الدرس في التعليق على الجواب الكافي 153، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبدأ المقطع الأول بشرح حديث عمار بن ياسر ومعناه في الشوق إلى لقاء الله، ويبين أهمية محبة الله تعالى. كما يتطرق إلى حديث أبي هريرة حول تقرب العبد إلى الله.
يتحدث هذا الجزء عن ثمرات تقرب العبد إلى ربه، وكيف أن الله يحبه ويوفقه للطاعة ويحفظ له أعضاءه، ويجمع بين حقوق الله وحقوق المخلوقين.
يفصل هذا الفصل في كيفية حفظ الله للعبد الذي يحبه، حيث يصبح سمعه وبصره ويديه ورجليه وفق إرادة الله، ويبرز أهمية القلب في توجيه الجوارح.
يتناول هذا الجزء مناقشة حول استخدام اللام في التعبير عن الغاية ووقوع الأمور لله، ويشير إلى أنه سيتم التطرق إلى هذا الموضوع في درس لاحق.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قد ذكر الإمام ابن قيم رحمه الله تعالى أنواع المحبة، ووصل بها إلى الشوق، وهو سفر القلب إلى المحبوب. وذكر حديث عمار «اللهم إني أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق...» إلى أن قال عليه الصلاة والسلام «وأسألك الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة». وبيّن الإمام ابن قيم رحمه الله أن الشوق من أعظم ما يكون عند أهل الإيمان، وهي بمعنى قول النبي عليه الصلاة والسلام «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه»، أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبادة بن الصامت. ثم قال رحمه الله تعالى: «وليس المراد منها الحياة المشتركة بين المؤمنين والكفار والأبرار والفجار، وإنما المراد أن المسلم اشتاق إلى لقاء الله عز وجل، ويكون عنده شوق إلى جنات الله سبحانه وتعالى». ومن ثم ذكر بعد ذلك أن الأنس بالقرب من الله عز وجل، وكذلك أن العبد يجعل همه أن يصل إلى الله، وأهمه رضا الله. قال: «فإن سكت سكت بالله، وإن نطق نطق بالله، وإن سمع فبه يسمع، وإن أبصر فبه يبصر، وبه يبطش، وبه يمشي، وبه يتحرك، وبه يسكت، وبه يحيى، وبه يموت -أي بالله عز وجل- وبه يبعث»، كما في صحيح البخاري فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: «ما تقرب إلي عبد بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يمشي. ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه. وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن قبض روح عبد المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بد له منه». قال رحمه الله: «فتضمن هذا الحديث الشريف الإلهي... وهذا الحديث أخرجه البخاري من حديث خالد بن مخلد القطواني، عن سليمان بن بلال، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء بن يزيد، عن أبي هريرة. وهذا الإسناد صحيح، وإن انتقد بعضه العلماء. هذا الإسناد لأن خالد بن مخلد القطواني فيه ضعف، لكن قال يحيى بن معين وغيره: أن روايته عن أهل المدينة مستقيمة، خاصة عن سليمان بن بلال، فالحديث صحيح، وليس فيه ما يدل على الحلول أو الاتحاد، وإنما فيه أن الله عز وجل إذا أحب عبدا فإنه يوفقه في سمعه، وفي بصره، وفي مشيه، وكذلك في بطشه يوفقه الله عز وجل». أما هذه الزيادة التي في الحديث «فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يمشي» فهذه الزيادة ليست موجودة في البخاري ولا في غيره، والظاهر أنها زائدة، إنما ذكرها بعض الشراح. قال: «وأخبر سبحانه أن فرائضه أحب ما يتقرب به إليه المتقربون، ثم بعدها النوافل، وأن المحب لا يزال يكثر من النوافل حتى يصير محبوبا لله. كلما تقرب العبد إلى ربه تقرب إليه ربه جل وعلا حتى يحبه، وكما قال نبيه عليه الصلاة والسلام: «وإن تقرب إلي شبرا، تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا، تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولا». وهذا كلما قرب العبد من ربه جل وعلا تقرب إليه الله عز وجل حتى يحبه، فإذا أحببه كان إذا أحبه الله عز وجل وفقه، وأيضا حفظ له أعضاءه». ولهذا تجد أهل التقوى وأهل الإخلاص والعلماء العاملين تجد أن الله عز وجل يوفقهم في العمل، ويوفقهم كذلك في الخير، فتجد أكثر أوقاتهم على طاعة الله جل وعلا، فيجمع ربنا جل وعلا لهم العبادة والطاعة، وكذلك نشر العلم والقيام بحقوق الله عز وجل وحقوق المخلوقين، وهذا من توفيق الله عز وجل للعبد. وإلا فغالبا لا يستطيع أن يجمع، لكن إذا وفقه الله عز وجل جمع بين حقوق الله وحقوق المخلوقين. ولهذا تجد كثيرا إما أنه يعبد الله عز وجل على جهل، فيضيع الحقوق التي للمخلوقين من طاعة الوالدين وصلة الأرحام والقيام بالأولاد. ومنهم من يغلو في هذا الباب ويفرط في باب الطاعة والعبادة، فينشغل بأولاده وينشغل بحاجات أهله ويفرط على نفسه أشياء كثيرة من العلم والطاعة. ومن وفقه الله عز وجل فهو الموفق، أنه يجمع بين الأمرين، يجمع بين العلم والعبادة، وكذلك أيضا الحقوق التي عليه للآخرين، سواء كان لزوجته أو لأولاده أو لوالديه أو لأرحامه. قال: «ولا ريب أن المحب أو أن هذا المحب إن سمع سمع بمحبوبه، وإن أبصر أبصر به، وإن بطش بطش به، وإن مشى مشى به، فهو في قلبه ومعه أنيس وصاحبه». فالباء هنا للمصاحبة، وهي مصاحبة لا نظير لها، ولا تدرك بمجرد الإخبار عنها والعلم بها، فالمسألة قلبية لا علمية. محبة أن هذه لا يعلمها إلا الله، فالمراد أن العبد يكون مصاحبا لربه، أن الله عز وجل يحفظ أعضاء العبد ويفقه إلى الخير. قالوا: «إذا كان المخلوق يجد هذا في محبة المخلوق التي لم يخلق لها ولم يفطر عليها... كما قال بعض المحبين: خيالك في عيني، وذكرك في فمي، ومثواك في قلبي، فأين تغيب؟!». أن هذا في مخلوق، فكيف بالخالق جل وعلا؟! فالذي وفقه الله عز وجل وصار من أوليائه وأحبابه، فتجد أنه يذكر الله عز وجل في كل وقت وحين، وأيضا ذكر الله عز وجل لا يغيب على قلبه وفمه. وكذلك أيضا تجد أنه أيضا يوفقه الله عز وجل في ذلك، فيوفقه للطاعة ويبعد عنه المعاصي. وهذا كما ذكر في المخلوق، فكيف في الخالق جل وعلا؟! فإن القلب يصب إليه، فيكون العبد لله عز وجل ذاكرا لله. فإذا أراد أن يعصي ذكر الله عز وجل فترك هذه المعصية. قال: «وقال آخر: ومن عجبي أني أحن إليهم، فأسأل عنهم من لقيت، وهم معي! وتطلبهم عيني، وهم في سوادها! واشتاقهم قلبي، وهم بين أضلعي!». أنا يسأل لأنه لا يغيب عنه هؤلاء أحبابه، لكنه يسأل لأجل أن يذكرهم، وأن يتلفظ باسمهم. وهكذا قال: «وهذا ألطف من قول الآخر: إن قلت غبت فقلبي لا يصدقني، إذ أنت فيه مكان السر لم تغبي! أو قلت ما غبت، قال الطرف ذا كذب! فقد تحيرت بين الصدق والكذب». قال: «فليس شيء أدنى إلى المحب من محبوبه، وربما تمكنت منه المحبة حتى يصير محبوبه أدنى إليه من نفسه، بحيث ينسي نفسه ولا ينساه، كما قيل: أريد لأنسى ذكرها، فكأنما تمثل لي ليلى بكل سبيل!». وهذا يمثل به الإمام ابن قيم ليس لأجل أن يذكر أشعار مثل هذا المجنون -مجنون ليلى- وإنما يريد المعنى، وأن هذا المعنى موجود بين المخلوق والمخلوق، فكيف بين الخالق والمخلوق؟! بين المخلوق والخالق جل وعلا؟! فإن المخلوق إذا دخلت محبته وتغلغلت في القلب، فإنه يكون أعظم من ذلك. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في عمار: «مليء عمار إيمانا إلى مشاشه». ولهذا أيضا يدوق طعم الإيمان وحلاوة الإيمان. قال: «وقال آخر: يراد من القلب نسيانكم، وتعب الطباع على الناقل». قال: «وخص في الحديث السمع والبصر واليد والرجل بالذكر، فإن هذه الآلات آلات الإدراك وآلات الفعل. والسمع والبصر يريدان على القلب الإرادة والكراهة، واجلبان إليه الحب والبغض، فيستعمل اليد والرجل إما يسمع أو يرى. وهذه مداخل القلب، ثم يجلبان له الحب والبغض، فيستعمل المشي والبطش». قال: «فإذا كان سمع العبد بالله، وبصره بالله، سمع العبد بالله وبصره بالله، كان محفوظا في آلات إدراكه، وكان محفوظا في حبه وبغضه، فحفظ في بطشه ومشيه». قال: «وتأمل كيف اكتفى بذكر السمع والبصر واليد والرجل عن اللسان، فإنه إذا كان إدراك السمع الذي يحصل باختيار تارة وبغير اختيار تارة، وكذلك البصر قد يقع بغير الاختيار فجأة، وكذلك حركة اليد التي لا بد للعبد منها، فكيف بحركة اللسان التي لا تقع إلا باختيار؟! أنه يذكر الله عز وجل دائما، ولا يغيب ذكر الله عز وجل عن قلبه ولسانه». قالوا: «قد يستغني العبد عنها إلا حيث أمر بها أو نهى عنها». وأيضا فإن انفعال اللسان عن القلب أتم من انفعال سائر الجوارح، فإنه ترجمانه ورسوله. أي اللسان ترجمان القلب، وهي تغرف بما يكون في القلب، وهي أشد وطأة للقلب وتواطئا للقلب. قال: «وتأمل كيف حقق تعالى كون العبد سمعه وبصره وبطشه ومشيه في قوله: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به... تحقيقا لكونه مع عبده، وكون عبده به في إدراكاته بسمعه وبصره، وحركاته بيده ورجله». وتأمل كيف قال: «فبي يسمع، وبي يبصر». وهذا كما قلنا لم يثبت، ولم يقل: فلي يسمع، ولي يبصر. معنى لم يكن لي يسمع، ولي يبصر، حتى يكون اللام هنا لام الاستحقاق، أنه يسمع لله، فهذا المعنى غير صحيح. وإنما يسمع بالله، أي أن الله عز وجل يجعله يسمع ما يحبه الله عز وجل. قالوا: «ربما يظن الظان أن اللام أولى بهذا الوضع، كذا هي أدل على الغاية ووقوع هذه الأمور لله، وذلك أخص من وقوع أسبابه». طيب، إن شاء الله تعالى نذكر هذا في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى.