الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 7، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يشرح المقطع أن الغيبة محرمة أصلاً لكنها تباح لستة أسباب شرعية، ويذكر أول ثلاثة منها: التظلم للمظلوم، والاستعانة على تغيير المنكر، والاستفتاء لمعرفة الحكم الشرعي مع مراعاة الضوابط. كما يؤكد على ضرورة عدم ذكر الأسماء إلا عند الحاجة الملحة.
يستعرض المقطع قصة هند بنت عتبة مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يبين حالات الغيبة المأذونة شرعاً وأهمها تحذير المسلمين ونصيحتهم. ويشمل ذلك جرح المجروحين من الرواة والشهود والمشاورة في المصاهرة والمعاملات ببيان العيوب بنية النصيحة.
يستعرض المقطع ستة أسباب تجيز الغيبة عند العلماء، منها الاستشارة في الشراكة وتحذير طالب العلم، وبيان حال من تولى ولاية، وجواز ذكر المجاهر بفسقه، والتعريف بالألقاب للتميز لا للتنقص. ويؤكد الشيخ على ضرورة خلوص النية من الحسد وحظوظ النفس.
يختتم المتحدث الدرس الحالي داعياً بالتوفيق، ويعلن أن الدرس القادم سيتناول مذاكرة الأحاديث المستدل بها على جواز المسائل الست المذكورة. مختتماً بالصلاة على النبي والحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى: «باب ما يباح من الغيبة». وقوله: «ما يباح من الغيبة» يدل على أن الغيبة الأصل فيها التحريم، وأنها من كبائر الذنوب وأعظم المحرمات التي حرمها ربنا عز وجل، إلا أنها قد تباح في بعض المواضع، وذلك لمصلحة شرعية أو مصلحة تعود على الشخص نفسه، وديننا قد جاء بجلب المصالح ودرء المفاسد، فهذه من قواعد ديننا العظيمة. قال رحمه الله تعالى: «اعلم أن الغيبة تباح لغرض صحيح شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها، فإذا أمكن الوصول إلى هذا الغرض أو الوصول إلى هذا الأمر بطريق غير طريق الغيبة، فلا يجوز حينها أن يقع الشخص في الغيبة». قال: «وهو ستة أسباب»: الأول: التظلم، فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان والقاضي وغيرهما ممن له ولاية أو قدرة على إنصافه من ظالمه، فيقول: «ظلمني فلان بكذا». وإعادة المظالم إلى أهلها من أعظم الأمور التي أمر بها ديننا الإسلامي، فيجوز إذا كان من باب التظلم أن يأتي عند مسؤول، عند قائد شرطة، شيخ قبيلة، عند قاضٍ، إلى غير ذلك، فيذكر مظلمته إلى ذلك الشخص، ولا بأس إذا ذكر الظالم، وقد يكون الظالم يكره ذلك، فليس هذا من الغيبة المحرمة. قال رحمه الله تعالى: «وسأذكر رحمه الله تعالى أدلة على هذه المباحث، المباحث التي تباح لأجلها الغيبة». قال رحمه الله تعالى: «الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى الصواب، فيقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر: فلان - وممكن أن يسميه باسمه: زيد، محمد، خالد، عوض - قال: فلان يعمل كذا، فازجره عنه، ونحو ذلك». ويكون مقصوده التوصل إلى إزالة المنكر، فإن لم يقصد ذلك كان حراماً. ومن هذا القبيل قد يذكر مثلاً الطالب فيُشْكَى إلى أبيه، يقال: «ابنك ليس مجتهداً في طلب العلم، ابنك يلعب، ابنك يضيع وقته»، إلى غير ذلك، فهذا ليس من الغيبة المحرمة، وإنما المقصود بها الزجر عن هذا الخطأ، وأن يعود المخطئ إلى الصواب. قال رحمه الله تعالى: «الثالث: الاستفتاء، فيقول للمفتي: ظلمني أبي، أبي ظلمني، أعطى أخي فلاناً وفلاناً قطعة أرض أو مالاً، وأنا وأخي فلان لم يعطني شيئاً، هذا هل يجوز له ذلك؟ هل يجوز له ذلك؟ أو أخي، أو زوجي، أو فلان فعل بي كذا، فهل له ذلك؟». تأتي المرأة فربما تسأل العالم أو المفتي عن مسألة وقعت بينها وبين زوجها، وتريد أن تصل من وراء ذلك إلى معرفة الجواب الصحيح، فقد يكون الزوج لا يرضى، أو الأب لا يرضى، أو الأخ لا يرضى بأن يذكر ذلك ويذكر اسمه مع ذلك، فهذا ليس من الغيبة، ليس من الغيبة إذا كان المقصود هو الاستفتاء ومعرفة الحكم الشرعي في ذلك. قال: «فهل له ذلك، وما طريقي في الخلاص منه وتحصيل حقي ودفع الظلم، ونحو ذلك؟ فهذا جائز للحاجة». قال: «ولكن الأحوط والأفضل أن يقول: ما تقول في رجل، أو شخص، أو زوج كان من أمره كذا وكذا؟ لكن يؤتى بالاسم إذا كان هناك مصلحة في ذكر الأسماء، وإذا لم يكن هناك مصلحة، وممكن أن يتوصل إلى الجواب بغير ذكر لأسماء، فهذا من الأمور المطلوبة؛ فإنه يحصل به الغرض من غير تعيين، ومع ذلك فالتعيين جائز كما سنذكره في حديث هند إن شاء الله تعالى». وهند هي بنت عتبة بن ربيعة رضي الله تعالى عنها، زوجة أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، وسيأتي حديثها، وخلاصته أن هند جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: «يا رسول الله، إن أبا سفيان» - أبو سفيان زوجها - «رجل شحيح»، والشحيح هو شديد البخل، «لا يعطيني وولدي ما يكفيني»، يعني هو يعطيهم لكن شيئاً لا يكفيهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم فتوى جواباً على سؤال هذه المرأة: «خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف». لاحظ إلى هذا الجواب العظيم منه عليه الصلاة والسلام، لو علم أبو سفيان قد يغضب: «كيف أنا شحيح وما أعطيكي؟» والقضية عند النبي صلى الله عليه وسلم، لكن هذا من الأمور التي يجوز فيها الغيبة، والمقصود منها الاستفتاء. قال: «الرابع: تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم». وذلك من وجوه: منها: جرح المجروحين من الرواة والشهود. قال النووي رحمه الله تعالى: «وذلك جائز بإجماع المسلمين، بل واجب للحاجة». ليس جائزاً فحسب بل واجباً للحاجة، ولهذا كتب الجرح والتعديل مليئة بجرح هؤلاء الذين يحتاج إلى جرحهم وبيان حالهم، وتحذير المسلمين من شرهم، نصيحة لله عز وجل ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم. ولولا هذا الباب لضاعت الحقوق، واختلط الحق بالباطل، ووقع من وقع من المسلمين في شباك المبتدعين والمضللين والمنحرفين. كم يا إخوان أنقذ الله عز وجل ليس أفراداً بل أقواماً من البدع والضلالات بسبب الجرح والتعديل. يوسف بن أسباط رحمه الله تعالى قال: «كان أبي قدرياً وأخوالي روافض». لاحظ: وقع بين بدعتين، أبي قدري، والقدرية مجوس هذه الأمة، قال: «وأخوالي روافض، أين يذهب؟ يصبح قدرياً أو يصبح رافضياً؟ قال: فأنقذني الله بسفيان». فأنقذني الله بسفيان، يعني: بيّن له مذهب القدر ومذهب الرفض، وخطورة هذه البدع والوقوع فيها، وأرشده إلى طريق السنة، مذهب السلف، أهل الحديث. كم يا إخوان ينفع الله عز وجل بهذا المسلمين. قال: «وذلك جائز بإجماع المسلمين، بل واجب للحاجة». جاء إلى أحد علماء الجرح والتعديل، أظنه ابن معين أو شعبة، فذكر شخصاً وجرحه، فعاتبه بعض الحاضرين: «أنت شيخ وإمام وتغتاب الناس، وتغتاب الناس؟» قال: «يا هذا، أنا خير لهم من أنفسهم، أنا أحذر الناس ألا يتابعوهم، وإذا تابعوهم فسيتحملوا مع إثمهم آثام من يتبعهم». قال: «ومنها - أي من تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم - المشاورة في مصاهرة إنسان، أو مشاركته، أو إيداعه، أو معاملته، أو غير ذلك، أو مجاورته». قال: «ويجب على المشاور ألا يخفي حاله، بل يذكر المساوي التي فيه بنية النصيحة». يأتي شخص ويقول: «يا فلان، تقدم شخص لخطبة ابنتي أو لخطبة أختي، وأنت جاره أو أنت صاحبه أو أنت قريبه»، والدين النصيحة، والمشاور مؤتمن. آه كيف تراه؟ فيحرج بعض الناس: «ماذا يقول، ماذا يقول؟» يعني خاف من الغيبة: «ولا يغتب بعضكم بعضاً، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه». هنا يا إخوان هذا من المشاورة التي هي من الأمانة. قل ما تعرفه، لكن انتبه: «إنما الأعمال بالنيات». البعض يجدها فرصة فيحط على ذلك الذي طلبت المشورة فيه، يقول: «هذا سأخبرك، هذا حرام، نصاب، فعله، تركه»، ويبهته، يذكره بما هو ليس فيه. إنما الأعمال بالنيات، لكن تذكر ما تدين الله عز وجل فيه. قل: «يا أخي، أنا ما أحب تكلم في هذا الأمر لولا أنك حملتني هذه الأمانة، والله يا فلان، الرجل لا يصلح لابنتك، الرجل متهاون في الصلوات، خز، يرافق الضائعين»، فيذكر ما يدين الله عز وجل فيه، وليس ذلك من الغيبة. كذلك ما إذا كان شخص سيشارك آخر، ندخل في مشروع شراكة في مصنع، في بقالة، إلى غيرها من المشاريع، فيسأل عن شريكه، فهنا هذا من الأمانة، وينبغي أن يجيب ويرشد إلى الأصلح. قال: «ومنها: إذا رأى متفقهًا - يعني طالب علم، ولا سيما في بداية الطلب - يتردد إلى مبتدع أو فاسق يأخذ عنه العلم، وخاف أن يتضرر المتفقه بذلك، فعليه نصيحته ببيان حاله، بشرط أن يقصد النصيحة». قال: «وهذا مما يغلط فيه، وهذا مما يغلط فيه، وقد يحمل المتكلم بذلك الحسد، ويلبس الشيطان عليه ذلك، ويخيل إليه أنه نصيحة، فليتفطن لذلك». إذن هذا يا إخوان قد تزل فيه الأقدام، ترى شخصاً يحضر درساً عند بعض المدرسين، وأنت لربما بينك وبينه شيء، فتأتي لربما وتملأ صدر ذلكم الطالب على ذلكم المدرس: «وأن هذا كذا وكذا وكذا»، وليس من باب النصيحة، وإنما هي من حظوظ النفس، فهذا منزلق قد يقع فيه بعض الناس. لكن إذا كان من أهل البدع والأهواء والفسوق، فيبين حاله لهؤلاء الطلاب بنية النصيحة. قال: «ومنها: أن يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها، إما بأن لا يكون صالحاً لها، وإما بأن يكون فاسقاً أو مغفلاً، ونحو ذلك، فيجب ذكر ذلك لمن له عليه ولاية، ولاية عامة، ليزيله ويولي من يصلح، أو يعلم ذلك منه ليعامله بمقتضى حاله ولا يغتر به، وأن يسعى في أن يحثه على الاستقامة أو يستبدل». قال: «الخامس: أن يكون مجاهراً، أن يكون مجاهراً بفسقه أو بدعته، كالمجاهر بشرب الخمر، ومصادرة الناس، وأخذي المكس». ما هو المكس؟ قال: «وأخذي المكس». ما المقصود بالمكس ها هنا؟ تلك المرأة التي تابت، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنها تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له». فما هي المكوس يا أبا عبد الرحمن؟ ما هي المكوس؟ ما هي المكوس؟ نعم، الضرائب. الضرائب، كأن عم العبد عنده جواب إن شاء الله لكن ما سمعنا الإجابة. طيب، إذن المكوس هي الضرائب. قال: «وجباية الأموال ظلماً، وتولي الأمور الباطلة». قال: «فيجوز ذكره بما يجاهر به، ويحرم ذكره بغيره من العيوب، إلا أن يكون لجوازه سبب آخر مما ذكرنا». قال: «السادس: التعريف، فإذا كان الإنسان معروفاً بلقب كالأعمش، والأعرج، والأصم، والأعمى، والأحول». من هو الأعمش؟ أي من هو الذي يلقب بالأعمش؟ نعم، ليس عينه عين الشخص، لكن لماذا سمي أعمش؟ ما هو العمش؟ نعم، يعني تتحرك العين لا إرادياً، وقد يخرج مع ذلك شيء من الماء، ولهذا كان سليمان بن مهران يقول: «لو كنت بقالاً لقدرني الناس». طيب، والأعرج، والأعرج من هو الأعرج؟ أحسن، من هو الأعرج يا أبا شفيق؟ من هو الأعرج يا أبا حذيفة؟ من هو الأعرج؟ عبدالله، من هو الأعرج؟ إيش؟ أه، الأعرج هو الذي يميل في مشيته، قد قد يقول: «ماذا في رجله شيء؟ أو رجله قصيرة والأخرى طويلة؟» فحين أن يمشي يعرج. طيب، والأصم، يا عبدالرحيم، من هو الأصم؟ «صم بكم عمي فهم لا يرجعون». من هو الأصم؟ الذي لا يسمع، الأصم الذي لا يسمع. والأعمى هذا واضح. والأحول، والأحول، نعم، من هو الأحول؟ يعني في اختلاف في عينيه. طيب، في اختلاف في عينيه. قال: «وغيرهم، جاز تعريفهم بذلك». يعني يقال: فلان بن فلان ما يُدْرَى منه، يقال: «ذاك الأعمش» أو «الأعرج»، فماذا؟ فهذا يجوز، وإن كان صاحب اللقب قد لا يرضى بذلك. قال: «ويحرم إطلاقه على جهة التنقص، ولو أمكن تعريفه بغير ذلك كان أولى». قال: «فهذه ستة، أو ستة أسباب ذكرها العلماء، وأكثرها مجمع عليه، ودلائلها من الأحاديث الصحيحة مشهورة». فمن ذلك يأتي معنا إن شاء الله عز وجل في الدرس القادم مذاكرة الأحاديث التي سيستدل بها على جواز هذه الأمور الستة. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكراً.