شرح فتح المجيد 51

الدرس في شرح فتح المجيد 51، ألقاها

مقدمة في شرح حديث النبي حول حُرمة من يقول لا إله إلا الله

شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يعلق فيه عصمة المال والدم بقول لا إله إلا الله والكفر بما يعبد من دون الله. النطق بالشهادة لا يكفي وحده بل لا بد من العلم بها والعمل بمقتضاها.

شروط لا إله إلا الله وبيان أهميتها

لا إله إلا الله لا تكون نافعة إلا إذا توفرت الشروط السبعة، وهي تتضمن الكفر بالطاغوت والإيمان بالله. العلماء فسروا هذه الشروط وأوضحوا أنها لا تقتصر على مجرد التلفظ بها أو معرفة معناها.

معنى التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله وتوضيح أهمية الإخلاص

المقطع يشرح مفهوم التوحيد ومعناه من خلال شهادة أن لا إله إلا الله، ويبين أهمية التوحيد وضرورة الإخلاص في العبادة. جحود واجبات الدين ومحرماته يعتبر كفرا، والحكم على الظاهر في الدنيا يعتمد على التزام شرائع الإسلام.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: قال المصنف رحمه الله تعالى: وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله عز وجل». قوله: «وفي الصحيح»، أي صحيح مسلم، عن أبي مالك الأشجعي، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره. وأبو مالك اسمه سعد بن طارق، كوفي ثقة، مات في حدود الأربعين ومئة. وأبوه طارق بن أشيم بالمعجمة والمسنات التحتية، وزن أحمر بن مسعود الأشجعي، صحابي له أحاديث. قال مسلم: لم يرو عنه غير أبيه. وفي مسند الإمام أحمد، عن أبي مالك قال: وسمعته يقول للقوم: «من وحد الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله عز وجل». رواه الإمام أحمد من طريق يزيد بن هارون قال: أنبأنا أبو مالك الأشجعي عن أبيه. قال رحمه الله تعالى: قوله «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله» اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم علق عصمة المال والدم في هذا الحديث بأمرين: الأول قول لا إله إلا الله عن علم ويقين كما هو مقيد في قولها في غير ما حديث كما تقدم. والثاني الكفر بما يعبد من دون الله. فلم يكتف باللفظ المجرد عن المعنى، بل لا بد من قولها والعمل بها. قوله رحمه الله تعالى: في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم علق عصمة المال والدم بأمرين: الأمر الأول في قوله «من قال لا إله إلا الله». وهل النطق بلا إله إلا الله كاف في ذلك؟ أم لا بد من علم بما ينطق؟ وكذلك عمل بمقتضى ما علم؟ الجواب: كما تقدم معنا مرارا، ودلت عليه الأدلة أنه لا بد مع النطق من علم بهذه الكلمة، وعمل بمقتضى هذه الكلمة. ولا بد أن يكون الإنسان إذا نطق بهذه الكلمة أن يكون مراعيا للشروط المذكورة في لا إله إلا الله. وهي سبعة شروط، فلا إله إلا الله لا بد من توفر الشروط السبعة حتى تكون نافعة. فإن لم تتوفر الشروط السبعة التي دلت عليها الأدلة ومرت معنا، فإنها لا تكون نافعة. قال رحمه الله تعالى: قلت: وفيه معنى «فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها». وهذا بالطابقة دلالة الحديث على هذه الآية هو العكس بدلالة المطابقة. فقول النبي صلى الله عليه وسلم «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله» إذا طبقنا الألفاظ ووزعنا ألفاظ الحديث على هذه الآية لوجدناها منطبقة على هذه الآية تماما. قال المصنف رحمه الله تعالى: وهذا من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله، فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصما للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله. قال رحمه الله تعالى: قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى في قوله «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» معلوم أن المراد بهذا أهل عبادة الأوثان دون أهل الكتاب؛ لأنهم يقولون لا إله إلا الله ثم يقاتلون ولا يرفع عنهم السيف. وقال القاضي عياض: اختصاص عصمة المال والنفس بمن قال لا إله إلا الله تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد بذلك مشرك العرب وأهل الأوثان. فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد فلا يكتفى في عصمته بقول لا إله إلا الله إذا كان يقولها في كفره. قال النووي: لا بد مع هذا من الإيمان بجميع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم كما جاء في الرواية «ويؤمنوا بي وبما جئت به». وهذا شرط من الشروط، بل هذا من شروط الإيمان، ومن أركان الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم. قال شيخ الإسلام: لما سئل عن قتال التتار، فقال: كل طائفة ممتنعة عن التزام شرائع الإسلام الظاهرة من هؤلاء القوم أو غيرهم، فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين وملتزمين بعض شرائعه. قال: كما قاتل أبو بكر والصحابة رضي الله عنهم مانعي الزكاة. وعلى هذا اتفق الفقهاء بعدهم. قال: فأيما طائفة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات أو الصيام أو الحج أو عن التزام تحريم الدماء أو الأموال أو الخمر أو الميسر أو نكاح ذوات المحارم أو عن التزام جهاد الكفار أو غير ذلك من واجبات الدين ومحرماته التي لا عذر لأحد في جحودها أو تركها التي يكفر الواحد بجحودها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها. قال: وهؤلاء عند المحققين ليسوا بغاة بل هم خارجون عن الإسلام. انتهى. قوله «وحسابه على الله» أي الله تبارك وتعالى هو الذي يتولى حسابه، فإن كان صادقا جازاه بجنات النعيم، وإن كان منافقا عذبه العذاب الأليم. وأما في الدنيا فالحكم على الظاهر، فمن أتى بالتوحيد ولم يأت بما ينافيه ظاهرا، والتزم شرائع الإسلام وجب الكف عنه. قلت: وأفاد الحديث أن الإنسان قد يقول لا إله إلا الله ولا يكفر بما يعبد من دون الله، فلم يأت بما يعصم دمه وماله، كما دل على ذلك الآيات المحكمات والأحاديث. قال المصنف رحمه الله تعالى: وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب. قلت: وذلك أن ما بعدها من الأبواب فيه ما يبين التوحيد ويوضح معنى لا إله إلا الله. وفيه أيضا بيان أشياء كثيرة من الشرك الأصغر والأكبر، وما يوصل إلى ذلك من الغلو والبدع مما تركه من مضمون لا إله إلا الله. فمن عرف ذلك وتحقق ذلك تبين له معنى لا إله إلا الله وما دلت عليه من الإخلاص ونفي الشرك. وبضدها تتبين الأشياء، فبمعرفة الأصغر من الشرك يعرف ما هو أعظم منه من الشرك الأكبر المنافي للتوحيد. وأما الأصغر فإنما ينافي كماله، فمن اجتنبه فهو الموحد حقا. وبمعرفة وسائل الشرك والنهي عنها ليتجنب تعرف الغايات التي نهي عن الوسائل لأجلها. فإن اجتناب ذلك كله يستلزم التوحيد والإخلاص بل يقتضيه. وفيها أيضا من أدلة التوحيد إثبات الصفات وتنزيه الرب تعالى عما لا يليق بجلاله. وكل ما يعرف بالله من صفات كماله وأدلة ربوبيته يدل على أنه هو المعبود وحده، وأن العبادة لا تصلح إلا له. وهذا هو التوحيد ومعنى شهادة أن لا إله إلا الله. إلهنا سبحانك، اللهم ومحمد عبدك ورسولك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على