تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 153

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 153

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 153، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

ملك الله العام ووصيته بالتقوى وعاقبة الكفر

يفسر المقطع آية ملك الله الشامل للسموات والأرض مبيناً أنه يستلزم تدبيره الكوني والشرعي، وأن وصيته للأولين والآخرين هي التقوى العملية بفعل الأوامر واجتناب النواهي. ويوضح أن الكفر لا يضر الله لغناه وحمده، بل يضر الكافر نفسه لأن لله عباداً خياراً مطيعين.

جود الله المطلق وكمال غناه عن خلقه

يصف المقطع جود الله الواسع الذي لا ينقصه إنفاق الليل والنهار مستدلاً بأحاديث صحيحة، مبيناً أن الله يعطي عن غنى لا عن حاجة وعطاؤه وعذابه بمجرد قوله كن فيكون. ويختتم بكمال غناه الذاتي المستلزم لنفي الزوجة والولد والشريك عنه.

معنى اسمي الله الغني والحميد واقترانهما

يشرح المقطع معنى اسم الله الغني بأنه المستغني عن كل شيء والمفتقر إليه كل شيء، واسم الحميد بأنه المستحق لكل حمد وثناء على نعمه وجلاله. ويبين أن اقتران الاسمين يدل على كمال الغنى وكمال الحمد، وأن الله وكيل على كل شيء بتدبير حكيم وعليم.

حكمة الله في تفاوت أحوال العباد وكفايته وكيلاً

يبيّن المقطع أن خاتمة الآية وكفى بالله وكيلاً تعكس حكمة الله في توزيع الأرزاق والأحوال بين الناس من غنى وفقر وصحة ومرض. ويوضح أن هذا التفاوت يسخر بعضهم لبعض لمصلحة العباد في معايشهم والله أعلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قوله جل وعلا: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا * وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾. قال: يخبر تعالى عن عموم ملكه العظيم الواسع المستلزم تدبيره بجميع أنواع التدبير وتصرفه بأنواع التصريف قدرًا وشرعًا. أن التصرف الله عز وجل قدرًا أي كونيًا، أي ما جعله الله عز وجل في هذا الكون، وشرعًا أي ما شرعه بآياته وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. قال: فتصرفه الشرعي أن وصّى الأولين والآخرين أهل الكتب السابقة واللاحقة بالتقوى، المتضمن للأمر والنهي وتشريع الأحكام والمجازات، لمن قام بهذه الوصية بالثواب، والمعاقبة لمن أهملها وضيعها بأليم العذاب. فهذه هي وصية الله جل وعلا للأولين والآخرين: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾. فهذه وصية الله الشرعية أوصى بها جميع الخلق أن يتقوا الله. والمراد بتقوى الله: فعل الأوامر واجتناب النواهي، أن امتثال أمر الله عز وجل بفعل الأوامر واجتناب نواهيه جل وعلا. فهذا هي التقوى: أن يجعل بينه وبين عذاب الله عز وجل وقاية بفعل الأمر وترك النهي على ما استطاع. قال: ولهذا قال: ﴿ وَإِنْ تَكْفُرُوا ﴾ أي بأن تتركوا تقوى الله وتشركوا بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانًا، فإنكم لا تضرون بذلك إلا أنفسكم، ولا تضرون الله شيئًا، ولا تنقصون ملكه. يعني الإنسان الذي يكفر لا يضر إلا نفسه. ولهذا قال: ﴿ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾، لن يضر الله شيئًا، وسيحبط أعماله كما قال في سورة محمد: ﴿ فَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّمَا يَكْفُرُ لِنَفْسِهِ ﴾ أو يكفر على نفسه، فهو يضر نفسه بهذا الكفر. قال: وله عبيد خير منكم وأعظم وأكثر، مطيعون له خاضعون لأمره. ولهذا رتب على ذلك قوله: ﴿ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا ﴾. له الجود الكامل والإحسان الشامل الصادر من خزائن رحمته التي لا ينقصها الإنفاق ولا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، كما جاء في الحديث الذي في الصحيحين: « لا يغيضها » أي لا ينقصها، « لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار » أي في أوقات الليل والنهار، فهو ينفق سبحانه وتعالى منذ أن خلق السماوات والأرض فلم يغط ما في يمينه، أنا ما نقص شيء من ما في يمينه جل وعلا. قال: « لو استغفرها لأهل السماوات والأرض أولهم وآخرهم فسأل كل واحد منهم ما بلغت أمانيه ما نقص من ملكه شيء »، ذلك بأنه جواد واجد ماجد. وجاء في الحديث القدسي، حديث بذل: « لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا على صعيد واحد، وكل واحد سأل مسألته، عنده مسألة أماني يسألها، قال: وأعطيتم كل واحد منكم مسألته، ما نقص ذلك من ملكي شيء إلا كما ينقص الإصبع إذا أدخل في اليم ». فلينظر بما يرجع، يعني إذا أدخل إنسان أصبعه في بحر فماذا سيرجع؟ ما عساه يرجع إلا قطرة، وهذه القطرة لا تنقص شيئًا من ذلك الماء العظيم. وكذلك لو سأل أهل السماوات والأرض كلهم، سألوا الله عز وجل مسألتهم وأعطاهم كل واحد مسألته، ما نقص ذلك من ملك الله شيئًا. قال: بأنه جواد واجد ماجد. جواد: أي يعطي عطاء عظيمًا. واجد: أي على أنه كل شيء تحته، تحت تصرفه ملكه، فهو غني حميد جل وعلا. وماجد: أي عظيم وغني وحميد كذلك. معنى يعطي: ليس عن فقر، بل يعطي عن غنى جل وعلا، ولا يعطي أنه يستحق أو يريد شيء ممن يعطي، بل يعطي من أحبه ومن لا يحب، لأنه غني حميد، لا يريد من أحد شيئًا، لا يريد من أحد شيء من المخلوقات أبدًا. ليس كالمخلوق تجده يعطي لعلة: إما مودة، وإما تزلف، وإما محاباة، وإما أشياء وأغراض. لكن ربنا سبحانه وتعالى غني عن كل شيء جل وعلا، فهو سبحانه وتعالى يعطي ليس عن شيء من الأغراض. قال: عطاؤه كلام، وعذابه كلام. إنما عطاؤه كلام: أن يقول كن فيكون، فيعطي من يشاء ويرزق من يشاء بغير حساب. قالوا: عذابه كلام، إنما أمره لشيء إذا أراد يقول له كن فيكون. ومن تمام غناه أنه كامل الأوصاف، إذ لو كان فيه نقص بوجه من الوجوه لكان فيه نوع احتياج إلى ذلك الكمال، لكن كل الكمال وعظمة الكمال والجمال في الرب جل وعلا في أسماءه وصفاته، بل له كل صفة كمال، ومن تلك الصفة كمالها أن كل صفة هي كمال في الله جل وعلا. قالوا: من تمام غناه أنه لم يتخذ صاحبة ولا ولد، ولا شريك في ملكه، ولا ظهير. أنا ليس له ولد ولا شريك ولا صاحبة، صاحبة: معنى زوجة، ولا أيضًا له مشارك في ملكه، ولا ظهير: أي معاون، ولا معاون له على شيء من تدابير ملكه. ومن كمال غناه احتقار العالم العلوي والسفلي في جميع أحوالهم وشؤونهم إليه، وتوكلهم إياه جميع حوائجهم الدقيقة والجليلة، فهو الأحد الصمد. الأحد: الذي هو واحد سبحانه وتعالى، والصمد: الذي ترجع إليه المخلوقات وتفتقر إليه. قال: فقام تعالى بتلك المطالب والأسئلة، وأغناهم وأقناهم، ومن عليهم بلطفه وهداهم. قال: وأما الحميد فهو من أسماء الله الجليلة الدالة، الدال على أنه هو المستحق لكل حمد ومحبة وثناء وإكرام، فهو الحميد العظيم جل وعلا، فهو حق أن يكرم ويثنى عليه سبحانه وتعالى، ويحب ويحمد بجميع المحامل. قال: وذلك لما اتصف به من صفات الحمد التي هي صفة الجمال والجلال، فهو حق بالثناء سبحانه وتعالى، وهو أهل التقوى وأهل المغفرة، أهل أن يتقى، وأيضًا كذلك أهل أن يغفر سبحانه وتعالى، لأنه هو المتصرف. قالوا: لما أنعم به على خلقه من النعم الجزيلة، فربنا جل وعلا يحمد على شيئين: أو يحمد سبحانه وتعالى على ما أنعم به على عباده من النعم والآلاء، وسخر لهم ما في السماوات وما في الأرض، ويحمد كذلك على عظمته وجلاله وكبريائه سبحانه وتعالى ومجده. فهو يحمد بسبب وبغير سبب: بسبب نعمة، أو حتى بغير سبب نعمة، فله الحمد جل وعلا والشكر العظيم. فلهذا هو الحميد الذي يحمد جل وعلا بما قام به من أسماء وصفات عظيمة، وبما أنعم جل وعلا على عباده. قال: فهو المحمود على كل حال، أنا ليس لحال، وإنما يحمد على كل حال. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا جاءه شيء سر به قال: « الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات »، وإذا جاءه شيء يكره قال: « الحمد لله على كل حال ». قال: وما أحسن اقتران هذين الاسمين الكريمين: الغني الحميد، فإنه غني محمود، فله كمال من غنى، وكمال من حمده، وكمال من اقتران أحدهما بالآخر وهو أعظم. ثم كرر لأن الاسم إذا اقترن بالاسم الآخر دخلت معاني هذا في معاني هذا فكان أكمل. قال: ثم كرر إحاطة ملكه لما في السماوات وما في الأرض، وأنه على كل شيء وكيل، أي عالم قائم بتدبير الأشياء على وجه الحكمة، فإن ذلك من تمام الوكالة، فإن الوكالة تستلزم العلم بما هو وكيل عليه، والقوة والقدرة على تنفيذه وتدبيره، وكون ذلك التدبير على وجه الحكمة والمصلحة، فما نقص من ذلك فهو لنقص الوكيل، والله تعالى منزه عن كل نقص. فلهذا ختم جل وعلا: ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾، لأنه علم سبحانه وتعالى مصلحة العباد، فلهذا كان جل وعلا بحكمته أن أعطى كل شيء حقه، أعطى كل شيء حقه، وما أراده الله عز وجل فجعل من الناس الغني والفقير، وجعل من الناس الصحيح والمريض، وجعل من الناس هكذا كلهم بأحوال أحوالهم متفاوتة ودرجات، وسخر بعضهم على بعض، وكل ذلك من حكمته سبحانه وتعالى، وأيضًا من مصلحة عباده في معايشهم. هذا ما ذكره المؤلف رحمه الله في تفسير هذه الآيات، والله تعالى أعلم.