كتاب الهدايا 1

الدرس في كتاب الهدايا 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أحكام قبول الهدية ومكافأة صاحبها

يستحب قبول الهدية ومكافأة صاحبها كما دلت على ذلك الأحاديث النبوية، مثل حديث أبي هريرة وحديث عائشة. هذا الحكم مستحب عند جمهور العلماء.

أحكام الهدية في الإسلام وتوجيهاتها

يتناول المقطع أحكام الهدية في الإسلام، حيث يستحب قبولها ومكافأة صاحبها، ويجوز قبولها من الكفار إذا لم يكن فيها تودد أو ميل إلى الكفر. يُستدل على ذلك بأحاديث نبوية وأحداث تاريخية.

توجيه حديث النبي بشأن هدية المشركين والرجوع في الهدية

اختلف العلماء في توجيه حديث النبي بعدم قبول هدية المشركين، ورجح بعضهم أنه منسوخ أو يراد به الهدية التي تهدف التودد. كما يحرم الرجوع في الهدية إلا للوالد فيما يعطي ولده.

أحكام أخذ الوالد مال الولد

يجوز للوالد أخذ مال ولده إذا أعطاه له، كما دل على ذلك مثال أبو بكر مع عائشة. هذا الحكم يشمل الوالد والوالدة بحكم المشاكلة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام الشوكان رحمه الله: كتاب الهدايا، الهدايا معنى، جمعوا هدية، والهدية هو ما يعطى تبرعا لأجل التودد. والهبة هو ما يعطى تبرعا بغير عوض، أو ما يعطى بغير عوض. والفرق بين الهدية والهبة أن الهدية تعطى للتودد، والهبة أعم، فالهدية تدخل فيها الهبة، فالهبة أعم من الهدية، الهدية تعطى للتودد. وأما العطية فهي أيضا عطاء مثلها تبرع، لكنه يكون عند الموت، يسمى عطية، هذا تقسيم الفقهاء. والوصية كذلك مثلها، لكن الوصية تكون بعد الموت، وإلا فالهبة والهدية والعطية حكمها واحد، إلا أن العطية لها أحكام أخرى لأنها تكون في مرض الموت أو المرض المخوف. قال كتاب الهداء: يشرع قبولها ومكافأة فاعلها، وتجوز بين المسلم والكافر. يقول: يشرع قبولها ومكافأة فاعلها، أما من حيث قبولها، فقد جاءت الأحاديث المتكاثرة عن النبي عليه الصلاة والسلام في قبول الهدية. وقد جاء في حديث أبي هريرة في البخاري: «لو دعيت إلى كراع أو ذراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت». والكراع هو ما دون كعب الدابة، ما دون كعبها، كعب هذا العظم الناتئ، ما دون كعبها يسمى كراع. وأما الذراع معروف، ذراع اليد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: معنى الكراع هذا ليس فيه لحم، غالبا فيه شيء من الشحومات أو من العصاب. معنى يقول النبي صلى الله عليه وسلم أنه لو دعي إلى شيء من هذا لأجاب عليه الصلاة والسلام. والمراد أن الإنسان لا ينبغي مثلا أن يصد عن الهدية أو عن الدعوة أيضا كذلك. وقد جاءت أيضا أحاديث كثيرة بهذا المعنى. قال: وجاء في البخاري من حديث عائشة، حديث هشام العروة عن نبيه عن عائشة: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها». يقبل الهدية ويثيب عليها. وهذا الحديث اختلف فيه، ولهذا أشار البخاري إلى أن بعض رواة الحديث رواه مرسلا، فقال: ورواه وكيع ومحاضر مرسلا. وكأنه يرجح الطريقين، من رواه مرسلا ومن رواه موصولا. ولعل هذا من هشام العروة، لأن هشام أحيانا يرسل وأحيانا يسند. لكن هذا الحديث الذي رواه أهل الكوفة، عيسى بن يونس من أهل الكوفة، ووكيع من أهل الكوفة، ومحاضر من أهل الكوفة، إلا أن محاضر بن المعرف لم يعرف روايته معنا، ذكره البخاري، لكن لم يوجد أو لم يجد العلماء روايته لهذا الحديث. أما وكيع فروايته موجودة وقد أرسله، ووكيع أحفظ من عيسى بن يونس. لكن قالوا: لعل هذا من هشام، أحيانا هشام إذا شك مثلا تجده يرسل، فلهذا رجح البخاري الأمرين معا، الإرسال وكذلك الوصل، معناه أنه أكثر أن هذا صحيح. قال: هذا الحديث يدل على مكافأة فاعلها، النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب فاعلها، أي يعطيه. فما حكم قبول الهدية؟ قبول الهدية مستحب، قبول الهدية مستحب عند جمهور العلماء. وقد جاء في صحيح البخاري أن النبي عليه الصلاة والسلام أهدى إليه أعرابي هدية فأثاب عليها، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: أراضيق؟ قال: لا. قال: فزادهم، قال: أراضيق؟ قال: لا. قال: فزادهم، قال: أراضيق؟ قال: نعم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد هممت أن لا أقبل هدية إلا من قرشي أو ثقفي أو دوسي أو أنصاري». لقد هممت أن لا أقبل هدية إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي. وجاء في رواية: أو دوسي. النبي صلى الله عليه وسلم هنا قال: «لقد هممت أن لا أقبل». وقوله: «لقد هممت أن لا أقبل» دل على أنها ليست فرض عن قبول الهدية، ليس فرضا، وإنما من باب الاستحباب. ويستحب أيضا مكافأة فاعلها، يثيبه على شيء. وقد كان العرب من عادتهم قبول الهدية وإثابتها. وإذا لم يثب شيئا، فلا شيء، ما في شيء. أن بعض المجتمعات الآن يرون أن هذا عيب، أن تعطيه هدية ويعطيك شيء، فيرونه أنه شيء من العيب. فالمهم أنه إن أثاب عليها فهو أفضل، وهذا من باب حتى لا يكون عليه مثلا منه. وإن تركه فلا بأس، لأجل أن الهدية غالبا تعطى لأجل التودد، وأيضا زيادة المحبة. ولهذا صحح بعض العلماء قول النبي صلى الله عليه وسلم: «تهادوا تحابوا»، فإن الهدية تسل الصخيمة من القلب، تسل الصخيمة، الصخيمة معناها شيء من الغل أو من الوجد على غيره. معنى إذا كان مثلا يجد على غيره في شيء، فهذه الهدية تذهب هذا الأمر. معنى إذا وجد الإنسان أن أخاه مثلا يحمل عليه شيئا أو مثلا يغضب عليه في شيء من الأمور، فمن الوسائل التي يكون فيها التودد الهدية. قال: وتجوز بين المسلم والكافر، النبي صلى الله عليه وسلم يقبل هدايا الكفار. فقد أهدى إليه المقوقس، وأهدى إليه أيضا كسرى، وأهدى إليه جماعة أيضا، أهدى إليه أكيدر دومة، دومة الذي هو ملك أكيدر أو دومة الجندل، أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم جبة سندس، ومجاب صحيحين بحديث أنس، فقبل النبي عليه الصلاة والسلام من هؤلاء الكفار. وأيضا كذلك أهدى إليه، وجاء أيضا في الصحيحين أو في البخاري أن أسماء بنت أبي بكر جاءتها أمها راغبة، راغبة معناها في عطائها، وجاءتها في العهد لما صالح النبي صلى الله عليه وسلم مع قريش. وأم أسماء وأم أسماء لم تسلم، أما أم عائشة فأسلمت، أم عائشة هي أم رومان، وأم عبد الرحمن بن أبي بكر، عبد الرحمن بن أبي بكر شقيق عائشة. وأما أسماء فأمها أخرى، فلم تسلم. فجاءتها في العهد راغبة في وصلها، معناها تريد أن تعطيها شيئا، فكانت معها مال، فسألت أسماء النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك، فقال: «صليها». قال: صلي أمك. وذكر من عين في نفس الحديث أن الله عز وجل أنزل هذه الآية بهذا المعنى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. وأما ما جاء في حديث عياض بن حمار أنه أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم هدية أو ناقة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أسلمت؟» قال: لا. فقال: «إني نهيت عن زبد المشركين». وهذا الحديث مختلف في صحته، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله عليه. وجاء في لفظ أيضا: «إني لا أقبل هدية مشرك». إلا أنه لا يصح، معناه مرسل، فهو مرسل مراسيل الزهري. واختلف العلماء في توجيه هذا الحديث، لماذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لا أقبل زبد المشركين»، أي هديتهم؟ فقال بعضهم: إنما فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لإغاظتهم، إغاظة لهم، أو لألا يميل إليهم. وبعضهم يقول: أنه منسوخ، كما ذكر الخطابي. قال: يشبه أن يكون هذا منسوخا. وقال بعض العلماء: أن المراد بالرد الهدية من أراد التودد من الكفار، وأما من أراد المكافأة أو كذا فلا بأس. لكن هذه المعاني لم يأت فيها شيء يدل عليها صريحا. لكن الجواز قد جاء بحديث كثير، دلت على جواز أخذ الهدية. لكن يراعى هذه الأمور التي ذكرها العلماء، وهو مثل أنه إذا رأى أنه سيميل إليهم قلبه ويركن إليهم فلا يأخذ هدية منهم. أنا إذا كان إنسان مثلا يختلط مع الكفار، بعضهم نصارى، بعضهم يهود، بعضهم وثنيين، فتجدهم جيران يهدونهم يعطونهم، فإذا رأى أنه يميل إليهم أو يحسن إليهم أو يتودد إليهم فلا يقبل هذه الهدية. قال: ويحرم الرجوع فيها، هنا صرح بالتحريم في الرجوع، الرجوع في الهدية أو الهبة، يعطيها الشخص ثم يرجع لها، يقول لها: هات الذي أعطيته، هذا كثير من العلماء يرون أنه لا يجوز الرجوع. وقد جاء في البخاري عن ابن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه». وجاء في البخاري: «ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يرجع في قيئه». فقوله هنا: «ليس لنا مثل السوء»، أي لا نتشبه بالحيوانات. فلهذا قال العلماء: أنه من أهدى شيئا لآخر فهو لا يجوز له أن يرجع فيه. فإن رجع فيه فهو محرم. إلا إذا كان والد أعطى ولده، إلا إذا كان والد أعطى ولده فيجوز له أن يرجع. الوالد يجوز له أن يرجع، لما جاء في حديث ابن عمر، ابن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يحل لرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده». وهذا الحديث صحيح، ذكره الشيخ في الصحيح المسند. ويدل هذا الحديث على أن الوالد يجوز أن يرجع في عطيته. وأيضا هذا الحديث أيضا فيه دلالة على أنه لا يجوز الرجوع في الهدية إلا لمن كان والدا. ويدخل في ذلك الأم على قول أيضا أكثر العلماء، الأم أيضا يجوز لها أن ترجع. وهذا أبو بكر رضي الله عنه أعطى عائشة أرضا، ثم لما كان قبل أن يموت أرجعها منها، أنا أخذها منها، فهذا يدل كله على جواز أخذ الوالد إذا أعطى ولده، وكذلك الوالدة أخذها من المشاكلة.