شرح الأصول الثلاثة 47

شرح الأصول الثلاثة 47

الدرس في شرح الأصول الثلاثة 47، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تفسير الآية 'لا إكراه في الدين' في سياق الجهاد والدعوة

يفسر المقطع الآية 'لا إكراه في الدين' بأنها تتعلق بعدم إكراه الناس على الدخول في الدين بعد تبين الحق. بينما تتعلق آيات الجهاد بمقاتلة الممانعين لانتشار الدعوة.

أركان الإسلام وشعائره وعلاقتها بالجهاد

يشرح المقطع أركان الإسلام وشعائره، مؤكدًا على الكفر بالطاغوت والإيمان بالله كأركان أساسية، ويبرز أهمية الصلاة والجهاد كشعائر إسلامية.

مراحل تطور الجهاد في الإسلام وتاريخه

يتناول المقطع المراحل التاريخية للجهاد، من تحريمه إلى الأمر بقتال المشركين، موضحًا أن الجهاد تطور وفقًا لقوة وضعف المسلمين.

ختام الرسالة المباركة ودعاء الشيخ

ختم الشيخ رسالته بطلب الدعاء والتضرع إلى الله أن ينفع بما جاء فيها، واختتم بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: والدليل قوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾. وقبل الخوض في هذه الآية نعلم، نربط أفكار الموضوع بعضها ببعض، فقول المؤلف رحمه الله تعالى: والدليل على ماذا؟ الدليل على ما ذكره في رأس هذه المسألة في قوله رحمه الله تعالى: وافترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، هو ذكر هذه المسألة، ثم قبل أن يأتي بالدليل أتى بشرح لكلمة الطاغوت حتى يفهم والكلام على محملها الصحيح. فلما قال: وافترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، قال ابن القيم: معنى الطاغوت، ثم ذكر كذا وكذا، ثم قال رحمه الله: والدليل، أي على هذه المسألة، على فرضية الكفر بالطاغوت والإيمان بالله جل وعلا، قال: والدليل قوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لنفصام لها والله سميع عليم﴾، قال: وهذا هو معنى لا إله إلا الله. وفي الحديث: «رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله». إذن، دليل المؤلف رحمه الله تعالى الذي استدل به واضح الدلالة على أن الله جل وعلا أمر الجميع، لأن المؤلف ماذا قال؟ وافترض الله على جميع العباد بالاستثناء، ومن أين أخذ رحمه الله تعالى هذا التعميم؟ من الآية، وما وجه الآية؟ الآية في قوله تعالى: ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾، وهذا ما يسميه أهل الأصول بأسلوب الشرط، أسلوب الشرط يفيد العموم. قال هنا: قال ربنا جل وعلا: ﴿من يكفر﴾، وهنا «من» من صيغ العموم، هنا شرطية، فمن يكفر أي كل أحد يدخل في هذا الوصف، كل من كفر بالطاغوت، وهكذا آمن بالله، فقد استمسك، فالفعل هنا واقع واقع في جواب الشرط، فقد استمسك بالعروة الوثقى لنفصام لها، دل ذلك على أن الكل عليه أن يجنح لهذه الصفة، وهو أن يكون كافرا بالطاغوت مؤمنا بالله جل وعلا. قال: والدليل قوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾، أي لا إلزام، بأن فلا من الناس لزما وغصبا يدخل في دين الله، لماذا لا إكراه؟ لماذا لا إلزام؟ لقول ربنا جل وعلا: ﴿قد تبين الرشد من الغي﴾، قد تبينت الحقائق، تبين الهدى من الضلال، تبين الإيمان من الكفر والإلحاد، فأصبح من يدخل إلى الدين يعلم عظم الدين، ومن أعرض عن دين الله ليس اشتباه، إن من لشقاوة أرادها ركون للدنيا، انغماس في الملذات واتباع للشهوات والشياطين، فما بعد ذلك إلا الضلال. فقال ربنا جل وعلا: ﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي﴾، وفي قوله تعالى: ﴿قد تبين﴾، تبين أي تفعل، وهذا من صيغة الوضوح وشدة الوضوح، شدة وضوح البيان أنه لا هناك لبس ولا هناك غموض في معرفة الحق من الباطل، ومعرفة الغي من الرشد، ومعرفة الإسلام وهو دين الله جل وعلا عن غير الأديان، من غير الأديان المحرفة. فقال سبحانه: ﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي﴾، وهذه الآية يقول علماء: ليس فيها معارضة لآيات الجهاد ولآيات القتال التي ذكر ربنا جل وعلا أنه قد أوجب على العباد أن يجاهد في سبيله لإعلاء كلمة الله، لأن بعض الناس قد يستشكل هذه الآية، كما ذكر إمام السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره عند هذه الآية، قال رحمه الله تعالى بما معناه: أنه قد ظن بعض المفسرين أن هذه الآية أن هذه الآية تنافي آيات الجهاد، فحمل آيات الجهاد على أنها منسوخة، قال: وقوله ضعيف مردود، حسا ومعنى، أو قال: لفظا ومعنى. فرد السعدي رحمه الله تعالى، وهذا قوله الصحيح، أنا من يظن أن هذه الآيات، وخاصة من العصر من المعاصرين، من وقعت والدين قد بلغ وتم، فما بعد ذلك إلا الضلال، فمن آمن آمن ومن ترك ترك، فما في داعي للجهاد، يقول العلماء: ليس كذلك، وإنما يوفق بين الأدلة، بين هذه الآية التي ليس فيها إلزام، وبين آيات الجهاد والذي ليس عنده منع، وليس عنده قوة، وليس عنده مانع. أما آيات الجهاد فإن أمرها يستمر في حق ممانع، في حق المدافع، فلو مثلا كان في عهد نبينا كان هناك اليهود، ما ألزمه نبينا، لماذا؟ لأنهم امتنعوا، إنما يسمعون الدعوة سمعوا بها، فمن أحب أن يؤمن يؤمن، ومن كفر كفر، لكن في حق من منع نشر الدعوة، بلدة تمنع دخول الدعوة إليها، تبليغ الدين إليها، فهو لا يقاتلون، لابد أن يقاتلون حتى ينتشر الدين ويكون الدين لله، تنتشر الدعوة، لا أحد يمنعها، لا أحد يقف حجر عثرة. فمثلا لو أن قرية من القرى أردنا أن نرسل من يدعو الناس إلى دين الإسلام هناك، فامتنعت، ردت الدعاء، ردت أهل هذا حجر عثرة، إذن لا بد أن يقاتل، وهنا تتنزل آيات القتال والجهاد في هؤلاء الذين هم حجر عثرة مانع وحاجز لانتشار دين الله، يقاتلون ويقاتلون حتى ماذا؟ يذهب قوتهم وتذهب شوكاتهم، ثم على ذلك يبقى ذاك المجتمع تحت الولاية الإسلامية، يدعو الناس إلى دين الله جل وعلا، يبين لهم الدين، فمن آمن آمن، ومن كفر كفر، ثم يبتل بعد ذلك تأتي مسألة الجزية وغير ذلك، والتفريق بين الحرب وغير الحرب مسألة طويلة عريضة في هذا الباب. لكن أولا ينبغي أن نعلم لا تعارض بين الأدلة، فلا نلجأ للنسخ، فنقول أن آيات القتال أو أن آيات الجهاد قد ألغيت بهذه الآية، كما قال السعدي، قال: وهذا قول ضعيف مردود، لأن لا بد أن نجمع بين الأدلة، أن آيات الجهاد تحمل على محمل، وأن هذه الآيات عدم الإكراه تحمل على محمل، فآيات الجهاد تحمل على من كان مقاتلا مدافعا معارضا مجابه للدعوة، فهذا يقاتل حتى لا يمنع من نشر الدعوة. أما إذا دعوة انتشرت فالحجة قامت على الناس، فمن آمن آمن، ومن كفر كفر، وعلى هذا تتنزل الآيات، كما قال علماء، قال ربنا جل وعلا: ﴿لا إكراه في الدين﴾، وهذا في حق من بلغ دين الله جل وعلا، ﴿قد تبين الرشد من الغي﴾، فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى، فمن يكفر بالطاغوت، وقلنا هذا العموم لكافة الناس، الكفر بالطواغيت على كافة صورهم، ويؤمن بالله جل وعلا، فقد استمسك بالعروة الوثقى. والوثقى هي القوية، هي العروة القوية، وفسر بالعروة الوثقى بماذا؟ بكلمة التوحيد بلا إله إلا الله، إذن العبد لا يكون مستمسكا متمسكا بكلمة التوحيد إلا إذا حقق هذه الصفات، كونه يكفر بالطاغوت، وأيضا يؤمن بالله جل وعلا، وتأمل يا عبد الله في هذه الأركان، الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، هذا هو حقيقة لا إله إلا الله، لا إله إلا الله تقوم على ركنين اثنين، لا إله نفي، إلا الله إثبات العبودية لله. وتأمل في هذه الآية: ﴿فمن يكفر بالطاغوت﴾، هي هي بنفسها معنى لا إله، ثم في قول تعالى: ﴿ويؤمن بالله﴾، إثبات الإيمان لله، أي إذا كان في قول الكلمة التوحيد: ﴿إلا الله﴾، فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله هي نفسها لا إله إلا الله، فإذا علمنا أن حقيقة التوحيد وكلمة التوحيد والاستمساك بكلمة التوحيد تكون بهذه المسائل، أنك تكفر بالطواغيط يا عبد الله، وأنك تؤمن بالله جل وعلا. ثم قال ربنا جل وعلا: ﴿فقد استمسك﴾، يقول علماء: استمسك صيغة مبالغة، فعندي استمسك وعندي تمسك وعندي مسك، وإن كانت استمسك وتمسك من صيغ المبالغة، بخلاف مسك ليست من صيغة المبالغة، فعبر ربنا جل وعلا في هذه الآية بأن الذي قد كفر بالطاغوت كفر بالشرك وبصور الشرك، وآمن بالله جل وعلا، وإيمان بالله بتحقيق التوحيد لله جل وعلا، فهذا الذي قد استمسك ليس فقد مسك، بل فقد استمسك بالعروة الوثقى، وهذا أعظم صور التمسك، لأن العبد قد يكون قد تمسك بشيء لكنه ليس بمستمسك، قد يكون عبد ماسك مسك الشيء لكنه غير مستمسك. ففرق بين المسك وبين الاستمسك، الاستمسك هي شدة المسك، شدة المسك، فهذا الوصف يتحقق أي شدة التمسك بكتاب الله جل وعلا، وبكلمة التوحيد، إنما يؤتاها من كان هذا حاله، من كفر بالطاغوت وآمن بالله جل وعلا، قال سبحانه وتعالى: ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لنفصام لها والله سميع عليم﴾. قال: وفي الحديث: «رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله»، وهذا الحديث رواه أحمد والترمذي من حيث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه مرفوعا عنه لنبينا عليه الصلاة والسلام، وهو صحيح، وقد صححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في عدة من كتبه. وفي الحديث، قال المؤلف: وفي الحديث: «رأس الأمر الإسلام»، رأس الأمر أي رأس الدين هو الإسلام، فمن لا إسلام له لا دين له، ومن هنا ينبغي العبد أن يعرف ما هو الإسلام، وما هي أركانه، وما هي شروطه، وخاصة ونحن في هذا الزمن الذي عمل جهل في دين الله جل وعلا، كم من أناس قد خرجوا من الإسلام من أبواب، ويظلم النفس أنه لا زال مستمسك بدين الله. فرأس الأمر الإسلام، ولا يكون ذلك إلا بمعرفته، حتى تعرف ما هو الأمر الذي ستتمسك به، قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «ورأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة»، عموده الصلاة، هنا يقول علماء: في هذا الحديث شبه نبينا عليه الصلاة والسلام الإسلام بأنه كالخيمة الفسطاط، وتطلق كذلك الفسطاط على الخيمة الكبيرة، والخيمة من يعرف تركيبها يرى أنها لا تقوم إلا على عمود، على عمود، العمود هذا هو الذي يقوم مقام الخيمة، الذي بسقوطه تسقط الخيمة، بل لا قيام للخيمة إلا بهذا العمود. فقال نبينا عليه الصلاة والسلام: «و عموده الصلاة»، عمود الدين وعمود الإسلام هي الصلاة، فإذا ذهبت الصلاة فلا إسلام ولا دين، ومن هذا الحديث أيضا استدل من استدل من العلماء على أن ترك الصلاة، وأن تارك الصلاة كافر، أن تارك الصلاة كافر، سواء كان عن جحود أو لغير عن جحود، تركها، بل حتى من العلماء، وقد مر ذلك معنا في أوائل الرسالة، أنه قال: من ترك فرضا واحدا متعمدا، فرض واحد، من ترك فرضا واحدا متعمدا حتى يخرج وقته فقد كفر، فقد كفر. فدل هذا الحديث إخوانا في الله على عظم الصلاة، وكما قلنا، وقد استدل بهذا الحديث جماعة من أهل العلم على تكفير من ترك الصلاة، لأن من ترك الصلاة فلا دين له، قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «و عموده الصلاة»، قال: «وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله»، ذروة مثلثة، ذروة وذروة وذروة، بثلاث صيغ، وكل معناها واحد، وذروة الشيء هو أعلى، ومن هنا يقال: ذروة البعير سنامه، ذروة البعير سنامه، الذي أعلى ما يكون فيه. فقال نبينا عليه الصلاة والسلام: «وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله»، أي أن ذروة ما يكون في الإسلام من شعائر هو الجهاد في سبيل الله، قال إمام أحمد رحمه الله تعالى: أفضل أعمال بعد الفرائض الجهاد في سبيل الله، لماذا؟ لأن هذه عبادة ليس بعدها عبادة، في شدة إنفاق العبد لما يحب، فقد أنفق ما يحب، وما الذي يحبه الإنسان في دنيا؟ نفسه التي بين جنبيه، قدمها رخيصة لله جل وعلا، فبذل نفسه، وقبل هذا ماله ووقته في سبيل الله. فكان هذا المخلوق، وهو الذي قدم نفسه فداء لله جل وعلا، قد جاء أعظم شعير من شعائر الدين، فقال عليه الصلاة والسلام: «وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله»، وقال علماء: وجه العظم في هذه الشعيرة، قالوا: لأن العبد المسلم بعدما يهتم بإصلاح نفسه يهتم بإصلاح غيره، وهذا إن دل دل على كماله، إن دل دل على كماله، أنك يا عبد الله بعدما تقوم بإصلاح نفسك، بتربيتها بتنقيتها بتهذيبها، لا تقتصر على ذلك، بل تنطلق بعد إصلاح النفس إلى إصلاح الغير. وأعظم وأعظم ما يكون من إصلاح الغير أنك تجاهد في سبيل الله، وهذا يدل على شدة عزمك، شدة عزمك في إصلاح الناس بعد إصلاح نفسك، فكان من أعظم العبادات بعد الفرائض التي أوجبها ربنا جل وعلا على عباده، قال: «وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله»، والجهاد إخوانا في الله كرؤية سريعة إلى مراحله، لم يكن أول ما فرض على وتيرة واحدة، وإنما الجهاد عندما فرض كان على مراحل، وهذه الحكمة أرادها الله جل وعلا. ومن أراد المزيد والتفصيل في مراحل الجهاد فلينظر ما ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه زاد المعاد، فصل رحمه الله تعالى التفصيل التاريخي والنظر إلى سيرة نبينا عليه الصلاة والسلام وذكر مراحل الجهاد، ثم ختم بحثه رحمه الله تعالى بقوله: وهذه خلاصة المبحث، قال رحمه الله تعالى: كان محرما ثم مأذونا به ثم مأمورا به لمن بدأهم بالقتال ثم مأمورا به لجميع المشركين، هذه المراحل التي مر لها الجهاد في سبيل الله. قال أولا: كان محرما، نعم كان الجهاد يمنع، يمنع الجهاد، أحاديث كثيرة، كان الصحابة لشدة غيظهم على الكفار أرادوا في بعض الأحيان أن يغيروا، أن يغيروا على الكفار، لكن نبينا كان يمنعهم، فكان محرما، قيل لهم: كفوا أيديكم، الكف عن القتال والكف عن مد الأيدي في الجهاد، قال: كان محرما ثم مأذونا به، ثم جاءت الرخصة، لكن الإذن إذن من أراد، ليس هناك فرض، وليس هناك أمر. المرحلة الثالثة، قال رحمه الله تعالى: ثم مأمورا به لمن بدأهم بالقتال، مأمورا به لمن بدأهم بالقتال، يقاتلون من قاتلهم، هم لا يبتدئون القتال، لا يبتدئون القتال، ولكن إن تجرأ وإن أقدم أحد من الكفار على غزوهم وعلى قتالهم، فإنهم حينها يوجب يوجب إيجاب وأمر اعتمار أنهم يقاتلوا المعتدي، ويردوا على الصائل المعتدي الذي أقدم عليهم. ثم قال رحمه الله تعالى: ثم مأمورا به لجميع المشركين، بعد ذلك أمر ربنا جل وعلا بنبذ العهود لأصحابها وأهليها، وأمر ربنا جل وعلا بسل السيف والسلاح في حق المشركين كافة، من قاتلهم ومن لم يقاتلهم، وهنا نفهم مسألة إخواني في الله، أن نقول: من يقول بأن الجهاد إنما يبقى طبعا نحن في هذا الأزمان، أنظار الناس للجهاد أنظار مختلفة متطرفة، بعضهم إفراط وبعضهم تفريط، منهم من يلغي الجهاد، وقد مر ذلك معنا، يلغيه بالبتة، ومنهم من يقول: أن الجهاد المشروع هو الجهاد ما يسميه العلماء بجهاد الدفع لا جهاد الطلب. جهاد الدفع هو الجهاد الذي تتنزل عليه آيات القتال، ما معنى جهاد الطلب؟ هذا الجهاد الدفع، جهاد الدفع هو هي مرحلة مرت على التشريع الإسلامي، وهو أن المسلم إنما يقاتل من قاتله، فبعض العلماء أخذ من هذه المرحلة أنها هي التامة، هي التامة، وهي الذي استقر عليه الأمر، على أننا لا نقاتل أحد، لا نقاتل أحد، حتى في هذا الأزمان، لا نقاتل، وما عندنا نسميه جهاد الطلب، لا نطالب أحد، وإنما نقى، فإن أحد سوءت له نفسه من أهل الكفر على التصدي والعدوان وعلى ضربنا، فإننا حينئذ نضربه ونقاتله، هذا قول جماعة من كان من القدماء، وكذا انتشر في زمن معاصر. لكن الصحيح أن هذه المرحلة كانت عبارة عن ليست المرحلة الأخيرة، وإنما جاء ما بعدها، وهي أن المؤمن يؤمر بقتل الكفار، سواء بدأوه أو لم يبدأوا، وهذا ما يسميه العلماء بجهاد الطلب، فعندنا جهاد دفع وعندنا جهاد طلب، وكل ذلك مما أمر به ربنا جل وعلاه، وأمر به وفرضه على العباد، وأيضا كذلك نعلم من هذه المسألة، ومن هذا التاريخ الحقبة التاريخية للجهاد، أن الجهاد كان محرما، وثم فرض على الناس، وأمر بالناس، وهل هذه المرحلة الزمنية تلغى؟ ويجعل شيء مما مضى؟ أم يستفاد؟ لا، صحيح يستفاد، ينبغي المسلم أن يستفيد. لماذا الجهاد في فترة من الفترات منع، وأمر ربنا جل وعلا بكف الأيدي، ثم جاءت الفترة التي فيها أمر ربنا جل وعلا بالتصدي والجري خلف الكفار واستئصال شوكتهم واقتلاع رؤوسهم؟ إذا لا ينبغي أن نعفل حكمة ما الحكمة؟ هناك منع، وهناك لم يمنع، فيقول العلماء: وهناك مبحث طيب لشيخ الإسلام رحمه الله تعالى في الصارم المسلول، حين ذكر رحمه الله تعالى ما يشابه هذه المسألة، فقال رحمه الله تعالى: وإن المؤمنين إن كان في زمن هو فيه مستضعف، أو في مكان هو فيه مستضعف. أعطاك وصف لأمرين اثنين للزمان والمكان، قال: إن وجد لبعض المؤمنين زمان هم فيه مستضعفون، أو مكان هم فيه مستضعفون، زمن تكون في وقت للأوقات أهل إسلام على ضعف على ذلة، أو يكون في مكان مكان معين بين الأمم هم فيه مستضعفون، فقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أن المؤمن إذا كان في زمن هو فيه مستضعف، أو في مكان هو فيه مستضعف، قال: فعليه أن يأخذ بآيات الصبر والعفو والصفح عمن يؤذي الله ورسوله، يصفح، يصفح، يصفح، حتى عن الكفار، لأنك مستضعف، وهذا كما قال: براعة من دقة فهمه رحمه الله تعالى إلى مراحل الجهاد. فقال رحمه الله تعالى: إذا كنت أنت يا عبد الله في زمن أو في مكان أنت مستضعف، قال: عليه أن يأخذ بآيات العفو والصفح والصبر والعفو والصفح عمن يؤذي الله ورسوله، قال: من أهل الكتاب والمشركين، قالوا: أما من كان من أهل القوة، قال: فليأخذ بآيات القتال وجهاد أئمة الكفر، حتى يؤتى الجزي عن يد وهم صاغرون، ففصل رحمه الله تعالى بين مرحلة الاستضعاف وبين مرحلة القوة، ومن أين جاء بهذا التفريق رحمه الله تعالى؟ من هذا التقسيم التاريخي. فالمسلم ينبغي أن يعرف التشريع كيف بدأ، ولماذا بدأ؟ وهل هناك حكم لا يأتي؟ لأن بعض الناس لا يميزون هذه الأشياء، لو ربما مسلم يا مسلمين في بلد هو فيها مستضعف، لا يدرى في ذلك، ومع ذلك يسل سيفه على من على آلاف آلاف الكفار مما هم لك بالمرصاد، ويا ليت أن الفتنة تنجر لك، وإنما تنجر عليك، وتنجر على الأمة، كم يلفت إخواني في الله، وقعت ما وقعت إلا من جرائر ناس ما اعتبروا بأدلة شرعية، يخرج يسمع آيات الجهاد، آيات القتال، آيات رفع السلاح، آيات الاستشهاد والشهادة، ثم يذهب ويجعلها في غير محلها، مكانه مصطضعف أو الزمن هو فيه مصطضعف. ثم تأتي البلية على الأمة، ليست عليه بنفسه، بل على الأمة أسرها، يقتل مئات والآلاف، يحصدون حصدا، كما جرى قديما وحديثا، فيما نرى في واقعنا المرير، فالمسلم إخواني في الله عليه أن يعلم هذه المسائل، وأن يعلم أن مراحل الجهاد ما كانت على هذه المراحل إلا بأمر من ربنا جل وعلا، تحريم ثم إذن ثم أمر من قاتل، ثم بعد ذلك قتال جميع، وكان ذلك لحكمة أرادها الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: وفي الحديث: «رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله»، قال: والله أعلم، ختم المؤلف رحمه الله تعالى هذه الرسالة المباركة، الرسالة الطيبة بإحالة العلم إلى الله جل وعلا، وكانت هذه سنة العلماء قديما وحديثا، أنهم يكلون مسائلهم، مسائلهم إلى الله سبحانه وتعالى، فالله أعلم بالصواب. قال رحمه الله تعالى: تمت الأصول الثلاثة، وبهذا أخواني في الله كان الختام لهذه الرسالة المباركة، فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.