كتاب الزكاة وأسرارها وما يتعلق بها 2

الدرس في كتاب الزكاة وأسرارها وما يتعلق بها 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

وظائف الزكاة الباطنة: فهم مقاصدها والإسرار بها

يشرح المؤلف وظيفتين رئيسيتين للزكاة الباطنة: فهم مقاصدها الثلاثة المتعلقة بابتلاء المحبة، التخلص من البخل، وشكر النعمة؛ والإسرار بالصدقة لكونه أبعد عن الرياء وصوناً لكرامة الفقير. ويحذر من نشر الأعمال الخيرية على وسائل التواصل الاجتماعي لما فيه من مخاطر الرياء.

آداب الصدقة: الإسرار بها وتجنب المن والأذى

يؤكد المقطع على وجوب إخفاء الصدقة لتحقيق الإخلاص وتجنب إذلال الفقير، مستنكراً ظاهرة تصوير الأعمال الخيرية ونشرها. ويستثني جواز إظهار جزء يسير منها فقط لدفع تهمة البخل بشرط أن لا يضر المستفيد بالعلن، ويختم بتحريم إبطال الصدقة بالمن أو الأذى مستدلاً بالآية الكريمة.

آداب الصدقة: تجنب الأذى والإسرار والتواضع

يبين أن من الأذى في الصدقة إلزام المستحق بشروط أو تصويره مما يذلّه، وأن الأفضل إسرار العطاء حتى لا يُمنّ على الفقير. ويشير إلى أن الفقير محسن بقبوله الزكاة لأنها طهرة للمال، فلا يجوز احتقاره لفقره، ويحث المتصدق على استصغار عطائه وتعجيله وستره لئلا يعجب بعمله.

خاتمة الدرس والتمهيد للدرس القادم

يختتم المتحدث الجلسة الحالية معلناً استكمال الموضوع في الدرس القادم إن شاء الله. ويكتفي بما تم طرحه مختتماً بقوله: والله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل في دقائق الآداب الباطنة في الزكاة. قال: اعلم أن على مريد الآخرة في زكاته وظائف، يعني أعمالاً يعتني بها ويهتم بها حتى تقبل زكاته. قال: الأولى أن يفهم المراد من الزكاة، وهو ثلاثة أشياء. عند إخراجك لهذه الزكاة ينبغي عليك أن تستشعر هذه الثلاثة الأشياء التي بها تفهم المراد من إخراج هذه الزكاة. وكما تقدم، المراد بالزكاة هنا أي زكاة، أي زكاة سواء كانت زكاة الأموال، أو زكاة بهيمة الأنعام، أو زكاة الثمار، أو زكاة الفطر التي يخرجها كل أحد. فقال: الأولى أن يفهم المراد من الزكاة، وهو ثلاثة أشياء: الأول: ابتلاء مدعي محبة الله تعالى بإخراج محبوبة، لأن المال من فطرة الإنسان أنه يحبه، كما أخبر الله عز وجل في كتابه، قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ﴾ [الفجر: 20]. وهكذا قال الله عز وجل: ﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾ [العاديات: 8]، ونُراد بالخير هنا المال. فإخراجك للزكاة دليل على محبتك لله عز وجل، إذ أنك أخرجت ما تحبه نفسك من أجل الله سبحانه وتعالى. قال: الثاني: التنزه عن صفة البخل المهلك، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «وإياكم والشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بقطع الأرحام فقطعوها، وأمرهم بالفجور ففجروا». فصفة البخل صفة ذميمة، فبإخراجك للزكاة تتغلب على هذه الصفة، تتغلب على هذه الصفة المهلكة. قال: والثالث: شكر نعمة المال، فكما تعلمون أن أي نعمة لا بد لصاحبها أن يشكرها. فمن شكر نعمة المال أن تخرج من هذا المال لله عز وجل، سواء كان في الزكوات الواجبة، أو الزكوات حتى المستحبة، يعني الصدقة المستحبة التي ليست بواجبة وإنما هي مستحبة. فإخراجك لهذا المال دليل شكرك لهذه النعمة، وكلما أخرجت من هذا المال كلما زاد هذا المال، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ [إبراهيم: 7]، فوعد الله عز وجل الشاكرين بالزيادة. وكما قال عليه الصلاة والسلام: «ما نقص مال من صدقة». وكما قال عليه الصلاة والسلام: «يا ابن آدم أنفق أنفق عليك». وكلما أخرجت من هذا المال لله عز وجل كلما رزقك الله عز وجل من المال ما لم تحتسب. فهذه ثلاثة أمور ينبغي لمخرج المال لله عز وجل أن يستشعرها، فهي المرادة من إخراج هذا المال. فإخراجك له دليل محبتك لله وإيثارك لله عز وجل على هذا المال، وهكذا تخليك عن صفة الشح، وهكذا شكر لله عز وجل في هذه النعمة. هذه الوظيفة الأولى ينبغي أن يعلمها من أراد أن يزكي. قال: الوظيفة الثانية: الإسرار بإخراجها لكونه أبعد من الرياء والسمعة. يعني أن يحرص مخرج هذه الزكاة على الإسرار فيها، لا يخرجها ويكون إخراجه لها على مسمع ومرأى من الناس، فلربما هذا يكون أدعى إلى الرياء والسمعة وعدم الإخلاص فيها. فالأولى والأفضل أن تكون الصدقة سراً. قال: وفي الإظهار عن إظهار الزكاة إذلال الفقير أيضاً. لما تأتي وتعطي الفقير والناس ينظرون، أو تعطي الفقير وتصور. والآن ابتلينا في هذا الزمان بهذه البلية العظيمة، والتصوير في كل عمل خير وبث ذلك على مستوى... على مستوى ماذا؟ وسائل التواصل الاجتماعي. ففلان مثلاً قام ببناء مسجد، صوروا هذا المسجد وذكروا من باني هذا المسجد. وفلان بنى بيتاً للفقراء، أو بنى بيتاً للأيتام، أو لطلاب العلم، أو نحو ذلك، قاموا بتصوير هذا. هذا من الرياء ومما لا ينبغي. فأنت أخرجت هذا المال لله عز وجل، فليكن سراً. من فعل هذا، فعل خير، من هو هذا؟ فعل الخير ما يريد أحد يعرف اسمه. الله أكبر. هذا يكون أدعى للإخلاص، وأدعى كذلك للبعد عن الرياء والسمعة. وكلما كانت الصدقة سراً كلما كانت أقرب إلى الإخلاص، وكلما كانت أبعد عن الرياء والسمعة. ففي الإظهار إذلال الفقير. مثلاً: الفقير يأكل إفطاراً جماعياً وأنت تأتي تصوره ثم تبث هذا. هذا يعني ذل واضح. أنت فعلت هذا لله عز وجل، فما الداعي أن تظهر هذه العبادة للخلق؟ أنت تريد الثواب من الله والشكر من الله عز وجل، أو من الخلق؟ فإذن احرص على أن تكون صدقاتك سراً لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى. فهذا مما ينبغي أن ينتبه له. هذه البلية حتى في غير الزكاة انتشرت في هذه الأزمان، ما من عمل إلا وصوروه وأعلنوه وبثوه ونشروه. فلان حفظ القرآن، باتوا بتكريم وشهادة تقديرية وأمام الناس في المسجد وتصوير. فلان حفظ القرآن... أين أنت من حديث أبي هريرة: «أول ما يقضى عليهم يوم القيامة ثلاثة»، وذكر من هؤلاء الثلاثة رجل آتاه الله القرآن والعلم، فيؤتى به يوم القيامة فيعرف بهذه النعمة فيعرفها، فيقال له: ماذا عملت بها؟ يقول: يا رب قرأت فيك وعلمت فيك. فيقال له: كذبت، إنما فعلت ذلك ليقال قارئ، فقد قيل. أو ليقال عالم، فقد قيل. سبحان الله! كان أبو هريرة لما يقرى هذا الحديث يغم عليه، يغشى عليه خوفاً من أن يكون من هؤلاء. ومن هو أبو هريرة رضي الله تعالى عنهم؟ من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذه الأعمال ليست من طريقة السلف. كل شيء يصور، حفل جماعي يصور، حفاظ قرآن يصورون أمام الناس وتنشى صورهم. هذا أدعى إلى الرياء والسمعة والعياذ بالله. فليكن عملك سراً أخي المسلم. احذر أن تظهر صدقاتك أو أن تظهر أعمالك، فلتكن بينك وبين الله سبحانه وتعالى. ففي إظهار الصدقة ما ذكر: إذلال الفقير أيضاً. قال: فإن خاف أن يتهم بعدم الإخراج، أعطى من لا يبالي من الفقراء بالأخذ بين الجماعة علانية. يعني بعض الناس ربما يكون عنده مال ويعطي سراً، فيقال: فلان ما يزكي، فلان ما يتصدق. فهو يخشى أن يتهم وأن يساء به الظن. ففي هذه الحال لا بأس أن... انتبه: لا بأس أن يظهر بعض صدقته، ليست كل صدقته، بعض صدقته. وكيف يبتعد عن مسألة إذلال الفقير؟ يعطي الفقير الذي لا يبالي. بعض الناس ما يبالي: صور، أو يعني أعطي أمام الناس، أو أعطي سراً، ما يبالي، عنده الأمر سواء. فلا بأس أن تعطي مثل هذا النوع، مثل هذا الصنف، بعض صدقتك، حتى تبعد عن نفسك تهمة البخل أو عدم إخراج الصدقة أو نحو ذلك. وهذه حالات ضيقة. فالآن لا أحد يقول: فلان يزكي، أو فلان لا يزكي، أو مثلاً جهات مسؤولة تلزمك بإظهار صدقتك. فالإسرار والله أعلم متيسر في هذا الزمان. فلذلك قال: فإن خاف أن يتهم بعدم الإخراج، أعطى من لا يبالي من الفقراء بالأخذ بين الجماعة علانية، وأعطى غيره سراً، الذي هو لا يحب أن تعطى له الصدقة جهراً يعطيه سراً، حتى لا يكون ذلاً له. هذه الوظيفة الثانية التي ينبغي أن يراعيها المزكي أو المتصدق. قال: الوظيفة الثالثة: أن لا يفسدها بالمن والأذى. وذلك أن الإنسان إذا رأى نفسه محسناً إلى الفقير، منعماً عليه بالإعطاء، ربما حصل منه ذلك المن، أن يقول لهذا المعطى الفقير: ألم أعطك؟ ألم أفعل لك كذا وكذا؟ فيمن عليه بهذه الصدقة. هذا مما يفسد الصدقة، كما قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ﴾ [البقرة: 264]. لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى. المن هو هذا: ألم أعطك؟ ألم كذلك أتصدق عليك؟ ألم كذا وكذا؟ دائماً وهو يذكر له ذلك. فهذا من المن. وأما الأذى: فكذلك أن يؤذيه، سواء كان بالقول أو بالفعل. يعطيه صدقة ثم يلزمه ببعض الأعمال التي لا يحب أن يقوم بها. يعطيه صدقة ثم يدعوه لأن يعمل معه، أو لأن يسب فلاناً، أو يخاصم فلاناً، أو يهجر فلاناً، أو نحو ذلك. يتحكم فيه. هذا من الأذى في الصدقة. هذا من الأذى في الصدقة. فاعطِ صدقتك من غير شرط، ولا من... من غير شرط ولا من. أما تعطيني الصدقة ثم لا بد أن أتبعك، وإن كنت على باطل، وإن كنت على انحراف وضلال، لأنك زوجتني، أو لأنك فصدقت علي، أو لأنك أعطيتني... هذا من الأذى في الصدقة. هذا من الأذى في الصدقة. أو كذلك من الأذى في الصدقة: الإلزام بالتصوير. تريد أن تأخذ مني، لابد أن أصورك. وأنت بحاجة إلى هذا المال، كونك فقيراً. هذا من الأذى، لأن فيه إذلال لهذا المعطى. فلا يحب الإذلال، وأنت تأبى إلا أن يذل من أجل هذه الصدقة. هذا من الأذى في الصدقة. هذا من الأذى في الصدقة. فما أجمل وأحسن أن تكون الصدقة سراً. بل إن استطعت ألا يعرف الفقير أن الصدقة منك، فهذا كذلك أفضل. هذا أفضل، حتى لا يكون... حتى لا يكون لك عليه من... لك عليه من. قال: ولو حقق النظر، يعني هذا المزكي، لرأى الفقير محسناً إليه بقبول حق الله الذي هو طهرة له. فاحمد الله عز وجل أن وجدت من أخذ صدقتك، ومن هو محتاج إلى صدقتك. وفي الحقيقة أن الفقير محسن إليك بقبول هذه الصدقة. قال: وإذا استحضر مع ذلك أن إخراجه للزكاة شكراً لنعمة المال، فلا يبقى بينه وبين الفقير معاملة. فأنت ما أعطيت من أجل الفقير فحسب، بل أعطيت من أجل الله، لأن الله عز وجل هو الذي أمرك في ذلك، وهو الذي رقبك في ذلك. فمن استشعر ذلك لا يبقى بينه وبين الفقير معاملة، ولا أذى، ولا منة، ولا شيء من ذلك. قال: ولا ينبغي أن يحتقر الفقير لفقره، لأن الفضل ليس بالمال، ولا النقص بعدمه. يعني لا تحتقر الفقير لأنه فقير. فمن العلماء والأتقياء من كان فقيراً. فكما ذكر هنا: الفضل ليس بالمال، ليس بالغنى، وإنما الفضل بالتقوى. هذا هو معيار الشرع. بهذا تقاس الناس بالفضل والرفعة والشرف، لا بالفقر. يقول الله عز وجل: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات: 13]. ولو كان يقاس الفضل بالمال، لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه... لا مال لهم، ما كان عندهم مال. كان النبي عليه الصلاة والسلام يمر الشهر والشهران والثلاثة ولا يوقد في بيته نار، كما جاء في حديث عائشة. فقيل لعائشة: ما كان طعامكم يومئذ؟ قالت: الأسودان: الماء والتمر. هذه حال رسول الله صلى الله عليه وسلم. أهل الصفة كانوا من علية القوم في التقوى والعلم والصبر، وكان يغشى على أحدهم من الجوع، كما ورد ذلك عن أبي هريرة وعن غيره. وهم هم في الفضل وعلو القدر، كما وقر في قلوبهم من الإيمان والتقوى. فكما ذكر رحمه الله: لا تحتقر الفقير، فلعله أتقى منك، ولعله أرفع منك درجة عند الله سبحانه وتعالى. فكما ذكر رحمه الله: الفضل ليس بالمال، ولا النقص بعدمه. من كان فقيراً ليس هذا دليل على نقص إيمانه، أو نقص توحيده، أو نقص تقواه لله سبحانه وتعالى، طالما أنه متقٍ لله عز وجل. قال: الوظيفة الرابعة: أن يستحضر العطية. قال: أن يستحضر العطية، فإن المستعظم للفعل معجب به. وقد قيل: لا يتم المعروف إلا بثلاث: بتصغيره، وتعجيله، وستره. ومعنى يستصغر العطية: مهما أعطى لله عز وجل لا يقول: قد تصدقت بكذا وكذا، ولو كانت ملايين مملينة. لا تستكثر ولا تستعظم هذه الزكاة، أو ذاك العطاء، أو ذاك العطاء. فإنك لو استعظمت ذلك ربما دفعك هذا إلى العجب. تعجب بهذا المال وهذه الصدقة، وتغتر لأنك تصدقت بصدقة كثيرة. فاستصغر كل ما تقدمه لله عز وجل. وكما ذكر في هذا الأثر: لا يتم المعروف إلا بثلاث: بتصغيره. استصغر هذه الأعمال الصالحة، حتى تعلم أن فضل الله عز وجل عليك عظيم، وأن ما قدمته لا يساوي شيئاً مقابل نعم الله عز وجل عليك. وهكذا تعجيله: أمور الخير تعجل فيها وتسرع، تسابق. وهكذا ستره: كما تقدم، تستر هذا. وبقيت وظائف أخرى، والوقت انتهى. فنكملها إن شاء الله تعالى في الدرس القادم. مكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.