الدرس في شرح كتاب التوحيد 300، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح هذا الفصل حديث ابن مسعود رضي الله عنه الذي يصف المسافات بين السماوات والكرسي والعرش، ويبين عظمة خلق الله. المؤلف يستدل بهذا الحديث على عظمة الله وضرورة توحيده وإجلاله.
يتحدث هذا الفصل عن عظمة الخالق ودلالة الحديث على علو الله على خلقه، ويتناول مسألة الماء وعرش الله عليه. يؤكد على أهمية الاعتقاد بعقيدة العلو استنادًا إلى القرآن والسنة والإجماع والعقل والفطرة.
يتناول هذا الفصل موضوع علو الله تعالى واستواءه على العرش، مستندًا إلى القرآن والسنة وإجماع الأمة. يبين أن إنكار علو الله هو بدعة ظهرت مع الجهمية وأتباعهم، ويشرح معنى استواء الله على عرشه.
يتضمن هذا الفصل الدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الختام احترامًا وتقديرًا للنبي وتأكيدًا على علم الله تعالى.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كل سماء وسماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم. قال: أخرجه ابن مهدي عن حمد بن سلمة عن عاصم عن زر عن عبد الله، ورواه بنحوه المسعودي عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله. قال الحافظ الذهبي: وله طرق. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الأثر بطوله، وهو لا يزال يورد لنا الآيات والأحاديث تحت هذا الباب: باب ما جاء في قول الله تعالى ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾. والمؤلف رحمه الله تعالى يورد لنا الآثار والأحاديث الدالة على عظمة الله، والتي إن تمعنها إنسان حين يستشعر بعظمة ربه الذي ينبغي أن ينقاد له بالعبادة والطاعة، وأن يكن له الإجلال والإعظام. ومن أعظم ما يكون من الإعظام لله الإذعان له بالتوحيد، فهو سبحانه الذي يعبد وهو الذي يوحد، فلا شريك له. ولهذا كان من الظلم العظيم الذي يقترفه الأنام أن جعل لله شركاء، هو سبحانه خالق هذه الأكوان بما فيها، ثم بعد ذلك تأتي أصابع البشر ويقولون: مع الله هذا الصنم، وهذا الحجر، وهذا الوثن، قد صنعوا وخلقوا مع الله كذبًا وزورًا. فالله عز وجل هو الخالق وهو المبدع لهذه الأكوان. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث أو هذا الأثر عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، وهذا الأثر فيه من المسائل. الأولى، إخواني في الله، أن نرى أن هذا الأثر هو من قول عبد الله بن مسعود، وهذا الذي يعبر عنه بأنه موقوف. والأسانيد التي جاءت إلى عبد الله بن مسعود هي أسانيد صحيحة متصلة، فالعلماء على تصحيحها أو تحسينها. هذا الأثر قد رواه أبو عثمان الدارمي رحمه الله تعالى، والبيهقي، وابن خزيمة، وحسنه جماعة من الأئمة ومن أهل العلم. منهم من يرى أن هذا الأثر، إن كان من قول عبد الله بن مسعود، إلا أن له حكم الرفع، لأن هذا مما لا يقال بالرأي ولا بالاجتهاد. فلا يستطيع ابن مسعود رضي الله تعالى عنه بفكره أن يجول بخاطره إلى السماوات فيعرف مثل هذه المسائل الدقيقة. قال العلماء: هذا لا يتأتى من عبد الله بن مسعود، خاصة أنه لا يروي الإسرائيليات. فقالوا: ما من طريق استطاع ابن مسعود أن يصل إلى هذه المعلومات إلا من خبر نبينا عليه الصلاة والسلام. قالوا: إذن هذا الأثر، إن كان موقوفًا على عبد الله بن مسعود، إلا أن له حكم الرفع. هذا الأثر، إخواني في الله، بعد التخريج، تأتي لنا عدة مسائل. منها البيان لعظم المخلوقات التي خلقها الله عز وجل. وتلاحظ، يا عبد الله، أن الكون والخلق كلما ارتفع اتسع، كما قال سبحانه ﴿والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون﴾. سعة عظيمة جعلها الله عز وجل في السماوات. نحن نعم في هذه الأرض اليابسة، لربما تذهب إلى صحاري واسعة تنقطع دونها الأنظار، لكن إذا دخلت إلى البحار وإلى المحيطات والخلجان رأيت ما هو أوسع من الأراضي. لربما وقع الضياع في البحر بواخر، بوارج لا أحد يرى الثاني لعظيم مساحة البحار. فما ظنك، يا عبد الله، بالسماء والتي أوسع بكثير من الأرض وما حوت؟ الكون كلما ارتفع اتسع، وهذا الحديث وهذا الأثر الذي بين أيدينا فيه بيان لعظيم السعة، فيه بيان لعظمة الكرسي إذا قورن بالسماء، ولعظمة العرش إذا قورن بالكرسي. فهذه المخلوقات كلما ارتفعت اتسعت، وهذا يدل بعظم المخلوقات. بماذا نستدل بهذا؟ نستدل بهذا على عظيم الخالق سبحانه وتعالى. أنت في هذه الدنيا إذا رأيت شيئًا ما أبهرك من الصناعات الحديثة، فإنه سرعان ما يدلك هذا الإبهار وهذا الإبداع إلى عظيم صانعه وإلى عبقريته. ولله المثل الأعلى سبحانه، فالله عز وجل لما خلق هذه المخلوقات العظيمة، حينها تخضع، يا عبد الله، إلى معرفة شيء من عظمة الرب سبحانه وتعالى. وفي هذا الأثر كذلك التأكيد لما مر معنا في درس أمس من أن الكرسي شيء، وأن العرش شيء آخر. وأخطأ من جعل الكرسي والعرش أمرًا واحدًا. كذلك فيما ذكرنا في درس أمس على أن الكرسي يعد أمرًا محسوسًا، وهكذا العرش. وأخطأ من زعم بأنها أشياء معنوية، فزعم أن الكرسي بمعنى العلم، وزعم أن العرش بمعنى الملك والسيطرة. وهذا خروج عن النصوص الشرعية. وكذلك في هذا الأثر فيه إثبات لمسألة الماء. لأن ابن مسعود قال: بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كل سماء وسماء حتى قال: وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام. أي الفترات بين هذه المسافة إلى تلك المسافة خمسمائة سنة، خمسمائة سنة، خمسمائة سنة. يا عبد الله، وأنت تمشي، من هذا الذي يمشي خمسمائة سنة؟ الواحد منهم لو مشى سبعين سنة ذهب عمره كله. أعمارنا بين السبعين والثمانين، قل من يتجاوز المئة. هذا الذي عندنا المعمر إذا وصل المئة. طيب تصل إلى المئتين، الثلاث، الأربع، الخمس، خمسمائة سنة فقط تصل ما بين السماء إلى السماء التي بعدها، ثم تحتاج إلى أخرى مدة أخرى. ولهذا قدر العلماء هذه المسافات من السماء إلى الماء بقدر أربعة آلاف سنة، حسبها العلماء الحساب على هذا الأثر. أن المسافة التي بين السماء الدنيا إلى الماء مسافة أربعة آلاف سنة. أعمار عظيمة، فترات طويلة، ما أحد يستطيع أن يصل هذه المسافات. هذه كلها من خلق الله، وما أحد يعلم بما فيها من خلائق وأكوان. وجعل الله فيها من أهلين لا أحد يعلم بها إلا الله، هو الذي خلق سبحانه وتعالى. فالشاهد، إخواني في الله، أن في هذه الآثار فيها بيان لمسألة الماء. وقد جاء التنصيص بوجود الماء في كتاب الله سبحانه وتعالى في قوله جل في علاه ﴿وكان عرشه على الماء﴾. لكن في الآية بيان قضية وجود الماء، وأن العرش عليه كان ذلك قبل خلق السماوات والأرض. وهذا حين أن أراد الله عز وجل أن يخلق السماوات والأرض، كان حينها عرشه على الماء. تبقى المسألة بعد ذلك: وهل هذه الصورة ذهبت؟ الجواب: لا، بل هي باقية، بدليل ما جاءت في الأحاديث الصحيحة الكثير الوفيرة. كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: «وعرشه على الماء». جاء في الصحيحين «وعرشه على الماء». وجاء كذلك في عدة أحاديث التأكيد لقضية الماء، وأن الماء موجود، وعرشه على الماء. إذن ﴿وكان عرشه على الماء﴾ جاء في القرآن في بيان أن ذلك قبل نشأة الخليقة، والأحاديث أثبتت أن هذه القضية لا زالت هنا. يأتي قد ربما تأتي الأفكار في قضية: كيف هذا الماء؟ نقول: الله أعلم، الله أعلم. نعم، ذهب جماعة من السلف في جعل أن هذا الماء إنما يسير بمجرى الرياح، وأن الرياح الذي تحمل هذا الماء. فالله أعلم، ما عندنا أدلة. لكن نكتفي بما جاء به القرآن والسنة: ﴿وكان عرشه على الماء﴾. وأيضًا في هذا الحديث أو في هذا الأثر، حين قال ابن مسعود: قال وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، قال: والعرش فوق الماء، والله فوق العرش. وهذا يدل على عقيدة أهل الإسلام، والتي لا يجوز لأحد أن يخرج عنها، وهي قضية العلو. فالله سبحانه وتعالى عال على خلقه. وقد جاءت أدلة العلو في أدلة كثيرة جدًا جدًا، بل بكل المصادر التي يستدل بها المسلم، كما قال العلماء: القرآن، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة. كل هذه المصادر دلت على إثبات هذه العقيدة الراسخة الواضحة البينة. ومن يمكن لأحد أن ينتزعها من قلبه مهما كان؟ مهما كان، فإن القلوب تهفو إلى الله. وأين الله؟ الله في السماء، قالها نبينا عليه الصلاة والسلام. ما يتفوه به أهل البدع من إنكارهم لعلو الله. أورد الإمام ابن القيم، وهكذا الذهبي، عندما صنف كتاب العلو، أثبت أن علو الله جاء في ألف دليل. ألف دليل. وأنت، يا عبد الله، تقرأ القرآن، وتمر عليك الآيات الدالة على علو الله، فهو الأعلى جل في علاه. آيات العروج، آيات الفوقية، آيات الصعود، آيات النزول، أنه أنزل من عنده الكتاب، وأنزل الوحي، كل ذلك يدل على علو الله دون مكابرة. وما جاءت المكابرة إلا عندما ظهر أهل الإفك. وقد أشار الذهبي رحمه الله تعالى أن أول مقالة، وأول من صدر عنه إنكار العلو، هو الجعد بن درهم الهالك، الذي أنكر صفات الله عز وجل، أنكر صفات الله وما ينبغي لله. فأقيم عليه حد الإسلام، فقتل. قتله خالد بن عبد الله القسري. قتله لما أنكر أن الله عز وجل مستو على عرشه، عال على خلقه. قتل باتفاق أهل العلم. ثم أخذ هذه المقالة السيئة من إنكار علو الله الجهم بن صفوان، ثم أنشأ مذهب الجهمية. وبعد ذلك تفرقت الفرق الضالة من أمثال المعتزلة والأشاعرة والماتوريدية والكلابية وغيرهم. المدارس كمدرسة التفويض والتأويل والتحريف والتعطيل. كل هؤلاء إنما انبثقوا من هذه الفرق الضالة. أما ما كان عليه في القرآن والسنة، وعليه إجماع الأمة من لدن الصحابة إلى اتفاق أهل السنة في كل زمان ومكان على إثبات علو الله سبحانه وتعالى، وأن الله استوى على عرشه استواء يليق به. كما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى عندما جاءه الرجل قال: الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟ أنكر عليه إمام مالك هذه المسألة، وهو السؤال عن الكيفية. قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. أي لا تسأل عن الكيفية. ودائمًا في قضايا الأسماء والصفات نؤمن بها، لكن الكيفية الله أعلم بالمراد منها، فلا نكيف. فالشاهد أن هذا الأثر فيه بيان لاستواء الله عز وجل. وكان عرشه على الماء، ثم قال ابن مسعود فيه: قال والله فوق العرش، ولا يخفى عليه شيء من أعمالكم. وهذا كذلك إشارة إلى هذه المسألة العظيمة. فهو الله عز وجل، مع أنه جل في علاه عال على خلقه، عال على خلقه، إلا أنه قريب منهم، لا يخفى عليه شيء. علمه أحاط بخلقه، لا يعزب عنه من أفعالهم ولا من أقوالهم ولا من حركاتهم ولا من سكناتهم شيء. فهو عال قريب، عال قريب سبحانه وتعالى. فهو فوق العرش، ومع ذلك لا يخفى عنه سبحانه وتعالى من أعمالنا شيء. وهذا قد جاء به القرآن، كما في قوله سبحانه وتعالى ﴿الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم﴾. فلما أخبر سبحانه وتعالى أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم استوى على العرش، يعلم، يعلم، يعلم كل شيء. معنى استوى على عرشه: استوى على عرش يليق بجلاله، لكنه يعلم بكل شيء. يعلم ما يقع في الأرض، ما يخرج منها، وما ينزل منها، وما يعرج من السماء، وما يصعد إليه، كل شيء يعلمه ربنا. وهو معكم أينما كنتم، بماذا؟ بعلمه سبحانه وتعالى. لا يخفى عليه سبحانه شيء من أعمال العباد. فقال ابن مسعود: قال: فهو فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم. فشاهد، إخواني في الله، أن هذا الأثر العظيم من الآثار التي يستدل بها العلماء. والمؤلف رحمه الله تعالى سلك هذا المسلك بإيراد هذا الأثر العظيم للدلالة على عظيم خلق الله سبحانه وتعالى لخلق السماوات والأفلاك، ولما كان من عظيم خلق الكرسي والعرش. وكل ذلك دلالة على عظمته جل في علاه. وكل ذلك يدخل في باب ما جاء في قول الله ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.