الدرس في كتاب الجنائز 2، ألقاها
يتناول شرح حديث حول حادثة رجل توفي أثناء الإحرام وأحكام غسله وتكفينه. يستخلص أحكام غسل وتكفين الحاج واستعمال السدر في الغسل.
يشرح تكفين الميت المحرم وعدم تطييبه أو تغطية رأسه، ويستدل به على استمرار أحكام الإحرام بعد الوفاة. كما يتناول نهي النساء عن اتباع الجنائز وفضل اتباع الجنائز للرجال.
يتناول أحكام الصلاة على الجنازة مثل الإسراع بالجنازة ووقوف الإمام، والنهي عن مظاهر الجاهلية عند المصيبة مثل الصلقة والحلقة والشاقة.
شرح معاني بعض مظاهر الجاهلية عند المصيبة مثل الصالقة. ذكر الإمام عبدالغني أنها المرأة التي ترفع صوتها عند المصيبة أو الضاربة لوجهها.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام عبدالغني المقدسي رحمه الله تعالى: قال عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصتهم، أو قال: فوقصتهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه، ولا تخمر رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا». وفي رواية: «ولا تخمر وجهه ورأسه». قال المصنف: الوقص كسر العنق. في حديث عبدالله بن عباس رضي الله عنهما مجموعة من المسائل والفوائد. من هذه الأمور أولا قوله رضي الله عنه وأرضاه: بينما رجل واقف بعرفة، وهذا يدل على أن الرجل كان حاجا، وكان واقفا بعرفة. وهذا الرجل لا يدرى اسمه، الله أعلم باسمه رضي الله عنه وأرضاه. قال: إذ وقع عن راحلته، فيه جواز الوقوف بعرفة والإنسان على راحلته، إن كان على راحلته، سواء كانت من الدواب، وفي أيامنا هذه من سيارات ونحوها، لكن بشرط ألا يحصل فيها أذية لغيره من الحجاج. قال رحمه الله: ورضي الله عنه: إذ وقع عن راحلته فوقصته، أو قال: فأوقصته. وجاء في رواية: فأقعصته. وهذه الروايات بمعنى متقارب، بمعنى أنه أسقطته، فسقط فانكسر عنقه. وفي الرواية: فأقصته، أي تهشم عظم عنقه. وقال علماء رحمهم الله: معنى فأوقصته أنه مات مباشرة، أنه بمجرد وقوعه مات. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اغسلوه بماء وسدر». اغسل بهذا الحديث طائفة من أهل العلم، كما تقدم معنى في الدرس الماضي، على أنه يستحب أن يغسل الميت بماء وسدر. وبعض أهل العلم أوجب ذلك، قالوا: بظاهر الأمر، بظاهر الأمر: «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين» إلى آخر ما جاء. والظاهر أن هذا الأمر لا يرتقي إلى الوجوب. الغسل واجب، أما أنه بماء وسدر، أي اشتراط السدر، وأن من لم يفعل السدر يكون آثما، الظاهر أن هذا لا يوجبه؛ لأن في حديث من القرائن ما تدل على هذا. فقوله: «وكفنوه في ثوبين» ليس على سبيل الوجوب، ليس على سبيل الوجوب، بل لو كفنوه في ثوب واحد وغطي كاملا لأجزأه ذلك. فالحاصل أنه فيه الحث على أن يوصل الميت بماء وسدر هذا أولا. ثانيا: كما تقدم معنا أمس أن الماء إذا خلطه شيء من الطاهرات ولم يغيره أو لم يخرجه عن أصله فإنه يكون طاهرا مطهرا. وثالثا: أن الميت إذا كان حاجا فإنه يغسل كما يغسل غيره من الأموات بماء وسدر. وكذلك يستفاد من هذا رابعا: أنه يجوز للحاج أيضا في حال حياته أن يغتسل بماء وسدر. يغتسل بماء وسدر، وكذلك كما مر معنا في الدرس الماضي أنه يغسل بماء وسدر، أو ما كان في معنى السدر من المنظفات والمطهرات. لكن في حق الحاج أن لا تكون فيه رائحة، لا تكون فيه رائحة، بمعنى أنه لو وصل بنوع من الصابون ليس فيه رائحة عطرة، ليس فيها شموع معطرة من روائح معطرة فلا بأس بذلك. وكذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اغسلوه بماء وسدر» يدل على هذه المعاني. وكذلك في قول: يغسلوه بماء وسدر، استدل به الإمام الشافعي رحمه الله تعالى على جواز قطع سدر مكة، وإن كان ماذا؟ ويخرج من عموم النهي عن قطع ماذا؟ عن قطع أشجارها. قال لعموم هذا الحديث: «اغسلوه بماء وسدر»، فاستدل به على هذا المعنى، وهو استدلال كما ترون له حظ من النظر. قال رحمه الله: قال صلى الله عليه وسلم: «وكفنوه في ثوبين». الغسل كما مر معنا الأصل في الغسل أنه واجب، غسل الميت واجب. والعلماء رحمهم الله تعالى على أنه واجب على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الآخرين. وكذلك التكفين، وكذلك التكفين. لذا قال العلماء رحمهم الله تعالى: غسل الميت وتكفينه وحمل جنازته والصلاة عليه ودفنه كل ذلك من فروض الكفاية إذا قام به البعض سقط على الآخرين، وإن لم يقم به الكل فإنهم يأثمون، يأثم من علم وقدر ولم يفعل. فقوله: «وكفنوه في ثوبين» يدل على وجوب الكفن، على وجوب تكفين الميت، ولو كان ماذا؟ ولو كان حاجا ولو كان محرما فإنه يتكفن كذلك. وقوله: في ثوبين، استدل به العلماء على عدم اشتراط الثلاثة الأثواب. فقوله: في ثوبين يدل على هذا. وجاء في بعض الروايات أنه قال: «فكفنوه في ثوبيه». استدل به أهل العلم أو بعض أهل العلم أن مؤنة التجهيز أول ما يقدم من حقوق مؤنة التجهيز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اغسلوه في ثوبه» ولم يستفصل هل عليه دين هل هو غارم؟ إلى غير ذلك. فقال: «اغسلوه في ثوبه»، قال: وهذا يدل على أن حق الميت أي مؤنة الميت يقدم على ماذا؟ على غيره من الحقوق. قوله: «ولا تحنطوه» معا لا تحنطوه، أي لا تطيبوه. استدل به أهل العلم أن أحكام المحرم تستمر ولو بعد الوفاة، أحكام المحرم تستمر ولو بعد ماذا؟ بعد وفاته. فإن المحرم لا يجوز له الطيب في حال حياته، وكذلك لا يجوز أن يطيب بعد ماذا؟ بعد مماته أخذا بهذا الحديث في قوله: «ولا تحنطوه» أي لا تطيبوه بطيب. قال: «ولا تخمر رأسه» كذلك فيه أن الميت المحرم لا يخمر رأسه، أي لا يغطى كما أنه لا يغطى في حال حياته وهو محرم. المحرم لا يغطي رأسه ولا يخمر رأسه. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم معللا لهذا الحكم: «فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا». هذا تعليل لهذا الحكم. لماذا لا تحنطوه ولا تخمر رأسه؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا». وفي هذا فضيلة من مات وهو محرم. وفيه كذلك إشارة إلى أن الإنسان في يوم عرفة كذلك يستحب له أن يستمر في ماذا؟ في تلبيته: «لبيك اللهم لبيك» إلى آخر التلبية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا». وهو كان واقفا أين؟ في عرفة. فاستدل من استدل من أهل العلم هذا باستحباب التلبية في يوم عرفة لهذا الحديث. فقوله: «فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا» فيه معنى من معاني حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يموت المرء على ما مات عليه». قال رحمه الله: وفي رواية: «ولا تخمر وجهه ورأسه». وهذا واضح كذلك في أن المحرم إذا كفن لا يغطي رأسه ووجهه. وهذا لفظ وجهه استشكلها بعض أهل علم؛ لأن المحرم يجوز له أن يغطي وجهه، ولكن لا يجوز له أن يغطي رأسه. فقالوا: كيف يعمل بهذه الرواية؟ بعضهم أعل هذه اللفظة لفظة وجهه، قالوا: بأنها ليست بمحفوظة. وذهب بعض أهل علم إلى أنها محفوظة وأنها صواب، وهو الذي ذهب إليه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى. فحملوا ووجهوا هذه الرواية على أنهم من باب التحرز من أن يغطي رأسه، كذلك منع من أن يغطي ماذا؟ وجهه؛ لأنه إذا غطي وجهه وهو ميت ربما انتقل الثوب من وجهه إلى رأسه. قالوا: فلأجل هذا المعنى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا تخمر وجهه ورأسه». قال رحمه الله تعالى: عن أم عطية الأنصارية قالت: «نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا». قولها رضي الله عنها: «نهينا عن اتباع الجنائز» الأصل في النهي أنه للتحريم. ومع هذا دلت قرينة هنا أن هذا النهي ليس للتحريم؛ لقولها رضي الله عنها وأرضاها: «ولم يعزم علينا»، فكأنها تقول: نهينا عن اتباع الجنائز نهي كراهة ونهي تنزيه لا نهي تحريم. بخلاف الرجال فإنهم أمروا باتباع الجنائز وحثوا على ذلك، وأن من تبع الجنازة فله قيراط، فله قيراط. وذلك أن من تبع الجنازة إلى أن تصلى فله قيراط، ومن تبعها إلى أن تدفن فله قيراط. بخلاف المرأة، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم نهى النساء عن ذلك. وقولها: «ولم يعزم علينا» كما سمعتم في دلالة على مشروعية ذلك، ولكن لم يعزم عليهن، في دلالة على مشروعية ذلك، ولكن هل الأفضل الفعل أو الترك؟ الأولى والأفضل الترك؛ وأنهن إذا خرجنا فإنهن وقعنا في الكراهة. قال رحمه الله تعالى: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أسرعوا بالجنازة؛ فإنها إن إن إن إن إن إن إن إنها إن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم». قال: «أسرعوا بالجنازة». وهذا فيه أمر بالرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه معنى الحث. وفيه معنى كذلك الحث على الإسراع بالجنازة. والأصل في الأمر للوجوب، ولكن ها هنا قد يستفاد منه هذا الأمر، وقد يستفاد منه ماذا؟ الحث على الإسراع؛ لأنه علل له بقوله صلى الله عليه وسلم: «فإنها إن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تكون سوى ذلك أي سيئة فشر تضعونه عن رقابكم». ففيه أن الميت إذا وضع على النعش فعلى من حمل الميت أن يسرع أن يسرع بذلك الميت. وهل يسرع به إسراعا بحيث يحصل الطراب لذلك الميت واهتزاز؟ الجواب: لا ينبغي الإسراع، ولكن الإسراع مع ما فيه من معنى ماذا؟ السكينة والوقار، إسراع مع ما فيه من معاني السكينة والوقار لعمومات الأدلة في ذلك. فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أسرع به» أي أسرع بالمشيء فيه إسراعا لا يخرج عن معنى ماذا؟ عن معنى السكينة والوقار لعمومات الأدلة في الحث على ذلك. قوله صلى الله عليه وسلم: «فإنها إن تك صالحة». طيب قبل ذلك قوله: «أسرع بالجنازة» فيه جواز إطلاق الجنازة على الميت، فيه جواز إطلاق الجنازة على ماذا؟ على الميت. وكذلك إطلاقها على ماذا؟ على النعش. ولكن هاهنا إطلاقها على الميت أظهر؛ لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإنها إن تك صالحة فخير تقدمونها إليه». ما الذي يقدم النعش أو الميت؟ الميت. قال: «وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه على رقابكم». فهذا تعليل للإسراع، فهذا تعليل منه صلى الله عليه وسلم للإسراع. وكذلك في الحديث من الفوائد والمسائل: أن الجنازة قد تكون صالحة وقد تكون طالحة. والإنسان لا يعلم بذلك، لا يعلم بذلك هل ذلك الميت الذي يحمله على عاتقه وعلى كتفه هل هو من أهل الصلاح أو من أهل الشر؟ فالله أعلم. وهذا يدل على أن الناس لا يعلمون من الناس إلا الظواهر، إلا الظواهر. والله جل وعلا يتولى السرائر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فخير تقدمونها إليه وإن تك سوى ذلك فشر تضعونهم عن رقابكم». قال رحمه الله تعالى: عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: «صليت وراء النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة ماتت في نفاسها، فقام وسطها». قوله: «صليت وراء النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة ماتت في نفاسها» فيه دلالة على أن المرأة إذا ماتت في نفاسها فإنه يصلى عليها، وإن جاءت بعض الأحاديث من أنها من الشهداء، أنها من الشهداء. أي المرأة تموت في نفاسها جاء في بعض الأحاديث أنها من الشهداء. ففي هذا الحديث أنه يصلى عليها وإن كانت كذلك. وفي الحديث أيضا من المسائل: أن الإمام إذا صلى على الجنازة وكانت تلك الجنازة امرأة فإنه يقف في وسطها، فإنه يقف في وسطها. وقد ذكر العلماء أو بعض أهل العلم أن في ذلك حكمة، ومنها الستر لتلك المرأة، فالله أعلم هل هذا هو المقصود أم المقصود غير ذلك؟ قال رحمه الله تعالى: وعن أبي موسى عبد الله بن القيس الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم برئ من الصالقة والحالقة والشاقة. ومعنى هذا أن هذه الأفعال من الكبائر. وقوله: «برئ» أي قال: «أنا بريء من الصالقة والحالقة والشاقة» كما جاءت في بعض الروايات. وبرأته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من هؤلاء يدل على أن هذا الفعل من الكبائر، أن هذا الفعل من كبائر الذنوب الذي يحتاج إلى توبة وإنابة واستغفار. وقوله: «من الصالقة» الصالقة التي ترفع صوتها بالبكاء. وقيل: الضاربة لوجهها. قيل: هذا. وقيل: هذا. قال الحافظ رحمه الله تعالى: والأول أشهر. «والحالقة» الحالقة، قالوا: التي تحلق رأسها عند المصيبة، تحلق رأسها عند الموت نحوه. «والشاقة» هي التي تشق ثوبها كذلك عند المصيبة. ومن تأمل في هذه المعاني الثلاثة رآها من أمور الجاهلية، رآها من أمور الجاهلية التي يفعلها بعض النساء تشبها بأهل الجاهلية. ففيه تحذير النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من مشابهة أهل الجاهلية، بل والبراءة من هذه الأفعال، وكذلك من من يفعلها من هذه الأفعال ومن يفعلها. قال الإمام عبدالغني رحمه الله تعالى: «الصالقة التي ترفع صوتها عند المصيبة هذا هو الصحيح المشهور، وقيل: كما سمعتم أنها الضاربة لوجهها، والله تعالى أعلم». وسبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.