الدرس في شرح كتاب التوحيد 298، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح الأثر الذي يصف عظمة الله تعالى بمقارنة حجم السماوات والأرض بالنسبة لكف الرحمن، ويتناول صحة هذا الأثر وإثبات صفة الكف لله تعالى. يُبين أهمية فهم عظمة الله تعالى من خلال هذا الأثر.
يفسر الآية القرآنية "الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن" ويستشهد بالأحاديث النبوية التي تؤكد أن الأرض سبع أراضين مثل السماوات السبع. يُظهر المقطع دلالة النصوص الدينية على هذه الحقيقة.
يتناول اختلاف العلماء في تفسير الأراضي السبع، حيث ذهبوا إلى آراء متعددة حول هيئتها، فمنهم من اعتبرها أراضٍ منفصلة أو طبقات فوق بعضها. يُظهر المقطع عدم وجود دليل صريح يحدد هيئتها.
يتضمن الدعاء بأن ينفع الله السامعين بما سمعوه، والصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويُنهي المتحدث كلامه بالتوجه إلى الله بالدعاء والصلاة على النبي. يُظهر الختام الإيماني للحديث.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وروي عن ابن عباس قال: ما السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كحرد له في يد أحدكم. هذا الأثر أورده المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب الذي لا زلنا فيه، وهو في قوله رحمه الله تعالى: باب ما جاء في قول الله ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾. وذكرنا أن هذا الباب هو الباب الأخير من كتاب التوحيد. المؤلف رحمه الله تعالى روى هذا الأثر عن ابن عباس قال: ما السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم. ومن مسائل هذا الأثر أولاً أن نعلم أن هذا الأثر هو من قول ابن عباس، وهذا الذي يعبر عنه بأنه أثر موقوف، أي من قوله رضي الله تعالى عنه. هل له حكم الرفع؟ المسألة فيها خلاف. والمسألة الثانية متعلقة بصحة هذا الأثر، هل هذا الأثر ثابت عن ابن عباس أم لا؟ من أهل العلم من أشار إلى ضعفه، ومنهم من أشار إلى تحسينه، لأن مداره على عمر بن مالك النكري. عمر بن مالك النكري هذا الراوي اختلف فيه العلماء، الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى في تهذيب التهذيب أشار إلى توثيق ابن حبان له. ومنهم من حكم عليه بالجهالة. شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أورد هذا الأثر في بعض كتبه، فقال: وهذا الأثر وأمثاله معروف في كتب الحديث. وكذلك وجد من بعض المحققين من المعاصرين من أشار إلى أن هذا السند أو هذا الأثر ظاهره الصحة. وسأتي معنى أن هذا الأثر ينفع في الشواهد لكثرة الشواهد التي جاءت في الأحاديث النبوية التي تدل على صحة معناه وما دل عليه. إذن هذا الأثر ما الذي يقول فيه ابن عباس؟ يقول ابن عباس رضي الله تعالى عنه: ما السماوات السبع والأرضون السبع، تخيل يا عبد الله هذه الأحجام العظيمة ما بها؟ قال: ما هي في كف الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم. وما هي الخردلة؟ الخردلة هو مفرد خردل، والخردل هي نبتة صغيرة جدًا يقدرها بعضهم بحبة السمسم ونحوها. فهذه الخردلة يؤتى بهذه الكلمة في الدلالة على صغر الشيء، كما جاءت في كثير من الأحاديث «ليس في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان» يعني ما عندهم من الإيمان إلا القليل كمثقال الخردل. فالخردل يضرب به المثل على قلة الشيء وضعفه. فربنا سبحانه وتعالى كما يقول ابن عباس: أن السماوات وما فيها والأرض وما احتوته هي بالنسبة إلى الله جل في علاه كماذا؟ كخردلة في كفه سبحانه وتعالى. وفي هذا الحديث كذلك إثبات لصفة الكف لله جل في علاه، وغثبت في صحيح مسلم «ما تصدق أحد بصدقة إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل» الحديث. فهذه الأحاديث مما مضى، وكما أسلفنا فيها الإثبات لصفات الله، وصفات الله جل وعلا نثبتها للرب من غير تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل ولا تحريف، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. فالشاهد أن المؤلف رحمه الله تعالى أورد هذا الأثر تحت هذا الباب «باب ما جاء في قوله تعالى ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾». وإن التمعن في هذا المثال لينبيك يا عبد الله عن حقارة الدنيا وما فيها، فكل الأرض ليست فقط هي بل معها السماوات لا هي بشيء أمام الرحمن سبحانه وتعالى. فالإنسان عليه أن يعلم عظم الرب الذي أقبل على طاعته وأقبل على عبادته، فلا يجعل معه شريك ولا يجعل معه ند ولا مثيل ولا نظير سبحانه وتعالى. وفي هذا الأثر كذلك مسألة وهي على أن السماوات هي سبع، وكذلكم الأرض هي سبع. ما يتعلق بأمر السماوات فإن النصوص كثيرة وكثيرة جدًا، مئات النصوص القرآنية التي دلت على أن الله سبحانه وتعالى جعل السماوات على سبع سماوات طباقًا. لكن بقي الأرض هل الأرض سبع أم لا؟ في هذا الأثر أشار ابن عباس قال: ما السماوات السبع والأراضون السبع. وهذه المسألة قال العلماء: على أن الأرض هي سبع بدلالة القرآن والسنة. أما بدلالة القرآن فلم يأتي معنا التصريح بهذا العدد، وإنما جاء الإشارة والتلميح في موطن واحد من القرآن، موطن واحد من القرآن جاءت فيه الإشارة على أن الله عز وجل جعل الأرض على سبع أراضين، وهي في قوله سبحانه وتعالى: ﴿الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن﴾. هنا السؤال المتبادر: مثلهم ما هي المثلية التي كانت للأرض فشابهت السماوات؟ إن قلنا أن الأرض مثل السماوات من حيث الكيفية والهيئة، الجواب هذا ليس بصحيح بدلالة الحس والمشاهدة. فهي نحن نرى السماوات وهي السماء الدنيا أمامنا نراها في الأعلى والأعلى والأعلى، وهذه الأرض التي نحن نعيش عليها هل هذه مثل هذه؟ الجواب لا. إذن الحس يستبعد أن تكون المثلية في الكيفية والهيئة. قال العلماء: إذن لم يبق إلا العددية، فالله عز وجل خلق السماوات خلق السبع سماوات وخلق الأرض مثلها. إذن قال العلماء: المثلية في العدد، فالسماوات سبع والأرض سبع. ومن تأمل في أقوال المفسرين يرى أنها تكاد أن تطبق على هذا الفهم لفهم هذه الآية «ومن الأرض مثلهن» أي مثلها في العدد، فالأرض سبع. بل من أهل العلم من ذكر الإجماع، إجماع المفسرين على أنهم فهموا من هذه الآية على أن الأرض مثل السماوات سبع سبع أراضين. هذا في القرآن، أما من السنة فالأحاديث واضحة جلية، من ذلك ما جاء في الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: «من ظلم قيد شبر أو من أخذ شبر من الأرض ظلمًا طوقه الله من سبع أراضين». طوقه الله من سبع أراضين جاء هذا في الصحيحين، جاء من حديث سعيد وجاء من حديث عائشة وجاء من حديث أبي هريرة وغير واحد. وأيضًا كذلك من أحاديث السنة ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام وفي دعائه «اللهم رب السماوات السبع وما أظللن ورب الأراضين السبع وما أقللن». وهذا الحديث رواه البخاري، فأخبر نبينا صلى الله عليه وسلم على أن الأرض سبع. وهكذا ما ذكره الوادعي رحمه الله تعالى في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر بن العاص قال: قال عليه الصلاة والسلام: «لو أن السماوات السبع والأراضين السبع كنا حلقة مبهمة». فالشاهد أن النصوص النبوية كثيرة في بيان على أن الأرض سبع أراضين. بعد هذه المسألة تأتي مسائل وهي ما يتعلق بكيفية الأراضي السبع، ما يتعلق بعض التفاصيل فيها. من هذه المسائل التي يذكرها العلماء: هل هذه الأراضي السبع هل لها سكان؟ هل لها سكان؟ السماوات نعم لها سكان، في كل سماء لها أهل جعل الله لها سكانًا من الملائكة، السماء الأولى السماء الثانية السماء الثالثة السماء الرابعة كل سماء لها عمار خلقهم الله لها. لكن بقي الأرض هل الأرض السبع لكل أرض لها سكان؟ الجواب ما عندي دليل صريح صحيح يدل على ذلك. نعم جاءت بعض الآثار لكنها ضعيفة على أن ما من أرض إلا ولها سكان، لكن ما صح شيء من ذلك. المسألة الأخرى وهي كيفية الأراضي السبع كيف هي؟ اختلف العلماء في فهم هذه الأراضي السبع. من أهل العلم من ذهب إلى أن الأراضي السبع هي على النحو التالي: منهم من قال: هذه الأرض التي نحن الآن نعيش فيها هي تعد أرضًا واحدة، قالوا وبقيت ستة أراضي الله أعلم أين هي. هذه مثلاً الأرض الأولى نحن نعيش عليها، هناك أرض ثانية وأرض ثالثة وأرض رابعة وأرض خامسة أين هذه؟ قالوا الله أعلم بها. قالوا هذه الأراضي السبع هذا قول، نعم قال به بعض العلماء، لكن ليس بصحيح، بل هذا بعيد. القول الثاني ممن يقول يتكلم أو تكلم حول ما هي الأراضي السبع قال: الأراضي السبع هي هذه القارات السبع. من درس في ما يتعلق بجغرافية الأرض وأن الأرض مقسمة إلى سبع قارات، فذهب بعض العلماء قالوا: هذه القارات السبع هي الأراضين السبع. وهذا كذلكم ليس بصحيح، ولهذا استبعد العلماء هذه الأقوال. لماذا تستبعد؟ لأدل كثير منها ما قد مضى معنى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ظلم أو أخذ شبرًا من أرض ظلمًا طوقه الله من سبع أراضين». دل على أن الأراضين السبع موجودة طبقات موجودة طبقات، وأن تنطبق على هذا الظالم. إذن ليست الأراضين السبع كما قيل في المذهب الأول أنها مجرات بعيدة كيف سيؤتى بها؟ ولا يقال بأنها قارات السبع لا. فقوله عليه الصلاة والسلام «طوقه الله من سبع أراضين» دل على أن هذه الأراضي السبع هي طبقات بعضها فوق بعض، نحن في الطبقة العليا والبقية دون. يأتي الآن المذهب الثالث والرابع. قالوا: الذي سمعتموه أن الأراضين السبع هي أراضين طبقات طبق فوق بعض، نحن في العليا وهناك الدون وهناك الدون وهناك الدون. هنا تم خلاف بين أهل العلم، منهم من ذهب إلى ما بين الأرض والتي دونها هناك فراغ، هناك مسافة ما بين الأرض السابعة والأرض السادسة التي دوننا كما بين السماء والأرض. وهكذا قس باقي الأراضي، وهذا القول كثيرًا ما ينسب إلى الجمهور، والله تعالى أعلم بهذه النسبة على أنها طبقات وبين كل طبق وطبق فراغ كما بين السماء والأرض. هذا المذهب الثالث. المذهب الرابع قالوا: نعم هي طبقات لكنها طبقات غير كما قال موجودة فيها فجوات، بل هي طبقات متلاصقة مترابطة. وهذا الذي نقل عن بعض السلف كالضحاك رحمه الله تعالى، وذهب إليه جماعة من المعاصرين. وشبه هذه المسألة الأخيرة بماذا؟ شبهوها بالبصل، البصل لو ذهبت إلى البيت وتأتي ببصلة تجد الغلاف الأول أنزعه ماذا يأتيك؟ الغلاف الثاني إنزعه يأتي الذي بعده إنزعه هكذا الطبق فوق طبق. فبعض مثل الأرض السبع كهذه البصلة تكون طبقات بعضها فوق بعض متصلة. هذا إخواني في الله، طبعًا ما عندي دلالة لا من السنة ولا من القرآن، وإنما هي استنباط واجتهاد من العلماء في كيفية ما هي الأراضي السبع. ولهذا من أهل العلم من توقف، نقول: نؤمن بما جاء في اللفظ، ونقول: هي سبع أراضي، أما ما يتعلق بماهيتها بكيفيتها بهيئتها فالله أعلم بالمراد من ذلكم. فالشاهد إخواني في الله في هذا الأثر الذي أورده المؤلف رحمه الله تعالى في قول ابن عباس «ما السماوات السبع والأراضون السبع في كف الرحمن إلا كحردلة في يد أحدكم» إشارة إلى بيان ما يتعلق بماذا؟ بعظيم قدرة الله جل وعلا، وما يتعلق بعظيم حقارة هذه الدنيا. أقول هذا القول وأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما سمعنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.