الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 269، ألقاها
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التكني بأبي الحكم لأن الحكم لله وحده، وغيّر أسماء بعض الأشخاص لما تحمله من معاني سيئة.
قبل النبي صلى الله عليه وسلم تكنية هانئ بن يزيد بأبي الحكم لكونه يحكم بين قومه فيرضيهم، مما يدل على جواز التكني بهذا اللقب إذا كان يحمل معنىً وصفياً إيجابياً.
أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بإحسان الكلام وبذل الطعام، حيث أن حسن الكلام يمنع آفات اللسان وبذل الطعام سبب لدخول الجنة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، باب كنية أبي الحكم، قال: حدثنا أحمد بن يعقوب، قال: حدثنا يزيد بن المقدام ابن شريح بن هانئ الحارثي، عن أبيه المقدام، عن شريح بن هانئ، قال: حدثني هانئ بن يزيد، أنه لما وفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع قومه، فسمعهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم يكنونه بأبي الحكم، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «إن الله هو الحكم وإليه الحكم»، فلم تكنيت بأبي الحكم؟ قال: لا، ولكن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين، قال: «ما أحسن هذا»، ثم قال: «ما لك من الولد؟» قلت: لي شريح وعبد الله ومسلم بنو هانئ، قال: «فمن أكبرهم؟» قلت: شريح، قال: «فأنت أبو شريح»، ودعا له وولده. وسمع النبي صلى الله عليه وسلم قوما يسمون رجلا منهم عبد الحجر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما اسمك؟» قال: عبد الحجر، قال: «لا، أنت عبد الله». قال شريح: وإن هانئا لما حضر رجوعه إلى بلاده أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «أخبرني بأي شيء يوجب لي الجنة؟» قال: «عليك بحسن الكلام وبذل الطعام». ترجم الإمام البخاري رحمه الله هذه الترجمة باب كنية أبي الحكم، أي ما حكم التكني بهذه الكنية. ثم ذكر فيه حديث هانئ بن يزيد رضي الله تعالى عنه، وهذه الكنية كنية أبي الحكم لا يجوز التكني بها؛ لأن في التكني بها سوء أدب مع الله سبحانه وتعالى. وأسماء الله عز وجل يجب احترامها ويجب تعظيمها وتقديرها. والله جل وعلا يقول: «وما قدروا الله حق قدره». ومن تعظيم وتقدير الله جل وعلا أن تحترم أسماؤه. فإن من أسماء الله جل وعلا ما هي مختصة بالله جل وعلا لا يجوز التسمي بها، كلفظ الجلال الله والرحمن. ومن الأسماء ما تحمل معاني يمكن أن تتصف بها كذلك المخلوق، ويجوز التسمي بها. الحكم هو من الأسماء المختصة بالله سبحانه وتعالى التي لا يجوز التسمي بها ولا التكني بها؛ فإن الحكم هو الله كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، فالله هو الحكم وإليه الحكم. ولكون هانئ بن يزيد رضي الله تعالى عنه تكنى بها، وكني بها وقصد بها الوصف، قصد ما دلت عليه من معنى؛ لأنه كان يحكم بين قومه فيرضى كلا الفريقين، فكني بأبي الحكم، فقصد بها الوصفية ولم يقصد بها العالمية المحضة، يعني مجرد الاسم من غير قصد الوصف، بل قصد بها الوصف الذي هو من خصائص الله سبحانه وتعالى. فلأجل ذلك غيره النبي عليه الصلاة والسلام. كما في هذا الحديث قال هانئ بن يزيد: «أنه لما وفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع قومه، فسمعهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم يكنونه بأبي الحكم، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «إن الله هو الحكم وإليه الحكم». الله عز وجل هو الحكم، أي المتسمي باسم الحكم والمتصف بهذا الوصف لا يشاركه فيه أحد. وإليه الحكم، حكم الله جل وعلا على قسمين: حكم قدري، ومنه قول الله عز وجل: «وهو أحكم الحاكمين»، «لن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي»، «وهو خير الحاكمين». وحكم شرعي، وهو ما حكم الله أو حكم به الله جل وعلا شرعا، كقوله سبحانه: «وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله»، وقوله عز وجل: «أليس الله بأحكم الحاكمين»، وقوله: «من أحسن من الله حكما لقوم يوقنون». فهذا الحكم الشرعي. فلما تكنى هانئ بهذه الكنية، أخبره النبي عليه الصلاة والسلام بأن الله هو الحكم وإليه الحكم. فإذا كان الله جل وعلا هو الحكم، لم يجوز أن يتكنى بهذه الكنية أو أن يسمى بهذا الاسم؛ لأنه إذا تكنى بها قيل له: يا أبا الحكم، وهو مثل أن يقال: يا أبا الله؛ لأن الحكم هو الله. فلم تكنيت بأبي الحكم؟ قال: لا، يعني لم أتكن بها لكون الله جل وعلا ليس هو الحكم أو ليس الله جل وعلا مختصا بصفة الحكم. قال: ولكن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين. قال: «ما أحسن هذا»، يعني سبب التسمية أنهم يتحاكمون إليه إذا حصل بينهم شيء، أتوا يتحاكمون إليه فأحكم بينهم ويرضى كلا الفريقين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أحسن هذا». هذا عمل حسن؛ كون الإنسان يصلح بين الناس فيما يحصل بينهم من نزاعات وخصومات، فيؤلف بينهم ويصلح بينهم، هذا أمر حسن وفعل حسن. ثم قال: «ما لك من الولد؟» سأله عليه الصلاة والسلام عما له من الولد. وهذا كما قال أهل العلم: يستحب مثل هذا السؤال بين الأخ وأخيه؛ لأن هذا مما يجلب المودة والمحبة. قال: «ما لك من الولد؟» قلت: لي شريح وعبد الله ومسلم بنو هانئ، يعني هؤلاء أبنائي. قال: «فمن أكبرهم؟» قلت: شريح، قال: «فأنت أبو شريح». فكناه النبي صلى الله عليه وسلم بأكبر أبنائه. وفي هذا كما قال أهل العلم: استحباب التكني باسم الإبن الأكبر، ويجوز التكني بغيره. قال: «فأنت أبو شريح»، ودعا له وولده. وسمع النبي صلى الله عليه وسلم قوما يسمون رجلا منهم عبد الحجر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما اسمك؟» قال: عبد الحجر، قال: «لا، أنت عبد الله». وسيأتي معنا أبواب فيها تغيير النبي صلى الله عليه وسلم لكثير من الأسماء التي تحمل معاني سيئة أو كذلك فيها معنى التزكية للنفس، فغيرها النبي صلى الله عليه وسلم. وهنا سأل هذا الرجل عن اسمه، فقال: عبد الحجر، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «لا، أنت عبد الله»، غير اسمه؛ لأن فيه تعبيد لغير الله جل وعلا، ولا يجوز التعبيد لغير الله. لا يجوز التسمي بعبد الحجر، ولا عبد الكعبة، ولا عبد النبي، ولا غير ذلك؛ عبد شمس أو غيرها من التعبيد لغير الله، فإن هذا لا يجوز بإجماع أهل العلم. ولا يجوز التعبيد إلا لله عز وجل: عبد الله، عبد الرحمن، عبد الكريم، إلى آخر ذلك من أسماء الله سبحانه وتعالى. قال شريح: وإن هانئا لما حضر رجوعه إلى بلاده أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «أخبرني بأي شيء يوجب لي الجنة؟» يعني ما الأعمال التي أعملها فتكون سببا في دخول الجنة؟ وهذا يدلنا على حرص الصحابة رضوان الله تعالى عليهم على الأعمال التي تقربهم إلى الله سبحانه وتعالى وتكون سببا في دخولهم الجنة. قال: «عليك بحسن الكلام وبذل الطعام». أرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذين الخصلتين: حسن الكلام وبذل الطعام، أن يختار من الكلام أحسنه، الكلام الحسن المباح، الكلام الذي لا يخالف الشرع. فإن مواظبة الإنسان على الكلام الحسن وحرصه على ذلك سبب لنجاته؛ لأن كثيرا من الآفات التي يقع فيها الإنسان هي بسبب اللسان. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم». ويقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح عن أبي هريرة: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا تهوي به في النار سبعين خريفا». فإحسان الكلام سبب لدخول الجنة. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت». فيحرص المسلم على اختيار الكلام الحسن وأن يراعي ألفاظه وما يتكلم به؛ فرب كلمة واحدة تكون سببا في هلاكه في الدنيا والآخرة. قال: «وبذل الطعام». كذلك أوصاه النبي صلى الله عليه وسلم ببذل الطعام، يعني إنفاق الطعام والتصدق به، فإن ذلك كذلك من أسباب دخول الجنة. والله جل وعلا يقول: «وما تنفقوا من خير تجدوه عند الله وخيرا وأعظم أجرا». ويقول جل وعلا في وصف أهل الجنة: «ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا». ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن سلام في السنن: «أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام». وفي حديث عدي بن حاتم قال عليه الصلاة والسلام: «اتقوا النار ولو بشق تمرة». يعني نصف تمرة تصدق بها تكون سببا في وقايتك من النار. فكيف بمن هو أكثر من ذلك وأعظم من ذلك؟ فبذل الطعام والإنفاق سبب عظيم من أسباب دخول الجنة. أسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم للعمل الصالح الذي يدخلنا الجنة وينجينا من النار. عندنا رجل اسمه سعيد ويلقب بالحكم، والناس ما يعرفونه إلا بالحكم. لا يجوز أن يلقب بالحكم؛ لأن هذا الاسم خاص بالله جل وعلا، فلا يجوز إطلاقه على غير الله عز وجل.