كتاب البيوع 50

الدرس في كتاب البيوع 50، ألقاها

شروط الشفعة في الأرض والمباني

يتناول هذا الفصل شروط الشفعة، خاصة الشرط الثاني المتعلق بأن يكون المبيع أرضا، ويشرح تفاصيل هذا الشرط وما يتبعه من مسائل متعلقة بالبناء والغراس والزرع والثمار. كما يذكر آراء مختلف الفقهاء في هذه المسائل.

تفاصيل أحكام الشفعة في الثمار والغراس والمنقولات

يتناول هذا الفصل تفاصيل أحكام الشفعة في حالات مختلفة مثل بيع الشجر مع الثمرة غير الظاهرة، والشفعة في المنقولات مثل الحيوانات والثياب. كما يستعرض استدلال العلماء بآثار نبوية وأقوال الصحابة والتابعين على آرائهم في هذه المسائل.

استكمال شروط الشفعة والآراء الفقهية

يستكمل هذا الفصل شرح شروط الشفعة في العقار، خاصة الشرط الثالث والرابع، ويبين آراء العلماء في هذه المسألة، ويستدل بالأحاديث والآثار عن الصحابة والتابعين.

الشفعة في المعاملات غير البيعية

يناقش هذا الفصل آراء الفقهاء حول الشفعة في حالات الهبة والصدقة والوصية والإرث، حيث يرى عامة أهل العلم عدم وجود شفعة في هذه الحالات، بينما يرى مالك رحمه الله تعالى وجود شفعة في الهبة والصدقة بقيمتهما.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، مضى معنا في الدرس الأول أو الدرس الماضي الكلام على الشرط الأول من شروط الشفعة، وذكرنا أن بعض أهل العلم اشترط في الشفعة أن يكون الملك مشاعا غير مختصم. فأما الجار فلا شفعة له. وتقدم الكلام على المسألة ومضى معنا في الدرس الماضي. وإن قلنا أن الأظهر القول الأول، وهذا الشرط ونبهنا على أن الحديث حديث جابر لو صح لحمل على الجار الشريك، أي على الجار المخالط لجاره إذا اتحد طريقهما، فلم يكن لهما إلا طريق واحد. وتقدم معنا أن هذا القول هو ترجيح الصنعاني، وقبله ابن القيم، وقبله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وتتم لهذه المسألة الماضية، قال الإمام المرداوي رحمه الله تعالى في الإنصاف، بعد أن ذكر الخلاف عند الحنابلة، قال: "وقيل تجب الشفعة بالشركة في مصالح عقار، اختاره الشيخ تقي الدين والصاحب الفائق، قال: هو ظاهر كلام أحمد". انتهى كلامه. وقال العلامة العثيمين رحمه الله تعالى في الشرح الممتع: "قال في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة»، قال: في الحديث بيّن أنه إذا حصلت القسمة ورسمت الأرض بحدودها وصرفت الطرق بأن كان هذا الجانب له طريق والجانب الآخر له طريق فلا شفعة. قال: فيأخذ من هذا أنهما لو اقتسموا وبقي الطريق واحدا لم يصرف، فالشفعة باقية". قال: "وهذا هو الراجح، أن الجار له الشفعة في حال، وليس له الشفعة في حال، فإذا كان الطريق واحدة أو الماء الذي يسقى به زرع واحدا أو أي شيء اشتركا فيه من حق الملك، فإن الشفعة ثابتة". قال: "وهذا القول هو الراجح في ثبوت الشفعة للجار". قال: "وعليه يحمل الحديث «الجار أحق بسقبه»، وهو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى". وإلى هذا القول نرجع، لأنه كما رأي. من حيث القوة بالاستدلال بالدليل، وكذلك من حيث النظر والتعليل. فإذا النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال: «فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة»، ومعنى هذا أنه إذا بقيت الطرق لم تصرف، وإن صرفت الحدود، فالشفعة قائمة والشفعة باقية. وهذا هو الأظهر، والله تعالى أعلى وأعلم. الشرط الثاني المذكور من شروط الشفعة، قالوا: أن يكون المبيع أرضا، لأنها التي تبقى على الدوام، ويدوم ضررها. وأما غيرها فينقسم قسمين: أحدهما تثبت فيه الشفعة تبعا للأرض، وهو البناء والغراس، يباع مع الأرض، فإنه يؤخذ بالشفعة تبعا للأرض. يعني واضح هذا يا جماعة، يقولون: الشفعة في الأرض، هذا واضح. ثم يقولون: وتحت هذا وتحت هذا الأمر، يعني قسمان: أحدهما تثبت فيه الشفعة، وهو ما كان تابعا أو تبعا للأرض، وهو البناء، إنسان بنى في أرض مشتركة دارا، أو غرس غرسا في أرض مشتركة، وباع هذا الأرض بما فيها، أو باع ذلك الغرس بما فيه لغير الشريك. فقال العلماء رحمهم الله تعالى: تثبت فيه الشفعة تبعا، أي يأخذ البيت، يعني يأخذ الأرض وما وقع من استحداث أشياء في الأرض من بناء أو غرس. واضح هذا يا جماعة. فقالوا: فإنه يأخذ بالشفعة تبعا للأرض، إذا باعه الإنسان. لا يقول إنسان الذي اشترى: يقول: لا أنت أخذ أرضك، أما البيت فهو لي. واضح يا جماعة. أو يقول: غراس غرس الذي في الأرض، يقول: هي لي. الصحيح أنها تكون تبعا للأرض، أنها تكون تبعا للأرض. قال ابن قدامة: "ولا نعرف فيه بين من أثبت الشفعة خلافا". قال: "وقد دل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم وقضاؤه بالشفعة في كل شرك لم يقسم ربعة أو حائط". قال: "وهذا يدخل فيه البناء والأشجار إذا لم تقسم". طيب القسم الثاني من القسمين، قالوا: ما لا تثبت فيه الشفعة تبعا ولا مفردا، قال: وهو الزرع والثمرة الظاهرة، تباع مع الأرض، فإنه لا يأخذ بالشفعة مع الأصل. واضح هذا يا جماعة، الزرع أو الثمار، إنسان باع مثلا زرعا، باع مزرعته هو فيها زرع، أو فيها ثمار أشجار قد أثمرت، باعها مع الثمار، جاء الشريك فقال: أنا أحق بهذه الأرض، لي حق الشفعة، فانتزعها من المشتري، فهل له أن ينتزع الزرع والثمر أم ليس له أن ينتزع الزرع والثمر؟ الثمر الذي اشتراه، يعني يقول: الزرع يكون تبعا للأرض، والثمر يكون تبعا للأرض، أم أنه منفصل، فليس له حق الشفعة، فلا يدخل فيه الشفعة، لا أصلا، يعني لا مفردا ولا تبعا. قالوا كما سمعتم: أن هذا لا تثبت فيه الشفعة، أي ليس للشريك أن يقول للشفعة في الثمرة تبعا للأرض، أو في الزرع تبعا للأرض، يقول له: خذ الأرض، أما الثمرة وأما الزرع فلي المشتري. واضحة يا جماعة. طيب، مع أن هذا كما هو واضح، ربما يحصل فيه نوع حرج ونوع إشكال، لأن المشتري قد يقول: أنا إنما اشتريت الأرض لأجل الثمار، فيقول: كيف الآن تحسبون علي حق الثمرة كذا وكذا، وحق الأرض كذا وكذا، فأكون غير رابح. واضحة يا جماعة. والعكس بالعكس، قد يكون الضرر على الشفيع، يعني من طلب الشفعة، بحيث أنه يقول: الثمرة ما تسوى شيء، يعني ثمن يسير، فكيف تدخلونها، يعني تخرجونها، ثم تضروني. فلأجل هذا وذاك ذهب بعض أهل العلم، كما سيأتي معنا، إلى أن الشفعة تدخل فيها، يدخل فيها الزرع والثمر. فالمهم أن القول الأول: أنها ليس فيه الشفعة، هو قول أحمد والشافعي، أنه لا شفعة في الثمر والزرع، والزرع يعني في الثمر الظاهر والزرع، تباع مع الأرض. وقال أبو حنيفة ومالك: يأخذ ذلك بالشفعة مع أصوله، لأنه متصل بما فيه الشفعة، فيثبت فيه الشفعة تبعا، كالبناء والغراس. واضحة يا جماعة. أصحاب القول الأول، قالوا: لا تدخل فيه الشفعة، لأنه لا يدخل في البيع تبعا، يعني كما تعرفون الحديث: «فأي ثمرة أي ثمرة يعني من بضع ثمرة ثمرة قد أبلت فثمرتها للباع لأنه اشترى طعام المبتاع». طيب، قالوا: فلا يأخذ بالشفعة، كقماش الدار، وعكسه البناء والغراس، يعني يأخذ بالشفعة فيهما. قالوا: وتحقيقه، يعني قال ابن قدامة رحمه الله: "التحقيق أي تحقيق هذه المسألة، أن الشفعة بيع في الحقيقة، لكن الشارع جعل له سلطان الأخذ بغير رضاء المشتري". الآن الطرف الثالث الذي ليس بالشريك اشترى حقيقة، لكن الشارع أجاز للشريك أن ينتزع ما في يد ذلك الثالث. وهذا حقيقة هو بيع، لأنه يعطيه مقابله من السمن، يعطيه مقابله من مال، من السمن. فقالوا: إذن حقيقته بيع. قالوا: لكن الشارع جعل له سلطان الأخذ. قالوا: فإن قالوا: فإن بيع الشجر وفيه ثمرة غير ظاهرة، يعني قبل هذا، قالوا: إذا كان كذلك، فالأصل في البيع أنه لا يكون إلا عن رضا، إلا ما دل دليل على جواز أن ينتزع بقوة مع الإكراه. قالوا: وها هنا ليس عندنا دليل يجوز لنا أن ننتزع الثمرة من المشتري. واضحة يا جماعة. قالوا: إذا لا حق للشريك في انتزاع الثمرة، لماذا؟ لأن البيع ثبت بيقين، وما ثبت بيقين فلا يخرج عن هذا اليقين إلا بماذا؟ إلا بيقين. ولا يقين عنده، لماذا؟ لأنه ليس عندنا دليل، لا من كتاب ولا سنة، ولا في المسألة إجماع، حتى يرجع إليه، بل مسألة فيها خلاف. وإذا كان فيها خلاف، قالوا: نرجع إلى ماذا؟ إلى الأصل. ما هو الأصل؟ قالوا: نرجع إلى أن البيع قد تم على وجهه، والشفيع، الشافع ليس له أن ينزع الثمرة، وإن كان له أن ينزع الأرض، وإن كان له أن ينزع الأرض. لكن قد تأتينا كما سمعنا، يعني يأتينا إشكال من الطرف الثاني، وهو يقول: وهو أنه إذا ترتب على منع الشفعة في الثمرة والزرع، ضرر إما على المشتري، وإما على صاحب الشفعة، الشريك. فماذا نصلح ها هنا؟ فماذا نصلح ها هنا؟ الأظهر، والله أعلم، أن نقول: «لا ضرر ولا ضرار»، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. بمعنى أنه لو كان بانتزاع الثمرة عن المشتري ضرر عليه، يعني بانتزاع الثمرة على صاحب الشريك ضرر عليه، أو العكس، ضرر على المشتري، بانتزاع الأرض دون الثمرة، ضرر على المشتري. فنقول: «لا ضرر ولا ضرار». واضح يا جماعة. فهذا الأظهر، والله تعالى أعلى وأعلم. بمعنى أن نقول له: في حالة ضرر عليه، أو له نقول له: أخذها جميعا أو دعها جميعا. واضح يا جماعة. في حالة ضرر. وإذا لم يكن ثم ضرر، فالحمد لله، هذا يأخذ ثمرته وزرعه على الأصل، وهذا يأخذ أرضه، لأنه أحق بها في الشفعة. قالوا: فإن بيع الشجر وفيه ثمرة غير ظاهرة، كالطلع غير المؤبر، قالوا: دخل في الشفعة، لماذا؟ قالوا: لأنه يتبع في البيع، فأشبه الغراس في الأرض. واضحة يا جماعة. الثمرة إذا لم تكن ظاهرة، ما بدت بعد، فتكون حكمها حكم هذه الشجرة، لأن البيع لم يتم عليها، البيع لم يحصل على الثمرة، وإنما حصل على الشجرة، والثمرة تابعة. قالوا: وأما ما بيع مفردا من الأرض، فلا شفعة فيه، سواء كان مما ينقل كالحيوان والثياب والسفن والحجارة والزرع والثمار، أو لا ينقل كالغراس إذا بيع مفردا. يعني واضح هذا يا جماعة، بيع أشياء مفردة ليست من الأرض، يعني باع الثمرة والأرض موجودة، أو باع مثلا غراس والأرض موجودة، أو باع حيوانا. هل يدخل فيه الشفعة أم لا؟ الحيوان والثياب سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا، أن هذا القول: أنه لا شفعة في الحيوان وفي الثياب وما شابه ذلك، وإنما شفعة في العقار، العقار ونحو ذلك. أن هذا قول من؟ هذا قول الشافعي وأحمد وأصحاب الرأي، قول أحمد والشافعي وأصحاب الرأي. ورأي كذلك عن الحسن والثوري والأوزاعي والعنبر وقطاد وربيعة وإسحاق، أنهم قالوا: لا شفعة في المنقولات. أي شيء منقول يا جماعة؟ ما تقدم ذكره: حجارة، حديد، حيوان، ثياب، كل شيء ينقل، قابل للنقل. قالوا: هذا لا شفعة فيه. واختلف عن مالك وعطاء، فقال مرة كذلك، أي كقول الجمهور، ومرة قال: الشفعة في كل شيء، حتى في الثوب. ما معنى حتى في الثوب؟ إذا كان شريكان في ثوب، يقول: لا يبيع حصته، يعني إذا باع حصته لغير شريكه، تثبت الشفعة. والجمهور يقول: لا تثبت الشفعة، لأنه لا ضرر ها هنا. كما سيأتي معنا. وعن أحمد رواية ثانية: أن الشفعة واجبة فيما لا ينقسم، كالحجارة والسيف والحيوان وما في معنى ذلك. يعني الشيء الذي لا ينقسم، مشتركان في حجار أو في سيف، اشترى زيد وعمر سيفا، فالإمام أحمد يقول ماذا في رواية عنه؟ يقول: الشفعة ثابتة ها هنا، بمعنى أن أحد الشريكين إذا باعه على طرف ثالث، فإن شريكه له أن يأخذ بالشفعة، أن يأخذ بالشفعة. طيب، وعنه رواية ثالثة، أي عن الإمام أحمد، قال: أن الشفعة تجب في البناء والغراس، وإن بيع مفردا. وهو أيضا قول لمالك. قالوا: لعموم قوله عليه السلام: «الشفعة فيما لم يقسم». قالوا: لأن الشفعة وضعت لدفع الضرر، وحصول الضرر بالشركة فيما لا ينقسم أبلغ منه فيما ينقسم. واضح هذا يا جماعة. الشركة في هذه الأشياء، يقول: أشد. واستدلوا كذلك بما رواه ابن أبي مليكة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الشفعة في كل شيء». والأظهر، والله أعلى وأعلم، في هذه المسألة القول الأول، وذلك لحديث الباب، فإنه دل على أن المراد ما لا ينقسم من الأرض ونحوها، بدليل قوله: «فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة». ويدل على هذا أيضا، أي أن هذا محصور مقصور، أن هذا الحديث رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى في صحيحه، في مسنده بإسناد الصحيح. فقال: إنما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفعة في كل ما لم يقسم. إنما قال: «فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة». واضح يا جماعة. ملازما إشعارا بأن هذا محصور في ماذا؟ في هذا الأمر. وأيضا الحديث هذا، رواه مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه، بلفظ عن جابر، عن جابر نفسه، بلفظ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان له شريك في ربعة أو نخل، فليس له أن يبيع حتى يؤذن شريكه». واضح يا جماعة. في ربعة أو إيش؟ أو نخل. في ربعة أو مال أو نخل. بخلاف ما ذكر منقولات، ولا ما شابه ذلك. قال: ولأن هذا مما يبقى على الدوام، فتجب فيه الشفعة، بخلاف غيره، بخلاف المنقول، يقول: لا يبقى على الدوام، فيجوز فيه الشفعة. وأجاب عن حديث، يعني أولا عن حديث الأول، بما سمعتموه في قول «الشفعة فيما لم يقسم»، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإذا وقعت الحدود فلا شفعة»، فدل على أن المقصود فيما لم يقسم، أي مما كان ماذا؟ ما كان ربعة أو كان نخلا أو كان مما يقسم ويصرف بالحدود والطرق. وهذا لا يكون إلا في ماذا؟ في العقار ونحوها. طيب، قال: وأجاب عن حديث ابن أبي مليكة، بأنه مرسل، والمرسل من قسم الضعيف. قال: وروي مسندا بذكر ابن عباس رضي الله عنهما، رواه الترمذي وغيره، وقال علامة الألباني في الضعيفة: حديث منكر، أي بذكر ابن عباس منكر. ومما يؤيد هذا القول، أنه قد روى أنه قد روى الطحاوي عن ابن عباس أنه قال: «لا شفعة في الحيوان». قال الألباني: وإسناد هذا الموقوف جيد، يعني ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «لا شفعة في الحيوان». وهذا يبين لنا أن الصحابة كانوا لا يرون شفعة، أو ابن عباس من الصحابة، كان لا يرى شفعة في الحيوان. قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى، وهو يبين هذه المسألة من حيث النظر والتعليل، بعد أن ذكر ما ذكر من البرهان والدليل، قال: "وأما من جهة النظر، فالمشتري مالك لمشترى، أي الذي هو الطرف الثالث". واضحة يا جماعة. يعني المشتري الذي اشترى من الشريك، الذي اشترى من أحد الشريكين، مالك لمشترى. واضح. قال: "فلا يخرج عن ملكه إلا بكتاب أو سنة أو إجماع". قال: "ولا إجماع في هذا، بل الأكثر على خلافه في هذا الحديث، أي حديث الشفعة في كل شيء". ثم قال: "ذكر يعني ذكر عن عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: قلت لأيوب: أتعلم أحدا كان يجعل في الحيوان شفعة؟ قال: لا". واضحة يا جماعة. وهذا حكاية عن أيوب، أنه لا يعلم أحدا قال هذه المقالة. قال معمر: "ولا أعلم أحدا جعل في الحيوان شفعة". واضحة يا جماعة. هذا نقل عن أيوب، ثم عن معمر، عدم الخلاف في هذه المسألة. قال ابن عبد البر رحمه الله: "قد ذكرنا أن الأصل المجتمع عليه، أنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس". واضح يا جماعة. عن طيب نفس. والمشتري قد صار مالكا، لماذا؟ اشتراه. فلا يحل شيء من مال إلا عن طيب نفس. قال: "وإن التجارة لا تجوز إلا عن تراض". تجارة، بيع، شراء، لا تجوز إلا عن ماذا؟ عن تراض. قال: "فلا يخص منها في الأصل شيء إلا بمثله، من الأصل التي يجب التسليم لها". قال: "وحديث الشفعة للشريك في الدور والأراضين، حديث متفق على القول والعمل به". قال: "وسائر مختلفة فيه، وليس في الاختلاف حجة". قال: "فالواجب الوقوف عند اليقين، ولا يخرج عنه إلا بيقين مثله، وبالله التوفيق". واضح يا جماعة. وبهذا يظهر لنا قوة القول الأول، والله أعلى وأعلم. الشرط الثالث، قال: أن يكون المبيع مما يمكن قسمته، فأما ما لا يمكن قسمته من العقار، كالحمام الصغير، والرحى الصغيرة، والطريق الضيقة، لكنهم مشتركان فيها. وأيضا العرصة، أي فناء البيت الضيقة. قالوا: فلا شفعة فيه. واضح يا جماعة. يعني الشرط الثالث: أن يكون المبيع مما يمكن قسمته، فأما ما لا يمكن قسمته من العقار، فلا شفعة فيه. وهذا قول يحيى بن سعيد، أي الأنصاري، وربيعة، والشافعي، ورواية عن مالك، ورواية عن أحمد. وفي رواية أخرى عنهما، أي عن مالك وأحمد، أن فيه شفعة، وهو قول أبي حنيفة والثوري وابن سريج، استدلالا بعموم قوله عليه السلام: «الشفعة فيما لم يقسم». وسائر الألفاظ العامة. قالوا: من حيث النظر، أي التعليل، أن الشفعة ثبتت لإزالة ضرر المشاركة، والضرر ها هنا أو الضرر هنا أكثر، لأنه يتأبد ضرره. واستدل أصحاب القول الثاني، أو أصحاب القول الأول، استدل أصحاب القول الأول بحديث: «لا شفعة في فناء ولا طريق ولا منقبة». والمنقبة: الطريق الضيق بين القوم، لا يمكن قسمته. والحديث ذكره ابن الجوزي في التحقيق، وقال الإمام ابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق: "الأثر منقطع". قال: "وهو مشهور عن عثمان، أي أنه من قول عثمان، ليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم". وأيضا استدل هؤلاء بأثر عن عثمان بن عثمان رضي الله عنه، قال: «لا شفعة في بئر ولا فحل ولا رف». وهذا الأثر، قال الخلال: "قال الإمام أحمد: حدثنا ابن إدريس عن محمد بن عمارة عن أبي بكر بن عمر بن حزم عن أبي عثمان عن عثمان به". قال أحمد: "ما أصحه من حديث". أي أنه ثابت إلى عثمان. واضح يا جماعة. ذكروا الخلال، وذكره الطبري في العلل، موقوفا، مرفوعا. أي هذا القول. قال: "وقال: والموقوف أصح". والموقوف أصح. ذكر هذا ابن عبد الهادي رحمه الله تعالى في التنقيح، أي أنه من قول عثمان رضي الله عنه وأرضاه. ومن حيث التعليل، قالوا: لأن إثبات الشفعة في هذا يضر بالبائع، يضر بالبائع، يسبب ضررا على البائع، لأنه لا يمكنه أن يتخلص من إثبات الشفعة في هذا، من إثبات الشفعة في نصيبه بالقسمة، لأنه لا يمكنه أن يتخلص من إثبات الشفعة في نصيبه بالقسمة. وقد يمتنع المشتري لأجل الشفيع، فيتضرر البائع. وقد يمتنع البيع، فتسقط الشفعة، فيؤدي إثباتها إلى نفيها. يؤدي إثباتها إلى ما ينفيها، بمعنى أن هذا قد يحصل فيه ضرر، إثبات الشفعة يحصل فيه ضرر على منع البائع، ويحصل فيه ضرر كذلك على المشتري. البائع باعتبار أنه يقول: أنا أريد أبيع حق. واضح يا جماعة. فإذا باعها، يعني ربما حصل ضرر، باعتبار أن الشفيع يقول: لي حق فيها، فيطالبه بحقه، يعني فلا يجده، يعني لا يجد ماذا؟ حاجته منه، فيحصل ماذا؟ فيحصل ضرر. بهذا الاعتبار. فالأظهر، والله أعلى وأعلم، الأظهر في هذه المسألة، والله أعلى وأعلم، هو ما ذكر رواية عن أحمد، وهو قول أبي حنيفة والثوري، ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. واستدل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بحديث الباب، وبما رواه مسلم: «من كان له شريك في أرض أو ربعة أو حائط، فلا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإن باع ولم يؤذنه، فهو أحق به». قال شيخ الإسلام: "ولم يشترط النبي صلى الله عليه وسلم في القسمة، لم يقل: صغيرا أو كبيرا". واضح يا جماعة. قال: "فلا يجز تقييد كلام الرسول صلى الله عليه وسلم بغير دلالة من كلامه". قال: "ولم يمنع الشفعة إلا مع إقامة الحدود وصرف الطرق". فإذا لم تصرف الطرق، ولم تقم الحدود، فالشفعة باقية. أخذا بهذا الحديث. وهذا القول كذلك هو ترجيح العلامة العثيمين رحمه الله تعالى، كما في الشرح الممتع. والله تعالى أعلى وأعلم. الشرط الرابع: أن يكون شخصا منتقلا بعوض. ومعنى الشخص: يعني قال: شخص، شقص، النصيب في العين المشتركة من كل شيء. ومن أهل العلم من قيده بأن تكون بأن يكون النصيب غير مفروز، ومنهم من أطلقه. فيكون الشخص في كل شيء: رجلان مشتركان في سيارة، أحدهما باع قسمة. يقال: باع شخصا. مشتركان في أرض، مشتركان في دار. واضح؟ فالآن الشرط الرابع، يقولون: أن يكون شخصا منتقلا بعوض، أي إنسان باع نصيبه المشترك بينه وبين غيره. يقولون: يشترط في تثبيت الشفعة أن يكون بعوض. واضح يا جماعة. بعوض. ولفظ العوض في البيع ظاهر. عوض. واختلف العلماء في إلحاق ما كان في معنى العوض، كالمهر لأجل النكاح، أو ما كان في معنى كذلك من الجنايات ونحوها. فالشاهد أنهم قالوا: أن يكون شخصا منتقلا بعوض. قالوا: أما المنتقل بغير عوض، كالهبة بغير ثواب. ما معنى بغير ثواب؟ أي بغير مقابل. إنسان يهب سيارة، يهب لك سيارة، أحسن منها. فمشترط أن تكون بغير ثواب، بغير عوض. فقالوا: كالهبة بغير ثواب، والصدقة، والوصية، والإرث. قالوا: فلا شفعة فيه، في قول عامة أهل العلم، منهم مالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي. أن يقول: لا شفعة في هذه، في الشيء إذا خرج بغير عوض. وإنما تثبت الشفعة إذا كان بعوض، إذا كان بعوض. وحكي عن مالك رواية أخرى: أن المنتقل به هبة أو صدقة، أن فيه شفعة، ويأخذه الشفيع بقيمته. تقدم معنا ما معنى القيمة؟ يعني قيمة الشيء، هو ما يسويه بين الناس. أما الثمن فقد يكون أكثر، وقد يكون ماذا؟ قد يكون أقل. واضح يا جماعة. فقال مالك رحمه الله تعالى: يأخذه بقيمته، يأخذه بقيمته. يعني سواء كان المنتقل به هبة أو صدقة أعلى أو أرفع، انظر للقيمة يأخذها. وحكي ذلك عن ابن أبي ليلى. قال: لأن الشفعة ثبتت لإزالة ضرر الشركة، وهذا موجود في الشركة، كيثما كان. واضح يا جماعة. يقول: الآن الضرر لماذا وقع الضرر؟ لماذا يعني شرع الشارع الشفعة؟ قال: لأجل دفع الضرر عن الشريك. فإذا دخل على الشريك شريك آخر بهبة، بوصية، بإرث، ما شابه ذلك. يقول: ثبت الضرر في حقه. ولكن مالك رحمه الله تعالى يرى ما يجري فيه الشفعة، ما كان به هبة أو صدقة، به هبة أو صدقة. بخلاف الوصية، لأنه بعد الموت. وبخلاف كذلك الإرث، بعد الموت. واضح يا جماعة. فيقول: هذا لا. لكن الهبة والصدقة، للشريك حق الشفعة، لو أن ينتزعها من ويعطيه قيمتها. والقول الأول هو الأظهر، والله أعلى وأعلم، لأنه انتقل بغير عوض، فأشبه الميراث. واضح يا جماعة. يقال لمالك رحمه الله: ما تقول في الميراث؟ انتقل المال إلى الغير بالميراث، أنت تقول بأنه ماذا؟ لا ينتزع، ولا يأخذ بالقيمة. فيقال: في غيره كذلك. واضح يا جماعة. هذا من قياس. قالوا: لأن محل الوفاق، أي بين الجميع، هو البيع. محل الوفاق، أي الذي به تصح وتثبت الشفعة، هو البيع. قالوا: والخبر ورد فيه، ليس غيره. والخبر ورد فيه، ليس غيره. أي ليس غير البيع، في معنى ليس غير البيع، في معنى الخبر. جاء بالبيع. واضح. جاء ما جاء عاما مطلقا، ولكن جاء في البيع. قالوا: وليس غيره في معنى، أي ليس غير البيع، من وصية، من هبة، هي كالبيع. واضحة يا جماعة. لا أن هذه كما يقال: فيها معنى من معنى الإحسان والبذل. أما البيع هو عبارة عن معاوضة. قالوا: أيضا لأن المشتري، يعني وأيضا لأن المشتري يأخذ المبيع من المشتري، لأن المشتري يأخذ المبيع من المشتري، بمثل السبب الذي انتقل به إليه. ولا يمكن هذا في غيره. يعني أن المشتري يأخذه بمثل السبب الذي انتقل به إليه، ولا يمكن هذا في غيره. بمعنى: يعني إذا تصور المسألة في البيع والشراء، الشريك يأخذ السلعة من المشتري بنفس الثمن. واضحة يا جماعة. أما في باب الهبات والصدقة وما شابه ذلك، فبأي شيء يأخذها؟ يأخذها بالقيمة. يقال: قد تكون سمنها أكثر أو أقل. واضحة يا جماعة. فالحاصل أن هذا القول أقرب، والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على