الدرس في كتاب الحج 4، ألقاها
أركان الحج أربعة، وهي الإحرام، الوقوف بعرفة، طواف الإفاضة، والسعي. الإحرام يحرم على الحاج ما كان مباحاً له قبل ذلك.
يتناول المقطع تفاصيل أركان الحج: الإحرام، الوقوف بعرفة، وطواف الإفاضة. الوقوف بعرفة يبدأ من بعد زوال الشمس في اليوم التاسع من ذي الحجة.
من ترك ركناً ولم يمكنه إتيانه لاحقاً بطل حجه. المقطع الأخير يتضمن الدعاء للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بالصلاة والسلام عليه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المولى -وفقه الله-: الباب الثاني في أركان الحج وواجباته. قالوا: فيه مسألتان. المسألة الأولى في أركان الحج. أركان الحج أربعة، الأركان جمع ركن، والركن هو جانب الشيء الأقوى الذي لا يقوم الشيء إلا به. الركن هو جانبه الأقوى الذي لا يقوم الشيء إلا به، فمثلاً هذا البناء يقوم على أربعة أركان تكون هي أقوى ما في هذا البناء، فإذا اختل أحد هذه الأركان اختل البناء. وهكذا أيضاً أركان العبادة، إذا اختل ركن منها اختلت العبادة. فهذه أركان الحج التي لا بد من وجودها حتى يكون الحج صحيحاً، فإذا اختل ركن منها اختل الحج وبطل. قال أولاً: الإحرام، وهو نية الحج وقصده؛ لأن الحج عبادة محضة، فلا يصح بغير نية، بإجماع المسلمين. والأصل في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات». والنية محلها القلب، لكن الأفضل في الحج أن نطق بها معيناً النسك الذي نواه؛ لثبوت ذلك من فعله صلى الله عليه وسلم. هذا أول أركان الحج الإحرام. قال: وهو نية الحج وقصده. هكذا قال. والصواب أن الإحرام هو نية الدخول في النسك، نية الدخول في النسك، لا أنه نية أن يعتبر فنية العمرة أو نية الحج هذا في قلبه قبل أن يذهب إلى الحج أو العمرة. لكن الإحرام هو نية الدخول في النسك، كونك تدخل في هذا النسك من أنساك الحج أو كذلك أيضاً من أنساك العمرة، هذا يسمى إحراماً. والإحرام مأخوذ من التحريم، مأخوذ من التحريم. ومن أحرم إذا دخل في الإحرام، كقولهم: أنجد إذا دخل في نجد. وسمي نية الدخول في النسك إحراماً؛ لأنه إذا نوى الدخول في النسك حرم عليه ما كان حلالاً له قبل ذلك. إذا نوى الدخول في النسك فإنه يحرم عليه ما كان مباحاً له قبل الإحرام، كالطيب والرفث والصيد وحلق الرأس وغير ذلك من محظورات الإحرام. وقوله: والنية محلها القلب، وهذا صحيح. أن النية محلها القلب، والتلفظ بها لا يشرع. التلفظ بها لا يشرع؛ لأن محلها القلب. فالله عز وجل يعلم ما في قلب العبد، ومن الذي يريد أن يعمله وما هو وجهه ومقصده، فلا يحتاج أن يتلفظ بما في قلبه. فالعبرة بما في قلبه. «إنما الأعمال بالنيات» أي صحة الأعمال بالنية. وقوله: لكن الأفضل بالحج أن نتلفظ بها معيناً النسك الذي نواه؛ لثبوت ذلك من فعله صلى الله عليه وسلم. نقول: كما ذكرنا قبل قليل أن الإحرام نية الدخول في العبادة، نية الدخول في النسك، وليس هو نية فعل العبادة. وفرق بين الأمرين. إذا نوى الإنسان -مثلاً- أن يحج، عنده نية في قلبه أنه سيحج هذا العام، هل بهذه النية صار محرماً؟ الجواب: لا. إذا هناك فرق بين النية فعل العمل وبين نية الدخول في النسك. فنية الدخول في النسك شيء زائد عن نية العمل. مثله مثل الصلاة، إذا نوى الإنسان أن يصلي صلاة العشاء، عنده نية في قلبه أنه سيصلي صلاة العشاء، هل بهذه النية يكون قد دخل في الصلاة؟ هل بنيته التي في قلبه أنه سيصلي العشاء يكون قد دخل في صلاة العشاء؟ الجواب: لا. ولا يدخل في الصلاة إلا بالتكبير. وهكذا نقول: الإحرام هو بمنزلة التكبير في الدخول في الصلاة. فأنت لا تدخل في الحج ولا تصير محرماً إلا بالإحرام، سواء كان للحج أو للعمرة. لا تصير محرماً وداخلاً في العبادة إلا بالإحرام. أما النية فمحلها قبل ذلك. فأنت مثلاً من تحركت من بلدك وأنت ذاهب لأداء العمرة أو الحج، هذه نية، النية موجودة، لكن هل صرت بهذا محرماً؟ الجواب: لا. إلا بالإحرام شيء زائد على نية ما في القلب. طيب، فإذا جاء من يقول بأنه يجوز ويشرع التلفظ بالنية، ويستدل بالتلفظ بنية النسك، نقول: هذا ليس فيه دليل على مشروعية التلفظ بالنية؛ لأن نية الدخول في النسك هو منزلة الشروع في الدخول في العبادة، كالتكبير في الدخول في الصلاة. ولو أننا تنزلنا وقلنا -تنزلاً- أن هذا من التلفظ بالنية في الإحرام، لقلنا: هذا مما استثناه الشرع، فيشرع التلفظ بنية الإحرام، ويكون هذا خاصاً بالإحرام. أما غيره من العبادات فلا يشرع التلفظ بها بالنية، هذا من باب التنزل. قال ثانياً: الوقوف بعرفة، وهو ركن بالإجماع. ودليله قوله صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة». ووقت الوقوف من بعد الزوال يوم عرفة إلى طلوع فجر يوم النحر. هذا الركن الثاني من أركان الحج الوقوف بعرفة. وعرفة جبل معروف بجبل عرفة، الوقوف فيه ركن من أركان الحج، بل هو أعظم أركان الحج. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الحج عرفة». والحديث رواه الترمذي وأبو داود، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله. يعني يكاد أن ينحصر الحج في عرفة. وهذا يدل على أن أعظم أركان الحج الوقوف بعرفة. فالوقوف بعرفة ركن بالإجماع، وقت الوقوف من بعد الزوال يوم عرفة -يعني في اليوم التاسع من ذي الحجة- بعد زوال الشمس في اليوم التاسع من ذي الحجة، يبتدأ الوقوف بعرفة ويستمر إلى طلوع فجر يوم النحر. من وقت الزوال في اليوم التاسع إلى قبل طلوع الفجر يوم النحر -يوم العاشر- هذا كله وقت للوقوف بعرفة. ودليل حديث عروة بن المضرس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا، ووقف قبل ذلك ساعة من ليل أو نهار، فقد تم حجه وقضى تفثه». ووقف ساعة -يعني بعرفة- من ليل أو نهار، فقد تم حجه وقضى تفثه. وكذا أيضاً قوله عليه الصلاة والسلام: «الحج عرفة، فمن جاء قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك». يعني أدرك الحج، إذا جاء الإنسان قبل طلوع الفجر بلحظات فوقف بعرفة فإنه يكون مدركاً للحج. قال الثالث: طواف الزيارة، ويسمى طواف الإفاضة، هذا الركن الثالث من أركان الحج. قال: لأنه يكون بعد الإفاضة من عرفة، يعني سمي طواف الإفاضة؛ لأنه يكون بعد الإفاضة من عرفة، بعد أن تغرب الشمس فيفيض الحجاج وينطلقون من عرفة إلى مزدلفة، ثم بعد ذلك يأتون بقية أعمال الحج. قال: ويسمى طواف الفرض، يسمى طواف الفرض؛ لأنه ركن من أركان الحج، وهو ركن بالإجماع. لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلِيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلِيَطُوفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ يعني بعد أن ينحروا ويحلقوا، فعليهم بالطواف، عليهم أن يطوفوا طواف الإفاضة. وهكذا فيه حديث صفية لما حاضت، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أحابستنا هي؟» قالوا: يا رسول الله، إنها قد أفاضت -يعني قد طافت طواف الإفاضة- قال: «فلنذهب، فلنطلق». إذن أو كما قال عليه الصلاة والسلام. والمعنى أن إن كانت لم تطوف طواف الإفاضة فإنها ستحبسنا وتؤخرنا؛ لأن طواف الإفاضة ركن. أما طواف الوداع، فإذا حاضت المرأة لا يلزم أن تطوف، ولها أن تذهب وقد تم حجها. ولا يجوز تأخير طواف الإفاضة عن شهر ذي الحجة، إلا لعذر كمرض أصاب الإنسان فتأخر ولم يستطع أن يطوف حتى خرج الشهر ذي الحجة، أو نفست المرأة مثلاً ولم تستطع أن تطوف، فتبقى على تحللها الأول حتى تطوف طواف الإفاضة. طيب هذا الطواف، طواف ركن من أركان الحج. قال الرابع: السعي بين الصفا والمروة، السعي بين الصفا والمروة وهو ركن؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: «ما أتم الله حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة». وهذا الأثر رواه مسلم. وقوله صلى الله عليه وسلم: «اسعوا؛ فإن الله كتب عليكم السعي». والحديث رواه أحمد وابن خزيمة والبيهقي، وصححه الألباني رحمه الله. إذن السعي بين الصفا والمروة كذلك ركن من أركان الحج. هذه أربعة أركان لا يتم الحج إلا بها: الإحرام، والوقوف بعرفة، وطواف الإفاضة، والسعي بين الصفا والمروة. قال: وهذه الأركان لا يتم الحج إلا بها. لو أن الإنسان نسي طواف الإفاضة، نسي طواف الإفاضة، فما الذي يلزمه؟ نقول: متى ما ذكر يطوف، متى ما ذكر يطوف، أنه يستطيع أن يأتي بهذا الركن. لكن لو نسي الوقوف بعرفة مثلاً، ما وقف بعرفة حتى انتهى الوقوف، فحجه باطل أو فاسد. نعم، حجه غير صحيح لفوات هذا الركن. قال: هذه الأركان لا يتم الحج إلا بها، فمن ترك ركناً منها لم يتم حجه حتى يأتي به إذا أمكن. حتى يأتي به إذا أمكن لك، إذا فات كالوقوف بعرفة، ما يمكن أن يقف بعد فوات وقت الوقوف، يأتي يوم النحر مثلاً اليوم العاشر، يجب أن يقف، ما يصح، قد فات الوقوف، وهنا لا يصح حجه. لكن إذا كان يمكن كالطواف الإفاضة، يستطيع أن يطوف، أو السعي بين الصفا والمروة، يستطيع أن يأتي به. قال: فمن ترك ركناً منها لم يتم حجه حتى يأتي به. اختلف أهل العلم في ركن من الأركان أو عمل من أعمال الحج، هل هو ركن من أركان الحج أو ليس من أركان الحج؟ وهو المبيت بمزدلفة. بعض أهل العلم يجعلونه من أركان الحج، يزيد مع هذه الأربعة المبيت بمزدلفة، ويستدل بحديث عروة بن المضرس الذي ذكرناه قبل قليل، في قوله عليه الصلاة والسلام: «من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا، ووقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه». قالوا: هذا يدل على أن تمام الحج لا يكون إلا بالمبيت بمزدلفة، إلا بالمبيت بمزدلفة. لكن الأظهر -والله أعلم- أن المبيت بمزدلفة ليس من أركان الحج، وإنما من واجبات الحج. ويدل عليه قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الحج عرفة، فمن وقف قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك». معنا أدرك الحج، فإذا وقف بعرفة ولم يبت بمزدلفة، إذا قلنا بأن حجه غير صحيح، يكون هذا فيه معارضة لقوله عليه الصلاة والسلام: «فقد أدرك». النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيمن وقف بعرفة أنه أدرك الحج، وليس عندنا هناك دليل صريح أن من ترك المبيت بمزدلفة بطل حجه. إذن يكون هذا الحديث -حديث عروة- محمولاً على الكمال، محمولاً على الكمال، يعني كمال الحج وتمامه بالمبيت بمزدلفة، مع كون المبيت واجباً من واجبات الحج. إذا تركه الإنسان فإنه لا يبطل حجه، بل يكون صحيحاً مع وجوب الدم. نعم، طواف الإفاضة ركن من أركان الحج. وأما طواف الوداع فهو واجب من واجبات الحج. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اجعلوا آخر عهدهم بالبيت طواف الوداع». هذا واجب، ليس بركن. أما طواف الإفاضة ركن، الذي ينساه، إذا قلنا على عموم أثر ابن عباس فيمن ترك واجباً من واجبات الحج أنه عليه فدية. لكن إذا نسيه وأمكنه أن يأتي به، يرجع يأتي به، يأتي به طواف الإفاضة. وإذا ما أمكنه عليه فدية على أثر ابن عباس. طيب، نكتفي بهذا القدر إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.