تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 150

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 150

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 150، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مشروعية الصلح وأحكامه في الحقوق

الصلح مشروع في جميع الحقوق ما لم يتضمن تحليل حرام أو تحريم حلال، وقد استدل النبي ﷺ بصلحه بين كعب بن مالك وابن أبي حدرد. يجوز الصلح بالمعلوم على المعلوم، والمعلوم على المجهول، والمجهول على المعلوم، والمجهول على المجهول في الخصومات المالية.

شروط الصلح في المال وحق الزوجة

لا يصح الصلح إلا برضا الطرفين ولا يجوز إكراه أحد على التنازل عن حق أو فعل محرم. يجوز للزوجة أن تصالح زوجها بالتنازل عن بعض حقوقها المستحبة كالمبيت خوفاً من الطلاق بشرط عدم إسقاط واجب أو تحليل حرام.

الشح مانع للصلح وعلاج الإحسان

الشح والطمع يمنعان الصلح لأن النفس تتمسك بحقها وتطمع في حق الغير، وهو خلق دنيء يجب قلعه بالبذل والسماحة. الإحسان والتقوى هما طريق الفلاح، فمن وقى شح نفسه وأدى الحقوق وتجنب المحظورات سهل عليه الصلح ونال النجاح.

تفسير آية إن تحسنوا وتتقوا

الإحسان هو فعل المأمورات والتقوى هي ترك المحظورات، والله عز وجل عليم بجميع الأعمال ظاهرها وباطنها فيحفظها ويجازي عليها أتم الجزاء. الآية تحث المؤمن على الجمع بين الإحسان والتقوى لنيل الفلاح.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله عند قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: 128] الآية. قال: بعدما ذكر تفسير أول الآية إلى قوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، قال: ويؤخذ من عموم هذا اللفظ والمعنى أن الصلح بين من بينهما حق أو منازعة في جميع الأشياء أنه خير من استقصاء كل منهما على كل حقه؛ لما فيها من الإصلاح وبقاء الألفة والاتصاف بصفة السماح، وهو جائز في جميع الأشياء إلا إذا أحل حرامًا أو حرم حلالًا، فإنه لا يكون صلحًا. وهذا أمر مهم كما قد ذكرنا قبل أن الصلح لا بد فيه من التنازل عن بعض الحق، فكل الطرفين يتنازل. النبي عليه الصلاة والسلام لما حصلت الخصومة بين ابن أبي حدرد وكعب بن مالك، وكان كعب يطالب ابن أبي حدرد بدين، فارتفعت أصواتهما في المسجد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم هذه القضية، فخرج النبي عليه الصلاة والسلام من بيته وقال: «يا كعب»، قال: لبيك يا رسول الله، قال: «ضع الشطر»، أي: ضع النصف، قال: قد وضعت يا رسول الله. قال ابن أبي حدرد: قاضيه، فقام وعطاه النصف الآخر. فلا بد من التنازل في هذا الصلح، أما إذا كان كل واحد يريد حقه على ما يطالب به فهذا لا يكون صلحًا. فلذلك قال: لا بد، أو أنه أن هذا الصلح خير من استقصاء كل منهما على كل حقه؛ لما فيه من الإصلاح وبقاء الألفة والاتصاف بصفة السماح، وهو جائز في جميع الأشياء. وقد جاء في حديث لكنه لا يصح، لكن معناه صحيح، أنه قال: «الصلح جائز في كل شيء إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا». أن الصلح يجوز بأي طريقة، لهذا قال العلماء: الصلح يجوز بالمعلوم على المعلوم، وكذلك بالمعلوم على المجهول، وبالمجهول على المعلوم، بل وبالمجهول على المجهول، كل ذلك يجوز في الصلح. ومعنى ذلك: فهذا في خصومات الأموال، لو أن إنسانًا عنده مال أو عنده اختصام مع صاحبه في دين، فهذا يقول: عندك مئة ألف، وهذا يقول: لا، ما عندي إلا خمسين. فهنا يصطلح على شيء، فيقول له مثلاً: هِت مثلاً سبعمائة وخمسين، أو هِت خمسة وسبعين ألفًا، فهذا اصطلح على معلوم، اصطلح على معلوم. وإذا كان هذا الشيء الذي عندهم مجهولًا، مثلاً: يتعامل معه ويعطيه مالًا أو يعطيه بضاعة، ثم قال له: ما أدري كم عندك، فلعله كذا، يقول: لا، عندي أقل من هذا، فيصطلح على شيء معلوم، يصطلح على شيء معلوم. ويجوز أيضًا أن يصطلح على شيء مجهول، فيقول له مثلاً: إذا كان عنده مئة ألف، يقول له: هِت خمسين أو ما دونها، أو هِت ستين أو ما دونها، فهذا على شيء مجهول. فكل ذلك يجوز، كل ذلك يجوز في الصلح، إلا إذا كان فيه أخذ للحقوق بمعنى تحريم حلال أو تحليل حرام، فهذا لا يجوز، هذا لا يجوز. إذا كان كذلك، مثل أخذ مثلاً بغير رضا، أنا يقول له: خلاص لا بد من الصلح، مثل ما يفعله بعض حكام القبائل، يقولون: لا بد من الصلح، أنت تتنازل عن كذا وهذا يتنازل عن كذا، ويجعلون الصلح بالجبر وليس بالرضا، فهذا لا يجوز، فهذا لا يجوز؛ لأنه فيه تحليل ما حرم الله، فيه أخذ أموال الناس بالباطل بالقوة، هذا غصب، هذا لا يجوز. فلذلك إنما هذا يكون بالرضا، الصلح يكون بالرضا الطرفين، وأما بالغصب فلا يجوز. وإذا كان له حق، يستعمل أولاً ما جاء في الشرع من الإتيان بالبينة، فإن لم يكن المدعي معه بينة فعلى المنكر اليمين، على المنكر اليمين، وما كان تبعًا لذلك فأولًا البينات، فإن لم تكن هناك بينات فاليُمن المنكر عليه، يكفي إذا حلف على ذلك. لكن إذا كان في تنازع، في تنازع، ولم تظهر البينات، ولم يستطع الإنسان أن يحلف لعدم معرفته بما أخذه، بما عنده، فالمهم أنه يحصل بعد ذلك الصلح، فالصلح خير. هذا في الأموال، كذلك هنا ذكر الله عز وجل في مسألة المرأة إذا خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا. هذه المرأة رأت أن زوجها ما يريدها، أو أنها حصل لها شيء من مرض، أو أنها مثلاً لم تكن ممن يشتهي الوطء، وغير ذلك، فخشيت أن يطلقها زوجها، كما ذكرنا مثال سودة رضي الله عنها لما كبرت خشيت أن النبي عليه الصلاة والسلام يطلقها. يعني: كأن المرأة الكبيرة غالباً ما تميل إذا انقطعت عنها العادة، إما أن تذهب شهوتها أو ميلها إلى الوطء، أو أنها تقل. فلذلك قد يكون مثلاً الزوج يختار أنه يطلقها، فالأفضل من أن يمسكها أن تصلح معه صلحًا حتى تبقى معه، حتى تبقى معه، فتتنازل عن بعض حاجاتها، مثل ليلتها، مثل كذا، وعلى الأشياء الجائزة التي تتنازل عنها. وأما مثلاً لو طلب منها أنها مثلاً تعمل، أو أنها تأتي له بكذا وكذا من المال، فهذا لا يجوز، فهذا لا يجوز أن يجبرها على ذلك، أن هذا ليس من حقها. وأيضاً هذا الأمر ليس معنى مما يكون مع المرأة أن ما تستطيع أن تأتي له بهذا المال، فيجبرها على هذا المال أنها تأتي له بكذا من المال، أو مثلاً يجبرها على شيء محرم، مثل ما يفعل بعض الناس الذي مثلاً لا تقوى عنده، فيجبرها مثلاً على أنه يأتيها من خلف في المكان المحرم، فهذا أيضاً لا يجوز. فكل صلح يحرم حلالًا أو يحل حرامًا فهذا لا يجوز، ولا يكون صلحًا. قال: «فإنه لا يكون صلحًا»، أي: هذا الذي يحل حرامًا أو يحرم حلالًا، قال: «وإنما يكون جورًا»، أي: ظلمًا. واعلم أن كل حكم من الأحكام لا يتم ولا يكمل إلا بوجود مقتضيه وانتفاء موانعه، فمن ذلك هذا الحكم الكبير الذي هو الصلح، فذكر تعالى المقتضى لذلك، ونبه على أنه خير، والخير كل عاقل يطلبه ويرغب فيه، فإن كان مع ذلك قد أمر الله به وحث عليه ازداد المؤمن طلبًا له ورغبة فيه، عن المؤمن لأنه يعامل الله، فلذلك يطلب الصلح. قال: «فإن كان مع ذلك قد أمر الله به وحث عليه ازداد المؤمن طلبًا له ورغبة فيه». وذكر المانع، وذكر المانع أي المانع من الصلح، بقوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: 128]، الشح والطمع، فالشح أهلك من كان قبلنا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الشح، فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا». لأجل أن لا يخرجوا المال، ولا يبدلوا شيئاً من المال، وهذا كله بسبب الطمع، يقطع أرحامه، بل ويفجر ويقتل بسبب هذا الطمع. قال: «جبلت النفوس على الشح، وهو عدم الرغبة في بذل ما على الإنسان، والحرص على الحق الذي له». ولهذا بعضهم يقول: أن الشح هو أعظم من البخل، بسبب أن البخل يمنع حقه، لكن الشح يمنع حقه ويتطلب حق الناس، أنا أن يريد... أن يريد... أن يريد... أن يريد ما عند الناس له، وأيضاً يمسك حقه، أنا طمع من ناه... عيتين. لهذا قال: «وهو عدم الرغبة في بذل ما على الإنسان، والحرص على الحق الذي له، بل حتى يطمع في أن يستجلب ما ليس له». قال: «فالنفوس مجبولة على ذلك طبعًا، أي فينبغي لكم أن تحرصوا على قلع هذا الخلق الدنيء من نفوسكم، وتستبدلوا به ضده». لأن إذا كان... إذا وجد هذا الشح لا يوجد الصلح، يمنع، فهو مانع قوي من الصلح؛ لأن الإنسان يطمع أن يجد حقه الذي يطالب به، وما سيتنازل، وما سيتنازل أبداً، وهذا يمنع الصلح. قال: «ونبه على أن هو خير، والخير كل عاقل يطلب ويرغب فيه، فإن كان طيب...». قال: «فالنفوس مجبولة على ذلك طبعًا، أي فينبغي لكم أن تحرصوا على قلع هذا الخلق الدنيء من نفوسكم، وتستبدلوا به ضده، وهو البذل والإحسان والسماحة وغير ذلك». قال: «وهو السماحة، وهو بذل الحق الذي عليك، والاقتناع ببعض الحق الذي لك». فمتى وفق الإنسان لهذا الخلق الحسن سهل حينئذ عليه الصلح بينه وبين خصمه ومعامله، وتسهلت الطريق للوصول إلى المطلوب، بخلاف من لم يجتهد في إزالة الشح من نفسه، فإنه يعسر عليه الصلح والموافقة؛ لأنه لا يرضيه إلا جميع ما له، ولا يرضى أن يؤدي ما عليه. فإن كان خصمه مثله اشتد الأمر، فكان الخصم مثله أيضاً شحيحًا، سيشتد الأمر وما تكون هناك صلح. ثم قال: ﴿وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ [النساء: 128]، أي: تحسنوا في عبادة الخالق بأن يعبد العبد ربه كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنه يراه، أنا إما أولاً يعبد الله على اليقين، ثم إذا لم يكن ذلك اليقين يعبد الله عز وجل على المراقبة والمشاهدة. قال: «وتحسنوا إلى المخلوقين بجميع طرق الإحسان من نفع بمال أو علم أو جاه أو غير ذلك، لأن الإنسان لا يستحق جنة الله جل وعلا إلا بالبذل». ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9]، ما سيتحصل على الفلاح إلا إذا وقى شح نفسه، وأما إذا أراد كل شيء له، ويطمع في كل شيء، وتكون هناك الأنانية، فهذا ليس من أهل الفلاح، فلا بد من بذل المال والجاه والعلم وغير ذلك. قال: «وتتقوا الله بفعل جميع المأمورات، وترك جميع المحظورات». أو: تحسنوا بفعل المأمورات، وهذا التقوى، أو تحسنوا بفعل المأمور وتتقوا بترك المحظور، هذا يقرب المعنى. و﴿إِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا﴾: تحسنوا بفعل المأمور وتتقوا بترك المحظور، أو أنكم تتقوا الله عز وجل بفعل جميع المأمورات، وتحسنوا فيما أمركم الله عز وجل به. قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: 128]، قد حاط به علمه، وخبراً بظاهره وباطنه، فيحفظه لكم ويجازيكم عليه أتم الجزاء. طيب، انتهى تفسير هذه الآية. الله تعالى ترجمة نانسي قنقر