الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 151، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح أن العدل التام في المحبة والميل القلبي مستحيل فعفا الله عنه، بينما أوجب العدل في الحقوق الظاهرة كالنفقة والقسم والمبيت، ونهى عن الميل الكلي الذي يترك الزوجة معلقة بلا حقوق، مستدلاً بالآية والحديث النبوي ومطبقاً ذلك على الأولاد والأقارب.
يبيّن أن العدل في النفقة ليس التسوية بل مراعاة حاجة كل زوجة وابن من طعام وكسوة ودواء وتعليم، وأن الأصل في القسم التسوية في المبيت مع جواز التغيير للضرورة أو الاتفاق، ويؤكد وجوب إصلاح الرجل لعلاقته بزوجته بأداء حقوقها وتقوى الله.
يؤكد أن الصلح يجب أن يقوم على العدل وتقوى الله، فلا يجبر الرجل المرأة على التنازل عن حقها الواجب ولا يعينها على الإسراف، بل يتقي كل طرف الله في حق الآخر، ويبين أن الصبر على الابتلاء من التقوى وأن الله يغفر ويرحم من أصلح واتقى ورحم أهله.
دعا النبي ﷺ بأن يرفق الله بمن يرفق بأمته وأن يشق على من يشق عليهم، وهذا يشمل كل من تولى أمراً عاماً أو خاصاً كالأب، وورد أن شر الرعاء هم القاسية، فمن يعامل أهله وأولاده بالقسوة يعد من شر الرعاء.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة سعد رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿ وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾. قال: يخبر تعالى أن الأزواج لا يستطيعون وليس في قدرتهم العدل التام بين النساء، وذلك لأن العدل يستلزم وجود المحبة على السواء، والداعي على السواء، والميل في القلب إليهن على السواء، ثم العمل بمقتضى ذلك، وهذا متعذر غير ممكن. فلذلك عفى الله عما لا يستطاع، ونهى عما هو ممكن في قوله: ﴿ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ﴾. فهذه الأشياء المراد بها الأشياء التي لا يستطيعها الإنسان، بمعنى أنها ليست في استطاعته كالمحبة، فهذه لا يتصرف فيها الإنسان، وإنما تكون بحسب الأسباب الجالبة لذلك. فلهذا لا يستطيع الإنسان أن يعدل في هذه الأشياء، ليس فقط في الزوجات، بل حتى في الأولاد، وكذلك أيضا حتى في الآباء والأمهات، وكذلك في الإخوة. تجد أحيانا الشخص يحب أمه أكثر من أبيه، وأحيانا العكس، وأيضا كذلك في الإخوة تجد أنه يحب بعض إخوته أكثر من بعض، وأيضا في الأعمام والأخوال فبعضهم يحب أعمامه أكثر من أخواله وبعضهم العكس، وكذلك حتى في الأعمام أنفسهم فتجد أنه يحبه ويميل إلى عم له أكثر من ذاك، أو قد يكون هناك عم ليس بينه وبينه علاقة، وتجد أنه بينه وبين عمه آخر علاقة حميمة. فهذه كلها تجلبها الأسباب وتعامل الناس، فلهذا لا يستطيع الإنسان أن يتصرف فيها لأنها محلها القلب، فالقلب هو الذي يحب ويميل. وكذلك أيضا أمر الوطء، أيضا كذلك الشهوة، فإنه قد لا يستطيع أن يأتي بشهوته في كل وقت أراد. فلهذا الله عز وجل لم يأمر الناس بذلك. لهذا قال: ﴿ وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ﴾، وكأنه يقول: أنتم لا تستطيعون أن تعدلوا بين النساء، فلهذا حتى ولو حرصتم على ذلك لن تستطيعوا، فأنتم معذورون في ذلك. لكنكم ﴿ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ﴾، معنى: لا تظهر هذه الأشياء من المحبة، فتجعلون هذه المحبة ظاهرة بين النساء، فتميلون إلى إحداهن وتترك الأخرى، بمعنى: ما تميلوا إليها فتذروها كالمعلقة. وقد جاء في السنن من حديث أبي هريرة وغيره أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من تزوج مرأتين فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل». جاء يوم القيامة وشقه مائل، فلأنه لم يعدل في الأشياء التي يستطيعها، حتى تركها كالمعلقة ومال إلى الأخرى. قال: فقوله ﴿ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ﴾، أي: لا تميلوا ميلا كثيرا بحيث لا تؤدون حقوقهن الواجبة من المبيت والنفقة وغير ذلك مما أوجبه الله. قال: بل افعلوا ما هو باستطاعتكم من العدل، فالنفقة والكسوة والقسم ونحوها عليكم أن تعدلوا بينهن فيها، بخلاف الحب والوطء ونحو ذلك. فإن الزوجة إذا ترك زوجها ما يجب لها صارت كالمعلقة التي لا زوج لها، فتستريح وتستعد للتزوج، ولا ذات زوج يقوم بحقوقها. أنا لا هي بدون زوج فتتهيأ للزواج، وأيضا هي مزوجة لكنها لا تعطى حقوقها، حقوق الزوجة، فلهذا صارت كالمعلقة: عندها زوج لكن زوجها لا يؤدي حقها من المبيت، وكذلك من النفقة والكسوة، يعطي النفقة بعض النساء ويترك بعضهن. كذلك في الأولاد: يعطي بعض الأولاد ويترك بعضهم، وهم كلهم يحتاجون إلى النفقة. وهذه النفقة كما قد ذكرنا في دروس البخاري أن هذه النفقة تختلف من شخص إلى آخر، وكذلك من زوجة إلى أخرى. ليس معنى أنك تعطي كل زوجة سواء، إلا إذا كان شيء مقرر أن هذه تعطيها مثلا عشرة آلاف لأسبوع أو كذا، أو تلك تعطيها مثلها، هذا ما في شيء، هذا لابد أن يكون سواء. لكن عندما تجلب لهم الطعام تجلب لهم معنى طعاما طعاما، فهنا قد يختلف طعام هذه عن هذه، فتلك مثلا تحب كذا من الطعام، وهذه تحب شيء آخر، فلا تقول مثلا: أنا سآتي لهم سواء، آتي هذه دقيق وهذه دقيق، لا، ممكن هذه ما تحب الدقيق مثلا وتلك تحب شيء آخر أرز أو كذا. فلهذا يحتاج إلى أن يعطي كل واحدة حقها الذي تتغذى به وتأكله، لا يأتي لها بشيء هي لا تأكله، وحتى لو كان ذاك أكثر ثمنا من هذا. فهذه النفقة تختلف، ومسألة الطعام أيضا يختلف، وبعضهن وبعضهن مثلا تأكل كثيرا وبعضهن لا تأكل إلا قليلا، فإذا جاء لهن سواء فقد هذا يذهب الطعام عندها وتسرف فيه لأنها لا تأكل إلا يسيرا، وإذا سواها مع هذه فتلك قد لا يكفيها الطعام الذي يأتي به إليها. فلهذا فالنفقة المراد بالعدل في النفقة ليس التسوية فقط، لا، إذا اقتضت التسوية فكون تسوية، وإذا كان لكل واحد النفقة. وكذلك حتى الأبناء: الأبناء ليسوا كلهم سواء في النفقة، فمنهم من يحتاج إلى نفقة أكثر، أحيانا مثلا الطفل الصغير تكون نفقته أكثر من الكبير، يعني يحتاج إلى لبن، يحتاج إلى كذا، يحتاج حفاظات، يحتاج غيرها من هذه الأشياء. لا، احتياج قد تكون احتياجات الطفل أكثر أحيانا، مثلا بعض الأبناء يكون مريضا يحتاج إلى دواء وعلاج أكثر من ذاك. وهكذا النساء: قد تكون إحداهن مريضة تحتاج إلى دواء في كل شهر، أو قد تكون إحداهن تحتاج إلى أمور مهمة، مثلا طالبة علم تحتاج إلى كتب حتى تدرس فيها، فالزوج وفر لها هذه الكتب لأجل أن تتعلم. وهكذا أيضا الأبناء قد يكون منهم من يتعلم، يطلب العلم، سواء كان في المدارس النظامية أو في المساجد، فيحتاج إلى كتب لأجل الدراسة. فهذا النفقة بحسب الحاجة، النفقة النفقة تكون بحسب الحاجة. وكذلك الكسوة: الكسوة أيضا تحتاج بحسب حاجة المرأة إلى كسوتها، وقد تكون مثلا امرأة عندها كسوة كثيرة ما تحتاج إلى أن تعطيها كسوة، والمرأة الأخرى ما عندها إلا شيء يسير وثياب بالية، تحتاج، فيجب عليك أن تكسوها، تأتي لها بكسوة. وأما القسم أيضا: الأصل أنه سواء، الأصل أنه سواء، خاصة قسم الليالي والنهار تبع. لكن أحيانا قد يتغير هذا النظام بحسب عمل الإنسان، مثلا معيشته، أحيانا مثلا يكون عمله في الليل فيقسم في النهار ويجعل الليل العمل. أحيانا هناك أمور أيضا وقرار أو دواعي تجعله لا يستطيع أن يذهب إلى تلك في الليلة، وقد اتفق معهم على ذلك، فهذا، أو أن المرأة تنازلت عن حقها في المبيت وارتضت أن يأتي إليها في النهار، فهذا أيضا جائز. وغيرها من هذه الأمور التي تكون، إلا الأصل هو أنه يبيت عند هذه وهذه وهذه في القسم في المبيت، وليس في الوطء. أما الوطء فهو لا يملكه، وإنما هو داخل في هذه الآية. قال: فإن الزوج إذا ترك زوجته ما يجب لها صارت كالمعلقة التي لا زوج لها، فتستريح وتستعد للتزوج، ولا ذات زوج يقوم بحقوقها. قال: ﴿ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا ﴾، أي: ما بينكم وبين زوجاتكم بإجبار أنفسكم على فعل ما لا تهواه النفس احتسابا وقياما بحق الزوجة. الآية التي مرت ذكر الله عز وجل أن المرأة تطلب الصلح من زوجها إذا رأت منه ميلا، إذا رأت منه ميلا عنها، فتطلب منه الصلح وتتنازل عن حقوقها إن كانت لها حقوق لأجل أن تصلح بينها وبين زوجها. وهنا في هذه الآية جعل الصلح من الرجل أنه يصلح ما بينه وبين امرأته، لا ينبغي له أن يفرط في حقوقها، ويحاول أن يتعاهدها، وإن حصل منه التقصير فيسد ذلك التقصير ويصلح بينه وبينها. ﴿ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا ﴾، هذا الصلح يكون باتقاء الله عز وجل وفي مرضاة الله سبحانه وتعالى، ليس في ما يكون فيه معنى تحليل حرام أو انتهاك حرمة، انتهاك حرمات الله عز وجل، فإن هذا ليس من الصلح الصحيح. فيصلح بينه وبينها، فلا يعتدي على حقها، يجبرها على أن ترضى بالتنازل، يجبرها على أن ترضى بالتنازل عن حقها لأجل أن يصلح، فهذا خطأ، هذا لم يتق الله عز وجل في هذا الصلح، أن يجبرها أن تتنازل عن يومها، يجبرها أن تتنازل عن يومها وهي لا تريد أن تتنازل. لكن يبين لها أنه إن أرادت الصلاح وإصلاح ما بينها وبينه فلتتنازل، فهذا لا يجوز، هذا معنى إجبارها على التنازل في حقها الواجب عليه. لكن إذا كان برضاها ما في شيء، أن هي التي ارتضت ذلك وهي التي أخبرته بذلك، أما أنه هو الذي يفعل ذلك، لا. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا ﴾. أيضا كذلك إذا حصل التنازع بينه وبينها في مسألة الحقوق، إما من النفقة وإما من الكسوة، أيضا يحاول أن يصلح ويتقي الله، معنى: لا يجعلها تسرف، مثلا بعض النساء في كل زواج تحتاج إلى ثوب وتكلف الرجل هذا الثوب، وتريد أيضا من الثياب الفاخرة الثمن، وإلا تفعل له مشاكل، تفعل كذا، فيقوم يريد أن يصلح فيأتي لها بما طلبته، أو تريد ذهبا أو تريد كذا، فهذا خطأ، لا يعينها على الإسراف، لا يعينها على الإسراف. هذه أحيانا عوائد تجعل الناس يسرفون، حتى الذين ليس عندهم مال، فقد يترك أولاده بدون طعام، وكذلك هي المرأة لعجل أن تظهر بالثوب الذي تريد أن تظهر فيه في زواج أو في غيره، فهذا لا يجوز، ولا أيضا يمكن الزوج من هذا الفعل، أولا لأنه إسراف، وكذلك أيضا تضيع لحقوق أخرى، تضيع لحقوق أخرى. فلهذا يكون الصلح فيه تقوى الله جل وعلا، لا يجعلها تعتدي على حقوقه، ولا أيضا يعتدي على حقوقها، يكون صلح بينهما في التنازع. وهذه أيضا الآية تدل على أيضا أن الصلح يكون بينهم أولا، إلا إذا لم يستطيعوا أن يصلحوا فيما بينهما، وهنا يدخل أو يدخل من يصلح بينهم: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ﴾، حتى صار هذا التنازع شقاقا عظيما سيحصل بعده فرقة. قال: ﴿ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾، أي: يعفو الله عز وجل عما سبق وحصل، لكن ينبغي الإصلاح، إن كان ترك الحق من الرجل فيصلح نفسه، وإن كان ترك الحق من المرأة فتصلح نفسها، ويتقون الله عز وجل، ويتوبون إلى الله إن قصروا في هذه الحقوق، فالله عز وجل عفو غفور، وغفور رحيما جل وعلا. قال رحمه الله: ﴿ وَتَتَّقُوا ﴾، أي: الله بفعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور، على ما قدره الله من الابتلاء. أحيانا الإنسان يبتل في زوجته، إما بمرض تمرض، وإما بعدم، أو بالنشوز، بعدم طاعته. أو كذلك المرأة تبتلى بالرجل سيء لا يقوم بها، وهم وهم نفسه، وهم شهوته، وهم ما يريد، مثل ما يحصل الآن من أصحاب القات، أصحاب المخدرات وغيرهم، يضيعون أزواجهم ويضيعون أولادهم بسبب أنهم يريدون هذه الشهوة التي اشتهوها من القات ومن المخدرات. فلهذا يضيعون الأزواج، فقد تبتلى المرأة بمثل هذا، فتصبر، تصبر على هذا البلاء، فهو بلاء من الله، فتصبر على ذلك البلاء. أو امرأة زوجها يعاملها معاملة سيئة وبقسوة، أن يقس عليها، أيضا تصبر وتتق الله عز وجل، وتحاول أن تصلح بينها وبين زوجها. وهكذا فالإصلاح يكون من الجانبين مع تقوى الله سبحانه وتعالى، وأيضا التنازل، التنازل في ما يكون فيه الإصلاح. قال رحمه الله: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾، يغفر ما صدر منكم من الذنوب والتقصير في الحق الواجب، ويرحمكم كما عطفتم على أزواجكم ورحمتموهن. إن إن رحمت هذه المرأة رحمك الله، ترحم أولادك يرحمك الله، تكون رحيما مع زوجتك، رفيقا مع زوجتك، فهذا يرفق الله عز وجل به، كذلك مع أولادك تكون رفيقا معهم، يرفق الله عز وجل به. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح دعا فقال: «اللهم من ولي شيئا من أمر أمتي فرفق بهم فارفق به، ومن ولي شيئا من أمر أمتي فشق عليهم فاشقق عليه». فاشقق عليهم. وهذا ليس في الولايات العامة، حتى في الولايات الخاصة كالأب. أيضا قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح: حين في الحديث، قال ابن عمر: «إن شر الرعاء الحطمة». شر الرعاء الحطمة، الحطمة: القاسية. فهؤلاء شر الرعاء، إذا كان يعامل أهله وأولاده بالقسوة، فهذا المستفاد من هذه الآية، والله تعالى أعلم.