الدرس في شرح الأصول الثلاثة 46، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح المقطع أنواع الطواغيت ويحذر منهم، ويؤكد على أهمية التحاكم إلى شريعة الله. يُظهر أهمية الرضا بحكم الشريعة الإلهية مقارنة بالقوانين الوضعية.
يعدد المقطع صور من لا يحكم بما أنزل الله ويبين الحكم الشرعي لكل صورة، مشروحاً معاني الآيات القرآنية المتعلقة بالكفر والظلم والفسق في هذا السياق.
يتناول المقطع تفصيل مفهوم الحكم بغير ما أنزل الله وتطبيقه على مختلف الحالات، مشدداً على أهمية فهم عموم الآية وتطبيقها على الجميع.
يؤكد على أن الله تعالى يعلم ما يصلح عباده، ويوجب الرضوخ لشرع الله وتحكيمه في جميع أمور الحياة، ويصنف من لم يحكم بما أنزل الله ضمن الكافرين أو الظالمين أو الفاسقين.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. وأما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: والطواغيت كثيرون، رؤوسهم خمسة: إبليس لعنه الله، ومن عبد وهو راض، ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه، ومن ادعى شيئا من علم الغيب، ومن حكم بغير ما أنزل الله. في هذه الفقرة، إخواني في الله، ذكرنا أن المؤلف رحمه الله تعالى إنما أراد أن يذكر الرؤوس التي منها تنطلق بقية الطواغيت، فذكر إبليس، ومن عبد وهو راض، وقلنا: وهذا قيد مهم حتى يخرج من عبد وهو من أهل الصلاح بغير رضاه. ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه، وإن لم يستجب له دعوته، وإن لم يستجب له فهو في عداد الطواغيت. قال: ومن ادعى شيئا من علم الغيب، وقلنا: شيئا نكرة تفيد العموم، فمن ادعى شيئا ولو مرة لا يتوقع أن يكون له عدة مرات، ولو مرة ادعى فيه علم الغيب وأنه يعرف شيئا من علم الغيب فإنه يكفر، وأنه كذلك طاغوت من الطواغيت. ونبهنا أو ذكرنا بعض الصور التي فيها ادعاء لعلم الغيب، وإن كان أصحابها لا يظهرون ذلك، لكن هذا من علم الغيب. قال رحمه الله تعالى: ومن حكم بغير ما أنزل الله، كذلك من حكم وتجاوز أن يحكم بغير ما أنزل الله جل وعلا، فهذا يجعله في عدد الطواغيت. لأن في حق المخلوق أنه يكون تابعا وأنه يحكم بما أنزل الله ويحكم بشريعة الله جل وعلا، أما أنه يتقافز من محله ويخرج عما أمره الله جل وعلا من العبودية، فيرى في نفسه أنه لو حق التشريع فيشرع للناس وأنه يتبع، فهذا في عدد الطواغيت. قال: ومن حكم بغير ما أنزل الله. والعبد المسلم، إخواني في الله، ينبغي أن يحمد الله جل وعلا حمدا كثيرا عظيما مباركا على أن الله جل وعلا بعدما أنعم بالإسلام، أن وفقه لهذه الشريعة السمحاء، شريعة غالية، شريعة عالية، أدخل فيها أو جعل ربنا فيها كل خير، ونفى ودفع عنها كل شر وضرر. فلا يوجد فيها ضرر من تمسك بهذه الدين، بهذه الملة، وبهذه الشريعة، جعله ربنا السؤدد والسيادة والنصرة والعزة والتمكين في الدنيا قبل الآخرة. لأن العبرة بأحوال الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كيف لما تمسكوا بالشريعة وحكموا بشريعة الله جل وعلا، ماذا كان لهم في غضون السنوات العديدة؟ ضربوا أروع الأمثلة، بل ضربوا الأرقام القياسية إن صح التعبير، في نهوض دولة عظيمة كبرى، نافست الشرق الروم، ونافست كذلك الغرب، ومن غيرهم الأمم، وهكذا أهل فارس، حتى أطاعوا بعروش تلك الأمم في زمن بسيط يسير. وذلك بتمسكهم بشريعة الله جل وعلا، فالعبد يحمد الله جل وعلا حمدا كثيرا على هذه الشريعة، فيسارع إلى تطبيقها في نفسه وفي غيره. ولنا كذلك عبرة بأحوال الغرب، هؤلاء المخدوعين من الفرق اللادينية، من العلمانية والقومية والبعثية وغيرهم، ممن يدندن ويفتخر بشريعة اليهود والنصارى، من تلكم القوانين والدساتير التي وضعوها لأقوامهم ولأتباعهم. فذهب من ذهب يأتي بها ويجلبها على بلاد المسلمين، ويحث الناس ويشجع الناس على تطبيقها. فماذا عسى أن تكون، يا عبد الله، إذا أردت أن تعرف ما تكون هذه الشرائع والقوانين والدساتير؟ انظر ما الذي أثمر في بلادهم، هم ما الذي أثمرت؟ هل ذهبت معدل الجريمة؟ هل نقصت؟ لا والله، بل زادت. زادت من كان صادقا مع نفسه ونظر في الإحصائيات، بل في إحصائيات القوم، يذهب إلى الملفات، ملفات الجرائم، ملفات الحوادث، كم تعددت؟ بل جاء في بعض النقولات أن بعض الدول ربما ما تمر دقيقة وما دون ذلك إلا ويقع حادث قتل أو اقتصاص أو سرقة. هذه هي التي صنعت الدساتير والقوانين الوضعية، هي تعاني الأمرين، تعاني الأمرين، ما فلحت ولن تفلح، من أراد الخروج عن شريعة رب العالمين لن تقول له النجاح ولا السعادة. فكذب على ذلك، تطمع يا أيها المخذول أن تأتي مثل هذه الشرائع وتزحزح كتاب الله جل وعلا وتزحزح شريعة رب العالمين وتأتي بهذه الشريعة الناقصة التي جاءت من زبالة أذهان الناس والبشر؟ فهي لا تفلح أبدا، لا في دنيا ولا كذلك في الآخرة. ولهذا، إخواني في الله، فإن الله جل وعلا أمر العباد أنهم يعظموا هذه الشريعة، وخاصة في تحكيمهم، وفي الرجوع إليها. وليكن حالهم كحال أهل النفاق، أهل النفاق يظهر أمرهم في هذه المسألة، في مسألة التحكيم، تحكيم الشريعة، تحكيم الكتاب والسنة، يظهر أمرهم كما وصف ربنا جل وعلا في حق أهل النفاق، ويدخل في ذلك الكفار. ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله، المنافق يتبرم من شريعة الله، يضيق ذرعا، لا يحب، يجد الضيق والحنق والغيظ من شرع الله جل وعلا. ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله. وإذا دعوا إلى شريعة الله جل وعلا، يكون التحاكم والمخاصمة إليها، ويكون اللجوء إليها، تجد أنهم يصدون عن هذا صدودا. وإذا قيل لهم، إذا دعوا إلى ما أنزل الرسول، إلى ما أنزل الله والرسول، رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا. وصف ربنا جل وعلا حالة النفور التي يبلغها الكفار إلى هذا المبلغ، يصدون عنك صدودا، هذا متى؟ إذا دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول عليه الصلاة والسلام. فإياك، يا عبد الله، أن تتمثل بحال هؤلاء، فإن هذا يدل على نفاقك، أنك تلزم بالرجوع إلى الكتاب والسنة، تتحاكم إليها، وأنك ترضى بحكمها، لكن ترى منك النفور والإعراض والصد والحنق والكراهية، فاعلم أنك من أهل النفاق، لأنهم هم الذين صدوا صدودا عن شرع الله جل وعلا. أما المؤمن، انظر ما الذي وصف الله جل وعلا، قال جل في علامة: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾. قال ربنا جل وعلا: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾، هذا هو الإيمان، الإيمان أمام شرع الله جل وعلا أولا التحاكم. ولا تظن، يا عبد الله، أنك في شرع الله جل وعلا فقط أنك تظهر مظهر الخضوع والخنوع لله، لا، هذا ليس هذا الذي ينبغي، لا، هناك ما هو أعظم من ذلك، أن يكون خضوعا في الجسم والجسد، وأن يكون كذلك خنوعا للقلب. بعض الناس يرى لو ربما يأتي إلى شرع الله جل وعلا، يتحاكم إلى شرع الله، لكنه في داخل قلبه يرى من الضيق والحرج، هذا ليس من المؤمنين. ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت﴾، ومع ذلك كله ﴿ويسلموا تسليما﴾. ولو كان هذا الحكم ليس لصالحك، بل كان عليك، بأنك مخطئ وأنك مبطل، وأن عليك كذا وكذا من العقوبات، فإنك تفرح، تفرح بأن هذا هو حكم رب العالمين، فتفرح بهذا. فالحكم بما أنزل الله جل وعلا من الأحكام العظيمة، وأن من ترك الحكم بشرع الله فقد أتى أعظم المنكرات. ومن هنا، إخوانا في الله، نأتي إلى أمر مهم، وهو أن العلماء رحمهم الله تعالى ذكروا حال الناس أمام قضية التحكيم، وأنهم يختلفون، وأنهم يختلفون في حول قضية تحكيمهم أو إعراضهم لشرع الله جل وعلا. فقال علماء: أن الذي لا يحكم بما أنزل الله، والذي لا يحكم بشرع الله جل وعلا يكون على صور، من صوره: أن يكون جاحدا لشرع الله، جاحدا لشرع الله، يجحد شرع الله، ينكر شرع الله، يستهزئ، ومن ذلك: الاستهزاء والتطاول على شرع الله عز وجل. ومن ذلك مثلا ما يتعلق بالحدود، الحدود الشرعية التي أنزلها ربنا جل وعلا لعباده، فيأتي من يأتي ويستهزئ، هذا إذا لم يتبرم، زيادة التبرم، الاستهزاء، الاستخفاف، الضحك، يضحك على شريعة الحدود، من قص الأيدي أو الرجم أو الجلد ونحو ذلك، فهذا منف على ذلك، تهكم بما أنزل الله جل وعلا من أحكام ومن شرع، فهذا كافر، فهذا بالاتفاق، لا شك أبدا في كفره، من تجرأ على الجحود، ومن ذلك الاستهزاء والتطاول على شرع الله جل وعلا. الصورة الثانية من صورة حكمه على حكم الله: يأتي بأحكام ثم يقول: أنا أرى أن هذا الحكم الذي أتيت به أفضل من حكم الله، حكم الله هذا نعم ينفع، لكن في أمم قد خلت، أزمان قد مضت، أما حكم الحمد، أرى أنه معاصر، مواكب لحاجة الناس، وحاجة الناس لذلك. فمن تجرأ على أن يقول بهذا، وتفوه بهذا، ويعتقد هذا الاعتقاد، بأن حكمه أفضل من حكم الله، فهذا كافر بالاتفاق، لا إشكال بذلك. ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون؟ فلا أحد يحكم، ولا أحد أحسن حكما من ربنا جل وعلا، فهذا التفضيل. الصورة الثالثة: إذا ساوى، ما يستطيع أن يفضل حكمه على حكم الله، لكن يقول: أنا والله أرى أن حكمي وحكم الله سواء، حكم الله كان نافعا فيما مضى، وحكمي فيما يأتي، فإن شاء الله، سواء، لا إشكال بيني وبين حكم الله عز وجل، هذا أيضا كافر، ليس كمثله شيء في ذاته، وفي صفاته، وفي أفعاله، وفي أحكامه جل في علاه. فمن ساوى بين حكمه وبين حكم الله جل وعلا، فهذا كافر. الصورة الرابعة: وهو من يقول: قد يقول لك أن حكم الله هو الأفضل، وهو الأنسب، لكن في نفس الوقت يقول: ولكن يجوز أن تتحاكم أو أن تحكم بغير شرع الله، يجوز، فقوله يجوز يدخله هذا أيضا في باب الكفر، فيكون كذلك كافر. تأمل من يقول: قد يقول لك أن حكم الله هو الأفضل، وهو الأنسب، لكن يجوز أن أحكم بغير شرع الله، فهذا كافر. لماذا كافر؟ لأنه استحل ما حرم الله جل وعلا. تخيل لو أن رجلا قال لك: الزواج طيب، لكن زنا حلال، يا خيزني الزنا حلال، ما ظنه بقول زنا حلال؟ مع أنه قد عظم أمر الزواج، وقدم أمر الزواج بأنه أفضل، الزواج طيب، فيه نوع من استقرار الأسرة، تجمع نفسك. لكن ما في شيء، الزنا كيف ما في شيء؟ قول ما في شيء، قولك ما في شيء يجعلك من عداد الكفرة، لأنك استحللت ما حرم الله جل وعلا. وهكذا يقول في حق التحكيم، فمن ظن أن حكم الله الأفضل، لكن في نفس الوقت يقول: يجوز أن تحكم بغير ما أنزل الله، فهذا يجعلك من عداد الكفار. الصورة الخامسة من صورة التحكيم: أن يأتي من يأتي إلى حكم من نفسه، يحكم بنفسه، ثم يقول: هذا حكم الله، وهذا الذي عبر عنه بعض العلماء، كابن القيم رحمه الله تعالى، يسمى بالحكم المبدل، الحكم المبدل: أن تأتي بحكم من عند نفسك، ثم تقول: هذا هو حكم الله، فهذا هو الكفر الأكبر، كذلك يخرج من الدين والملة، لأن هذا كذب وبهتان على الله وعلى رب العالمين. الصورة السادسة في التحكيم: وهو أن رجل يحكم من عند نفسه، ومع ذلك يرى أن حكم الله هو الأفضل، لكن الذي جره إلى أن يحكم بغير ما أنزل الله شهوة وفسق ونحو ذلك من المصالح، ولكنه يعتقد أن حكمه ليس بأعظم، وليس بأفضل، ولا مساوي، وليس يجوز له هذا، لا يجوز، لكن ابتلي بهذا. فهذا قول العلماء: أنه ماذا؟ كفره ليس بالكفر المخرج من الدين والملة. فهذه صورة ست، عباد الله، وتحت مباحث وتفاصيل، ليس هذا مآلها. ومنها نعلم أن قول ربنا جل وعلا: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾، ﴿فأولئك هم الظالمون﴾، ﴿فأولئك هم الفاسقون﴾. جاءت هذه الآيات الثلاث بذكر الحكم في حق من سوّت له نفسه أن يحكم بغير ما أنزل الله، فهو دائر بين الكفر وبين الظلم وبين الفسق. ﴿فأولئك هم الكافرون﴾، ﴿فأولئك هم الظالمون﴾، ﴿فأولئك هم الفاسقون﴾. واختلف الأقوال عند العلماء في هذه الأوصاف الثلاثة: هل هذه الأوصاف الثلاثة ترجع إلى موصوف واحد، إلى شخص واحد؟ أو أنها ترجع إلى عدة أشخاص؟ من أهل العلم من يرى هذا، ومنهم من يرى هذا. فعلى القول الأول، من رأى ومن قال: أن هذه الأحكام الثلاثة ترجع إلى موصوف واحد، أي إلى شخص واحد، وهذا باعتبار أن الكفر والظلم والفسق كله بمعنى واحد، وهو الكفر المخرج من الدين والملة. فإن الكفر مخرج من الدين والملة، وهكذا الظلم، الظالم يطلق على الكافر، والكافرون هم الظالمون. وأيضا الفسق يطلق على الكافر، بأنهم كفروا بالله ورسله وماتوا وهم فاسقون، سمى ربنا الكفر بأنهم فسق. فيقول علماء: فتحمل هذه الآيات: ﴿كافرون﴾، ﴿ظالمون﴾، ﴿فاسقون﴾، أن تحمل على شخص واحد، وأن الكفر هو بمعنى الظلم، بمعنى الفسق، وهذا في حق من جحد حكم الله جل وعلا، جحد حكم الله، استطال على حكم الله. فإن هذا تتنزل عليه الأحكام، فهو كافر، ظالم، فاسق. القول الثاني، ومن قواله للسنة كذلك، من يقول: بأن هذه الأوصاف الثلاثة ترجع لعدة أشخاص، وذاك باعتبار أن كل وصف لحالة معينة. فقال: فالآية: ﴿فأولئك هم الكافرون﴾، تتنزل على حالة، والظالمون على حالة، والفاسقون على حالة. فالكافرون تطلق هذه الآية، ويوصف بها الرجل، كمر معنى، إذا حكم بغير ما أنزل الله جاحدا بها، مفضلا حكمه على حكم الله، مساويا، مجيزا، يدخل في ذلك، فيكون ماذا؟ من الكفر الأكبر. أم يكون من الظلمة؟ وذلك إن كان حكم بغير ما أنزل الله، بما فيه اعتداء، بما فيه اعتداء على الناس، حكم بماذا؟ حكم بظلم، حكم بجور، أمر بسفك الدماء، أتى بأبرياء، وفعل بهم ما فعل، فأولئك هم الظالمون، تتنزل على حكمه، لأنه حكم بجور وظلم. الصورة الثالثة: بفسق، وذلك إذا كان حكمه إذا حكم لشيء من مصالح الدنيا، لمتاعها، رجل عنده مال، أراد أخذ ماله، فحكم عليه بسجن وأخذ ماله، أو كذلك أمر بسجن بعض الناس حتى يأخذ عارهم، ويأخذ كذا، فإذا كان حكمه بغير ما أنزل الله كان لشهوة، فهذا تتنزل عليه هذه الآية: ﴿فأولئك هم الفاسقون﴾. وإن كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يرجح الثاني، يرجح هذا الثاني، أنه أقرب، والكل من أقوال أهل السنة. فهذه الآية تتنزل بهذا الاعتبار. بهذا نعلم خطأ، إخواني في الله، من يطلق هذه الآية على عمومها، من غير تقييد بما قيد العلماء. فالحكم بغير ما أنزل الله هو يتفاوت من الكفر الأكبر إلى دون ذلك، على حسب الصور التي سمعتموها. وعلى هذا عقيدة أهل السنة والجماعة، قديما وحديثا، مع القول بأن الحكم بغير ما أنزل الله، وإن كان في حق صاحبه كفر دون كفر، وأنه ليس مخرجا من الملة. لكن فليعلم أنه قد أتى بابا عظيما من أعظم أبواب المنكرات. فإن الذنب الذي يوصف بالكفر أعظم من الذنب الذي لا يوصف بالكفر، الذنب الذي يوصف بالكفر أعظم عند الله جل وعلا من الذنب الذي لا يوصف بالكفر. فيدل، إخواني في الله، على أن من تجرأ على أن يحكم بغير ما أنزل الله، فقد أوبق دينه ودنياه. فإن كان كافرا، قد أوبق نهائيا، وإن كان دون ذلك، فإنه على تبعات، تبعات من أمرهم، ومن ألزمهم بأن يحكموا بغير شرع الله عز وجل كذلك. وأنا في ما يناسب ذكره في هذه المسألة: أن الحكم بغير ما أنزل الله، أمر ربنا جل وعلا بهذا التحاكم في حق من؟ في حق من لا يأتي متجرئا ويتجرأ على هذه الآية التي جاءت بصيغة العموم. قال ربنا جل وعلا: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله﴾، كذلك من صيغة العموم، في أي حكم، طيب، أي حاكم، وأي حكم؟ عموم، عموم. فأي عموم؟ من تجرأ أن يدخل في هذا العموم، سواء كان حاكما، كائنا من كان، أو حكم بأي حكم، كائنا من كان، فإنه يدخل في هذه الآية. ما المراد من ذلك؟ المراد من ذلك، إخواننا في الله، أن نعلم أن جميع الناس، جميع الناس مأمورون بأن يحكموا بشرع الله، الراعي على رأسهم، وكذلك الرعية، الكل، الصغير، الكبير، من كان قائد أمم، أو قائد دولة، أو زعيم قبيلة، أو زعيم حتى ناحية، فإنه يلزم بهذه الشعيرة. وقد ابتلينا، إخواني في الله، في هذه الأزمان، بأن أناسا من الناس، لربما إذا مسكوا هذه الآية، ما طبقوها إلا على فوق، رموها في الأعلى، في القمة، على الزعماء والأمراء والسلاطين، وعلى المسألة السياسية. وبينما يتعلق بواقع الناس، أخرجوا الناس، وما طبقوا هذه الآيات على عمومها. لا، أهل السنة يطبقون هذا التفصيل على كل أحد، على الراعي، إن تجرأ، أو حتى كذلك على الرعية، لو أحد من الرعية تجرأ على أن يحكم أو يتحاكم إلى غير ما أنزل الله. فما ذكرنا من الأوصاف الست تنزل عليه، كما يفرقون. رحمة الله على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ذكر في مجموع الفتاوى، وأيضا في السياسة الشرعية، ويتكلم على هذه المسألة، وعلى عمومها. قال: وكل من حكم بين اثنين، فهو قاضي، أو قال: فهو قاض. وكل من حكم بين اثنين، انظر، كل من حكم بين اثنين فهو قاض، أي قاضي. ثم بيّن رحمه الله تعالى، قال: كالمتولي للديوان، أو الحرب، أو انتصب للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال: حتى الذي يحكم بين الصبيان، يحكم بين الصبيان في الخطوط، فإن الصحابة كانوا يعدونهم من الحكام. انظر، لدقة الفهم، حتى الصحابة كانوا يعدون من مثل مدرس من المدرسين، يأتي يحكم بين الصبيان، هذا حاكم، ينظروا في حكمه، فإن حكم بشرع الله فذاك، وإن حكم بغير ما أنزل الله، ينظروا في المراتب الأربع. إن أتى بحكم من عنده على أنه أفضل من حكم الله، فهو كافر، إن أتى بحكم من عنده وراء، مساوي لحكم الله، فهو كافر. حتى الصبيان، معلم الصبيان، فهنالك أن نفقه، وعلى الكثرة الناس يفقهون هذه المسألة. فالآية، أسف، إخواني في الله: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله﴾، ومن يتعلق بحكم ما أنزل الله، سرعان ما تأتي الأذهان إلى السلطة، لا، يا عبد الله، السلطة، القاضي، حتى في قبيلة، رجل في قبيلة يحكم بين قبيلته بأعراف وأسلاف. أنت من قال: أنا والله شيء، قبيلة ما شاء الله، لماذا تحكم؟ هل عندكم محكمة؟ والله ما عندنا محكمة، ما عندنا شيء، ما عندنا بعيثي، رأى جبل، طيب، كيف تسير أموركم؟ قاله: والله نحكم بين رعيتي، مع خمس بيوت، عشرين بيت، كم يقع في البوادي والقبائل؟ طيب، كيف تحكم؟ سنسمع له حكمه، وما نفرق لقول هذا صاحب قبيلة، نراعيه، وهذا صاحب ده ما نراعيه، كل ينزل على هذه السنة. ومن لم يحكم بما أنزل الله، ﴿فأولئك هم الكافرون﴾، نسمع له حكمه، فإن طبق بشرع الله، هذا ذاك، وإن لم يطبق شرع الله، فننظر. إن أتى بحكم من عنده على أنه أفضل من حكم الله، فهذا كافر، إن أتى بحكم وجحد حكم الله، فهذا كافر، إن أتى بحكم وساوى بحكم حكم الله، فهو كافر، إن أتى بحكم من نفسه، ويرى أن حكم الله هو الأفضل، لكن لشهوة أو لسلطة، فهذا فاسق. وعلى هذا، أهل السنة يسيرون، لكن فرق بين هذا الفهم، بين فهم كثير من الناس لهذا الباب. فإخواني في الله، فينبغي أن يراعى هذا الباب. فهذه الآية عامة، تبقى على عمومها. قال الاشياء: رسولان. قال: وحتى الذي يحكم بين الصبيان، قد كان الصحابة يعدونهم من الحكام. أنت في بيتك تحكم مع أهلك بما تحكم، تنازع عليك الأمر، فلو جاء رجل وقال لأبنائه ولأبنائهم: أخي، أنا أريد مالا، وما عندي مال، أنا أفرض عليكم: إذهبوا للزنا، والعياذ بالله، يا أبتا، زنا حلال، ما حكمه؟ كافر، لنظن أن هذا الحكم، أن تجويز لما حرم الله. وعلى هذا الحال، فينبغي، إخواني في الله، أن نفهم. وللأسف، كما قلنا، ونكرر، لهذه المسألة، لعظم البلية، من أناس رأوا أنفسهم أصحاب فكر، لأنكم، لكنوا انضيقوا شرع الله، وما عرفوا بالعموم الموجود في الآية، فنزلوها على مسألة دون مسألة. فهذا الحكم يتنزل على دولة، على قبيلة، على مذهب، على شعيرة، على حزب، على أي فكر، كل من حكم بما أنزل الله فهو محمود، ومن لم يحكم بما أنزل الله فإنه يدخل في هذه المراتب. الخلاصة، إخواني، في هذا المبحث، وتحته مسائل كثيرة وعريضة. لكن همنا، إخواني، أن نعلم أن المسلم عليه أن يتحاكم إلى شرع الله جل وعلا، فإن الله جل في علاه هو الذي خلق، وهو الذي يعلم ما يصلح العباد، ألا يعلم من خلق؟ وهو اللطيف الخبير، يعلم ما يصلحهم في دينهم ودنياهم، وفي معاشهم، وفي عاجل أمرهم، وفي آجلهم. فلابد للرضوخ، إخواني في الله، لشرع الله جل وعلا، وأن نتحاكم جميعا، ونتحاكم جميعا إليه، الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والغني والفقير، والعظيم والحقير، وحتى الراعي والرعية، الكل يشملهم هذا الأمر، بوجوب تحكيم شرع الله جل وعلا. فمن لم يحكم بما أنزل الله، ﴿فأولئك هم الكافرون﴾، ﴿الظالمون﴾، ﴿الفاسقون﴾، وﻷولئك هم الطواغيت، كما ذكر، وعدهم شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ورحمه الله تعالى. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.