الدرس في شرح كتاب التوحيد 237، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح المقطع حديث الطفيل بن أخي عائشة لأمه عن رؤياه ويناقش النهي النبوي عن قول ما شاء الله وشاء محمد لما فيه من شرك بالله. كما يبين حكم هذه العبارة وأهمية إفراد الله بالمشيئة.
يناقش أهمية العقيدة في تقويم الأفراد والجماعات، حيث يجب النظر إلى العقيدة أولاً عند تقييم أي جماعة أو فرد. إذا كانت العقيدة سليمة نظرنا في أفعالهم، أما إذا كانت خاطئة فلا عبرة لهم مهما كانت أفعالهم حسنة.
ينتهي الدرس بدعاء الله تعالى أن ينفع المستمعين بما قيل، ويجعلهم من أهل الهداية، مع التأكيد على الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: والابن ماجه عن الطفيل أخي عائشة لأمها قال: رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود، قلت: إنكم لأنتم القوم لو لأنكم تقولون عزير ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم لو لأنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد. قال: ثم مررت بنفر من النصارى، فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون المسيح ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد. قال: فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، قال: هل أخبرت بها أحدا؟ قلت: نعم، قال: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن طفيلا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا ما شاء الله وحده. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث بطوله، وهو حديث الطفيل رضي الله تعالى عنه، وهو أخ لعائشة من أمها، والطفيل رضي الله تعالى عنه ليس له في كتب الأحاديث إلا هذا الحديث، كما أشار إلى ذلك الإمام البغوي رحمه الله. والمؤلف رحمه الله تعالى أورد هذا الحديث تحت هذا الباب: باب قول ما شاء الله وشئت، وهذا الحديث هو من أواخر استدلالاته على هذا الباب. هذا الحديث الذي بين أيدينا، إخواني في الله، يقول فيه الطفيل رضي الله تعالى عنه: قال: رأيت كأني رأيت، دل على أن هذا الحديث عبارة عن رؤية منامية. رؤية منامية رآها الطفيل رضي الله تعالى عنه، والرؤية المنامية إخواني في الله تكون أحيانا من الرؤى الصالحة، وهي مما بقي من المبشرات لعباد الله الصالحين. أن يرى العبد الصالح رؤية يراها في منامه، وهذه رؤية من صلاحها أنه تبشره بخير، أو أنها تنذره من شر. ولا يستفاد من الرؤى إخواني في الله أحكاما شرعية، من أن الإنسان يقرر أو يقنن عبادات وطاعات بحجة أنه رآها في المنامات. قال الطفيل: كأني أتيت على نفر من اليهود، فقلت: إنكم لأنتم القوم، أي في منزلتكم، فاليهود فضلهم الله على العالمين لما آتاهم الله من رسالة من توراة، من أنبياء، من رسل موسى ومن معه. فقال الطفيل: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون عزير ابن الله. فكان رد اليهود أن قالوا بالمثل: قال الطفيل: وإنكم لأنتم القوم يا أهل الإسلام، وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد. قال: ثم مررت مرة في رؤياه، قال: مررت على قوم من النصارى، فقلت لهم: لأنتم القوم لولا أنكم تقولون المسيح ابن الله. أنتم القوم، أي أنتم يا نصارى أعطاكم الله، حباكم الله بالرسالة بدين النصرانية، من أديان أهل الكتاب، حباكم الله بالإنجيل، حباكم الله بعيسى، والمسيح هو عيسى عليه السلام. قال: لولا أنكم تقولون المسيح ابن الله، وهذه جريمة عظيمة أن نسب لله الولد. فقالوا: رد النصارى على الطفيل، قالوا: وإنكم أنتم كذلكم لأنتم القوم، نعم القوم أنتم يا أهل الإسلام، قال: لولا إلا أن هذه الخصلة عكرت عليكم، ما هي الخصلة؟ إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد، نفس الذي تم الانتقاد علينا من جهة اليهود هو الذي انتقده النصارى علينا من عندهم. قال: فلما أصبحت أخبرت بهذا من أخبرت، قام الطفيل أخبر بالرؤية من لقيه من أهله وأصحابه، قال: فأخبرته، ثم أتيت النبي فأخبرته، قال: هل أخبرت بها أحدا؟ قلت: نعم، أخبرت بذلك من أخبرت، فقام وجمع نبينا صلى الله عليه وسلم الناس، أو يحمل أن كلامه كان بعد الصلاة. لكن يفهم يا الخطاب أن هذا الخطاب بالنبي كان على ملأ، كان على مجمع، وفي ذلك إشارة إلى ما قد قرر من قبل من أهمية العناية بجناب التوحيد، وأن الأمر يقرر ويكرر دائما وأبدا. فجمع نبينا أو كان في مجمع من الناس، قال: فحمد الله وأثنى عليه، وهذا هو السنة في الخطابات والمحادثات أن تمهد بتحميد الله بحمده وشكره وبالثناء عليه جل في علاه. قال: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، وفيه جواز ومشروعية استخدام أما بعد، أي مهما يكن من شيء بعد، فإن طفيلا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد سمع بهذه العبارة، وكان في نفسه أن ذلك خطأ. وكان لا يود أن يسمعها من أصحابه، فدل ذلكم أولا على أن ما كان يتلفظ به الناس في زمنه: ما شاء الله وشاء محمد، أن ذلكم كان من عداد الشرك الأصغر، لأنه لو كان من الشرك الأكبر لخرجوا من الدين والملة. لكن سكوت النبي دل على أن وقوعهم كان في الشرك الأصغر. قال: وكان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، يا ترى ما الذي عناه نبينا بكذا وكذا؟ جاء عند مسدد الإمام أحمد، عند الطبراني جاء التصريح ما هو عذره عليه الصلاة والسلام؟ قال: كان يمنعني الحياء، يمنعني الحياء، الحياء كان يمنع. وهل الحياء يمنع من تغيير المنكر؟ قال العلماء: إنما كان حياء النبي صلى الله عليه وسلم من أن يقدم على إنكار شيء لم يحل إليه، هنا حياءه. وعلى هذا تحمل الرواية أن الذي كان يمنعه الحياء، ووجه الحياء هنا أنه ما أراد عليه الصلاة والسلام أن يقدم على المنعي من أمر ما، ولم ينزل عليه الوحي. فانتظر حتى ينزل الوحي، وما سمعه من الطفيل هذا إشارة إلى ما كان في صدره من الرؤية الصالحة أن هذا مما ينتقد على المسلم. ولهذا صرح النبي صلى الله عليه وسلم بالمنعي، قال: فلا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، لا تقولوها الآن ليس لكم عذر في هذا إذا وصل الأمر إلى هذا الحد، فلا عذر لكم، وقد جاء الأمر ببلاغ. قال: فلا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا ما شاء الله وحده، أمرهم بإفراد الله جل وعلا بالمشيئة، وهذه المنزلة الأولى وهي الأكمل والأفضل والأحسن. وإن عبر معبر بعبارة أخرى: ما شاء الله ثم شاء فلان، أو ثم شئت، هذه المنزلة جائزة، وقد مرت معنا ما كان من قوله عليه الصلاة والسلام في جواز ذلك. وهذا الحديث إخواني في الله كما قال المؤلف رحمه الله تعالى رواه ابن ماجه، وقد أذكره شيخنا شيخ الألباني أورده في الصحيحة، وكذلك ذكره شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين. ومما أختتم به هذا المقام وهذا المقال إخواني في الله، وأنا في آخر مبحث قول ما شاء الله وشئت. من فوائد هذا الحديث أيضا بيان معرفة الأمم السابقة لقضايا التوحيد، الأمم السابقة تعلم التوحيد وتعلم ما الذي يليق بالله جل في علاه. الأمم السابقة سواء كانوا من أهل الكتاب، حتى ما كان من أمر المشركين يعلمون، حتى ما كان من أمر الملاحدة يعلمون، حتى ما كان من أمر فرعون الطاغية الأكبر الأعظم. ومع ذلك كان يعرف ويعترف ويقر بوحدانية الله، لكنه الهوى، وهكذا الملاحدة الذين يقولون: لا رب، لا إله، والحياة مادة، أو يقولون: الطبيعة هي الخالقة، أو يقولون: أن الكون وجد صدفة، لأنهم والله ليزاحمون ما في قلوبهم، ويعرفون في قرارة أنفسهم أن للكون خالق سبحانه. لكن ما أرادوا أن يعترفوا، وهكذا قل اليهود وقل النصارى، وكل الملل تعرف قضايا التوحيد، لكن الهوى، وبعد ذلك اجتالتهم الشياطين، فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم. وهكذا في هذا الحديث من الفوائد أن الباطل لا يرد بالباطل، وهكذا البدعة لا ترد بالبدعة، والخطأ لا يرد بالخطأ. فلما كان اليهود ينقمون علينا هذه العبارات مع ضلالهم مع كفرهم، ليس معنى ذلك أن نرد الحق الذي أتوا به، الخطأ لا يرد بالخطأ، وإنما نقبل الحق من أينما جاء، ولو كان من مقصر، إذا نصحك اقبل منه، وليس تقصيره سببا في أنك ترد النصيحة الذي أتى بها. فالباطل لا يرد بالباطل، والخطأ لا يرد بالخطأ. أخيرا إخواني في الله، في هذا الحديث من الفوائد، عندما قال الطفيل لليهود: إنكم لأنتم القوم لو لأنكم تقولون عزير ابن الله، وقول للنصارى: إنكم لأنتم القوم لو لأنكم تقولون المسيح ابن الله، فيه إشارة وبيان على أن الذي ينبغي أن يكون به التقويم. التقويم للجماعات والأفراد والأشخاص والأعيان، إنما ينطلق من منطلق العقيدة والتوحيد. فها هو الطفيل رضي الله تعالى عنه عندما ذكر النصارى وذكر اليهود بما فيهم من مناقب: أنتم لأنتم القوم، لكن ما الذي انتقد عليهم؟ انتقد عليهم القمة الخلل العقدي، أنكم تشركون، تقولون عزير ابن الله، المسيح ابن الله. دل ذلكم على أنك يا عبد الله إذا أردت أن تحكم على قوم من ما، فانظر يا عبد الله إلى عقائدهم، هنا المنطلق، لأنك تبحث عن عثرات أخرى، العثرات ستأتي دون شك، وهنا الخلل إخواني في الله، الخلل العظيم الذي نجده في هذه الأمة الإسلامية. نحن في هذه البلاد وفي غيرها من البلاد، وفي هذا الزمان ومن غيرها من الأزمان، نبتل بين الفينة والأخرى بظهور أشخاص، بظهور أعيان، بظهور جماعات، تجد أن من الناس من يصفق لهم، ومن الناس من يلعنهم، ومن الناس من يكون مؤيدا، ومنهم من يكون معارضا. فكل ينظر بمنظوره، ذاك بمنظور وطني، وذاك بمنظور السلمي، ذاك بمنظور الأهداف، يا حد الله، هذا ليس لنا اعتبار، هذا اجعلها تحت، ابدأ ما تبدأ العقيدة، كيف هم في العقيدة؟ فنحن الآن مثلا في هذه البلاد خاصة، وفي هذه الأزمان بشكل أخص، ابتلينا ببعض الجماعات ظهروا لهم اجتماعات تحت مسميات. دعك يا عبد الله عن كلام فلان وعلان، انظر فيهم ما الذي يعتقدون، عقيدتهم ما هي؟ ثم ارح قلبك، ارح قلبك، دعك من مشروعهم الوطني، دعك ما تكلم في وطنية ولا قومية ولا سلمية ولا غير ذلك من هذه الأطر الوضعية الدنيوية، ننظر إلى الدين. هذه الجماعة وغيرها من الجماعات تظهر بين الفينة والأخرى، ما هي عقيدتهم؟ ما الذي يعتقدونه في الله؟ ما الذي يعتقدونه في أركان الإيمان: بالملائكة، والكتب، والنبيين، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره؟ ما الذي يعتقدونه في أركان الإسلام: الصلاة، الصيام، الزكاة، رمضان؟ ما الذي يعتقدونه في رسول الله؟ ما الذي يعتقدونه في الصحابة؟ في الصحابة رضي الله تعالى عنهم؟ وقس على ذلك عقائد المسلمين، هذا هو الأس الذي به ننطلق جميعا في تقويم كل من ظهر ورفعت له راية، أو أراد أن يحقق غاية، مقصدها شريف، مقصدها منيف، دعك من هذه الشعارات ومن هذه الهتافات، أبن لي يا عبد الله ما هي عقيدتك؟ تسمعها، فإن رأيناها عقيدة على خير، بعد ذلك ننظر إن كان هناك مفاسد أم لا. أما إذا كانت العقيدة خربة، يأتي من يأتي من أمثال هؤلاء ويسبوا أهل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام، كما سمعنا من بعضهم من يلعن علي بن أبي طالب لعنا فاحشا، يرميه بالزندقة والكفر، هل بقي لهم إسلام؟ هؤلاء ليسوا من أهل الإسلام، الذي يتجرأ على ذلك. هذا مثال، واجعلها قاعدة، سترح قلبك، لن تتخبط والله لن تتخبط في تقويمك لأي شخص ظهر كائنا من كان، فردا أو جماعة، فانظر للطفيل ماذا قال؟ قال: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم بدأ بالعقيدة، ما نظر إلى أهدافهم أو أفعالهم، هذا يترك، تبدأ بالعقيدة الإنسان. وهكذا يا عبد الله في مثل هذه الفرق التي تظهر لنا ونحن في هذه الأزمنة المتأخرة، انظر إلى عقائدهم، وهذا يحتاج إلى علم حتى تعرف ما هي العقيدة الصحيحة من العقيدة الفاسدة. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.