلمه، بل عليه أن يستمر في طلب العلم. كما قال للإمام أحمد: «إلى متى وأنت تطلب العلم؟» قال: «من المحبرة إلى المقبرة». هذا هو، هؤلاء هم العلماء، أنهم يعرفون قدر العلم، وأنه ما حوى العلم جميعه أحد، ما حوى العلم جميعه أحد، لا ولو مارسه ألف سنة. يعني العلم تعطيك كلك، يعطيك ماذا؟ يعطيك بعض العلم. فكيف لو لم تعطيه شيئًا؟ فمن ظن أنه استغنى واكتفى فهو جاهل؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. فإن شاء الله تعالى نكمل هذا الباب العظيم، باب فضل العلم وتعلم، وشرف وفضل العلماء، إن شاء الله تعالى في الدرس المقبل. إلى هنا والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.