الدرس في كتاب الحج 3، ألقاها
العمرة تجوز في جميع أوقات السنة، بينما الحج له أشهر معلومات محددة. أشهر الحج هي شوال وذو القعدة وذو الحجة.
حدد النبي صلى الله عليه وسلم المواقيت المكانية لمن أراد الحج أو العمرة، وهي حدود لا يجوز تجاوزها دون إحرام. تشمل ذا الحليفة والجحفة و قرن المنازل ويلملم.
النبي عليه الصلاة والسلام حدد مواقيت الإحرام لأهل مختلف المناطق، وأمر بالرجوع إلى الميقات أو دفع فدية لمن تجاوزه بدون إحرام. من كان دون المواقيت يحرم من محله.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على شرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال ملوفقه الله: المسألة السادسة، مواقيت الحج والعمرة. قال: الميقات لغة هو الحد، «وقت لنا أي حدد لنا». قال: وشرعا هو موضع العبادة أو زمنها، الذي حده الشرع. والحج والعمرة لها مواقيت، مواقيت زمانية ومواقيت مكانية، تنقسم المواقيت إلى قسمين: زمانية ومكانية. أما المواقيت الزمانية للحج والعمرة، فالعمرة يجوز أداؤها في جميع أوقات السنة، في جميع أوقات السنة يجوز الإنسان أن يعتمر، ليس لها وقتا محدودا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحدا أراد أن يطوف بهذا البيت، أي ساعة شاء من ليل أو نهار». وأما الحج فله أشهر معلومات، لا يصح شيء من أعمال الحج إلا فيها، لقوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾، وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة. الحج له زمن محدود، له أزمن محدودة، وهي هذه الثلاثة الأشهر: شوال وذو القعدة وذو الحجة. اختلف أهل العلم: هل ذو الحجة كله أو عشر منه؟ فذهب الإمام محمد رحمه الله إلى أن ذو الحجة تكون منه عشرة أيام، فيجعلون زمن الحج شوال وذو القعدة وعشرة من ذو الحجة، وعشرة أيام من ذو الحجة. وقول آخر، وقول إمام مالك رحمه الله إلى أن ذو الحجة كله يكون من أشهر الحج، وهذا هو الصحيح. أولا لعموم الآية: ﴿الحج أشهر معلومات﴾، فيدل أنها أشهر كاملة. وكذلك أيضا أن في بعد العاشر من ذو الحجة أعمال من أعمال الحج، في الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر رمي الجمار والمبيت، ومن هذه من أعمال الحج، إذا ليست عشرة أيام فقط، ليست عشرة أيام فقط. وكذلك أيضا طواف الإفاضة يجوز للإنسان أن يؤديه في شهر ذي الحجة، ولو كان بعد ذلك، ولو كان بعد يعني أيام التشريق. إذن يكون الصواب في زمن الحج ثلاثة أشهر: شوال وذو القعدة وذو الحجة. قد يقول قائل: كيف أشهر الحج ثلاثة، مع أن الحج ما يؤدى إلا في ذي الحجة؟ الناس ما يهلون بالحج إلا في اليوم الثامن من ذي الحجة، فكيف يكون شوال وذو القعدة من أشهر الحج؟ الجواب: أنه يجوز للمتمتع وللقارن أن يأتي بعمرة التمتع والقران في هذه الأشهر، يطوف ويعتمر مثلا في شوال، ويبقى محرما إلى ذي الحجة، إذا كان قارنا، أو يأتي بعمرة ويتحلل ويكون متمتعا إلى الحج. فهذه الأشهر: شوال وذو القعدة، يجوز أن يؤدي فيها المتمتع عمرة الحج، عمرة التمتع يؤديها في شوال أو في ذي القعدة. قالوا: أما المواقيت المكانية للحج والعمرة، فهي الحدود التي لا يجوز للحاج والمعتمر أن يتجاوزها إلا بإحرام، الأماكن التي حدها النبي عليه الصلاة والسلام لمن أراد الحج أو العمرة. لا يجوز لمن أراد حجا أو عمرة أن يتجاوزها -يعني يمر عليها- من غير أن يحرم منها، هذا ميقات مكاني. قال: قد بيّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، قالهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة». الحديث الصيحي، هذه مواقيت وقتها النبي عليه الصلاة والسلام. قال: لأهل المدينة ذا الحليفة، يعني إذا أراد أهل المدينة أن يعتمروا أو يحجوا، فيحرمون من هذا الميقات، من هذا المكان المسمى بذي الحليفة. الحليفة تصغير الحلفاء، وهو شجر بري معروف، سمي به هذا المكان بهذا الاسم بسبب هذا الشجر، قيل له ذو الحليفة، فيكثر فيه هذا الشجر، وهو يبعد عن المدينة ستة أميال أو سبعة، ويبعد عن مكة عشرة أيام. يبعد ذو الحليفة عن مكة عشرة أيام، فهو أبعد المواقيت عن مكة، أبعد المواقيت عن مكة هو ميقات أهل المدينة ذو الحليفة، وتسمى الآن بأبيار علي. وقال: ولأهل الشام الجحفة، أهل الشام يعني فلسطين ولبنان وسوريا والأردن، هؤلاء يحرمون من ميقات الجحفة، من ميقات الجحفة. والجحفة قرية اجتحفها السيل، وجرفها، فسميت بالجحفة. وقد حل بها الوباء الذي دعا النبي عليه الصلاة والسلام أن ينتقل من المدينة إلى الجحفة، لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة إلى المدينة، كانت المدينة كثيرة الوباء، حتى مرض كثير من الصحابة، فدعا النبي عليه الصلاة والسلام أن ينقل الوباء إلى الجحفة. ولما خربت الجحفة وصارت غير مناسبة، جعل الناس بدلها رابغ، هم الآن يحرمون من موضع يقال له رابغ، والجحفة -يعني الرابغ- أبعد بقليل من الجحفة، أبعد منها بقليل عن مكة، وبينها وبين مكة نحو ثلاثة أيام، وبينها وبين المدينة سبعة أيام. قال: «ولأهل نجد قرن المنازل»، ويسمى الآن بالسيل الكبير، ويقال أنه قرن الثعالب، أن قرن المنازل هو قرن الثعالب، والصحيح أنه غيره. قال: «ولأهل اليمن يلملم»، يعني من جاء من جهة اليمن فيحرمون من ميقات يلملم. ويلملم قيل إنه جبل، سمي ذاك الموضع بيلملم لجبل يقال له يلملم، وقيل مكان يسمى يلملم، وهذا الجبل يقع في طريق الساحل، ويسمى اليوم بالسعدية. وهنا ميقات خامس، وهو ذات عرق، وقتّه عمر رضي الله عنه لأهل الشرق، أهل المشرق. وصح كذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام وقته، فيكون ذلك مما توافق فيه قول عمر مع النبي عليه الصلاة والسلام. فأهل المشرق -يعني العراق وما كان جهتها- يحرمون من هذا الميقات، من ميقات ذات عرق. سمي بذلك لأنه فيه عرق، وهو الجبل الصغير. قال: النبي عليه الصلاة والسلام: «هن لهن ولمن أتى عليهم»، هن لهن يعني لأهل المدينة ذا الحليفة، والأهل الشام الجحفة، والأهل نجد قرن المنازل، وأهل اليمن يلملم. هؤلاء كل واحد من أهل تلك البلاد يحرمون في ميقاتهم، «هن لهن ولمن أتى عليهم من غير أهلهم»، ولمن أتى عليهم من غير أهلهم. مثلا إذا جاء أهل اليمن من طريق أخرى إلى المدينة، ومن المدينة توجهوا إلى مكة، سيمرون بميقات أهل المدينة الذي هو ذو الحليفة، فهل يحرمون؟ الجواب: نعم يحرمون، من لقول عليه الصلاة والسلام: «ولمن أتى عليهن من غير أهلهن». ولو جئت إلى ميقات ليس هو ميقات يعني الذي يمر به أهل بلدك، فإنك تحرم منه. قال: «ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة»، ما دمت تريد الحج أو العمرة، فإنك تحرم من هذا الميقات، ولو كان غير ميقاتك. قال: «ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة»، من كان دون الميقات، ليس بينه وبين مكة ميقات، من كان ليس بينه وبين مكة ميقات، فهذا يحرم من مكانه، حتى أهل مكة من مكة. أهل مكة إذا أرادوا عمرة أو حج يحرمون من مكانهم، «لبيك اللهم حج» في اليوم الثامن، ويكون محرما. هكذا أيضا أهل جدة، جدة ليس بينها وبين مكة ميقات، فإنهم يحرمون من مكانهم، لأنه ليس بينهم وبين مكة ميقات. الذي يجب عليه أن يحرم من الميقات من كان بينه وبين مكة ميقات، وأما من لم يكن بينه وبين مكة ميقات، فإنه يحرم من مكانه. قال: فمن تعدى هذه المواقيت بدون إحرام، وجب عليه الرجوع إليها إن أمكن. قال: يلزمه، وجب عليه الرجوع إليها إن أمكن. إنسان مر بميقات أهل اليمن، وهو من اليمن، مر بيلملم ولم يحرم حتى وصل إلى مكة، قيل له: أحرمت؟ قال: لا، ما أحرمت. إذن هنا يلزمك أن ترجع، قال له: ارجع إلى الميقات فأحرم منه، أحرم من الميقات، لأن الإحرام من الميقات واجب، الإحرام من الميقات واجب، فيلزمك أن ترجع وتحرم من الميقات، هذا إن أمكن. وإن لم يتمكن من الرجوع، فعليه فدية، وهي شاة يذبحها في مكة، ويوزعها على مساكين الحرم، لأنه ترك واجب من الواجبات. قال: وأما من كانت منازلهم دون المواقيت، فإنهم يحرمون من أماكنهم، لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق: «ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ»، يعني من حيث أنشأ إحرامه. من كان دون ذلك، دون الميقات، ليس بينه وبين مكة ميقات، فإنه يحرم من محله. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، صلى الله عليه وسلم عن أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.