التعليق على رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه 8

التعليق على رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه 8

الدرس في التعليق على رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

العقل الحقيقي في آثرة الآخرة على الدنيا

يوضح ابن القيم أن العقل الحقيقي يتمثل في تفضيل لذة الآخرة الدائمة على لذة الدنيا الفانية، مبيناً أن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بثمن الجنة. من آثر الدنيا على الآخرة فقد غُبن غبناً فاحشاً يظهر جلياً يوم التغابن عندما تثقل موازين المتقين وتخف موازين المبطلين.

السعادة الحقيقية في معرفة الله وتوحيده والأنس به

تتمثل اللذة التامة وطيب العيش في معرفة الله وتوحيده والأنس به، حيث يجد العبد راحة القلب في مناجاة ربه خاصة في أوقات الخلوة كقيام الليل. من جعل همه الآخرة جمع الله شمله وأغنى قلبه، بينما من تشتت همومه في الدنيا تفرقت به الهموم وضاق صدره.

الشكوى لله وحده وسكن القلب إليه

يؤكد النص أن الطمأنينة الحقيقية لا تتحقق إلا بتوجيه الشكاوى والهموم إلى الله وحده، كما فعل الأنبياء يعقوب وأيوب، بينما الشكوى للمخلوقين أو الاعتراض على قدر الله يعد من أعظم الخسران. من ينزل فقره وهمه عند الله يعينه الله، ومن ينزلها عند الناس يكله الله إليهم.

إخلاص الهم والنية لله والدار الآخرة

سعادة العبد تكمن في توحيد همه ونيته لله وللآخرة، مما يجعل كل أعماله موجهة لرضا الله. ينصح بالتفكير قبل كل عمل: هل يرضي الله أم لا، ليكون العمل خالصاً صادقاً.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، أما بعد، إن شاء الله نقرأ ما تيسر من هذه الرسالة، وكما قد علمتم هي أحكام من زكاة الفطر، قد تطرق لها أخونا أبو نافع، أستاذ أبو نافع حفظه الله، فلهذا سنقرأ في هذه الرسالة، رسالة الإمام ابن القيم، نصيحة لبعض إخواني. فبعدما ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله أن الإنسان يتعرف على عقول الناس ويميز بين العاقل وغيره، فمن آثر لذة ساعة على لذة دائمة وأيضا لا تفنى أبدا، فهذا ليس بعاقل، الذي يقدم هذه اللذة التي هي لذة ساعة وتعقبها بعد ذلك ندامات وحسرات، إن لم يكن في الدنيا سيكون في الآخرة، يعني إن لم يندم في الدنيا على ذلك سيندم في الآخرة، فليس هذا عاقل الذي يؤثر هذه الدنيا وهذه المعاصي والشهوات، كما قال الله عز وجل: ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾. قال رحمه الله: فقد اشترى سبحانه من المؤمنين أنفسهم وجعل ثمنها جنته، وأجرى هذا العقد على يد رسوله وخليله وخيرته من خلقه، فسلعة رب السماوات والأرض مشتريها، والتمتع بالنظر إلى وجه الكريم وسمع كلامه منه في داره ثمنها، ومن جرى على يده العقد رسوله، كيف يليق بالعاقل أن يضيعها ويهملها؟ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم، فربنا جل وعلا العظيم اشترى من المؤمنين، إذ السلعة سلعة أنفسهم أن يقدمونها له، وما الجزاء؟ الجزاء جنته العظيمة، هذا ثمن الشراء، ثمن التقديم، ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ﴾، وأنا أستبشر إذا كان المشتري هو رب الأرض، رب السماوات والأرض سبحانه جل وعلا، والثمن عظيم، جنة عرضها السماوات والأرض، والبضاعة ليست بمشقة أو مثلا لا يستطيعها الإنسان، البضاعة سهلة لكن لمن تعود عليها وعوّد نفسه عليها، وهي طاعة الله جل وعلا وتقواه. قال: كيف يليق بالعاقل أن يضيعها ويهملها ويبيعها بثمن بخس؟ ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة. قال: في دار زائلة مضمحلة فانية، أي هذه الدنيا، وهل هذا إلا من أعظم الغبن؟ الغبن الخسارة، قال: فلان غبن، أي خسر في البيع، وهذا خسر في هذا البيع ولم يربح، وإنما الرابح هو الذي عامل الله عز وجل بما أراد سبحانه وتعالى، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾، هذه التجارة التي فيها الربح العظيم، ومن لم يتاجر في هذه التجارة فهو مغبون. قال: وإنما يظهر له هذا الغبن الفاحش يوم التغابن، ﴿ يَوْمَ التَّغَابُنِ ﴾، سماه الله عز وجل يوم التغابن لأن الإنسان يعلم أنه قد خسر في ذلك اليوم، قال: إذا ثقلت موازين المتقين وخفت موازين المبطلين، فبهذا يعرف العاقل أنه لا يضيع هذا الثمن العظيم لأجل لذة ساعة أو لأجل لذة لحظات في هذه الحياة ويضيع على نفسه جنة عرضها السماوات والأرض، فليس بعاقل، هذا ليس بعاقل من يختار الفانية على الباقية. قال: فصل، إذا عرفت هذه المقدمة فاللذة التامة والفرح والسرور وطيب العيش والنعيم إنما هو في معرفة الله وتوحيده والأنس به، فالأنس به هذه كلمة عظيمة، على الأنس بالله جل وعلا، المراد أنه يناجي الله، وغالبا يكون في الدعاء، ويكون في الأوقات الخالية كقيام الليل، ثلث الأخير من الليل، فيأنس بالله، لما يدعو يجد راحة في قلبه كأنه يكلم الله جل وعلا. قال: والشوق إلى لقائه واجتماع القلب والهم عليه، فإن أنكد العيش عيش من قلبه مشتت وهمه مفرق، ولهذا جاء في الحديث، النبي عليه الصلاة والسلام، في حديث زيد بن ثابت، وجاء أيضا من حديث عبد الله بن مسعود، قال: «من كان همه الآخرة جمع الله شمله، فلم يجعل همه مشتتا وفكره مشتتا، جمع الله شمله وجعل رزقه بين يديه، وأتته الدنيا وهي راغمة»، أو قال عليه الصلاة والسلام: «من كان همه الآخرة جمع الله شمله وأغنى قلبه، جعل غناه في قلبه»، كما جاء في الرواية الأخرى: «جعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة»، الدنيا تأتيه لكن لأنه متقي لا تضره وإن كثرت معه الأموال، لأنه يعلم أن هذه الأموال وسيلة يتخذها في سبيل الله جل وعلا وفي طاعة الله، ما يفرقها في الخير، فلهذا يكسب حسنات أكثر. ولهذا قال الصحابة رضي الله عنهم للنبي صلى الله عليه وسلم: ذهب أهل الدثور بالأجور والدرجات العلا، أهل الدثور بمعنى أهل الأموال، قالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور والدرجات العلا، قالوا: وما ذاك؟ قالوا: يصلون كما نصلون، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضل أموالهم، وما يزيد على ما يأكلونه يتصدقون بفضول أموالهم، ولا نتصدق. ثم ذكر لهم التسبيح بعد الصلاة، وأن هذا يدركون به من قبلهم ومن جاء بعدهم إلا من عمل بعملهم. ثم جاء الفقراء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله، قد سمع الأغنياء بما قلنا ففعلوا مثل ما فعلنا، قال: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء». قال: ولهذا من لم يجعل همه الله والدار الآخرة فإن فكره يتشتت وقلبه يتشتت وهمه يزيد عليه، لأن همومه تفرقت، كما جاء في الحديث الآخر: «من جعل الهموم هما واحدا، هم الآخرة، كفاه الله أمر دنياه، ومن جعل الهم هم الدنيا تفرقت به الهموم، فلا يدري في أي شعب يهلك أو في أي واد يهلك»، معنى: إذا كان تتفرق به الهموم، عنده هموم كثيرة تزداد عليه الهموم، لأنه ليس بمنشرح الصدر، ليس يعلم معنى، عنده ضعف إيمان أو ما في إيمان، ولهذا لا يؤمن بقضاء الله وقدره، وسبحان الله تجد المؤمن يتميز عن الكافر وعن الفاجر بإيمانه بقضاء الله وقدره، بإيمان عظيم يجعله يتوكل على الله ويعلم أن كل شيء من الله، فلهذا لا يتحسر لأجل دنيا، ولا تهمه هذه الدنيا إلا إن كان في أمر الآخرة، فالهم يأتيه إذا كان في نقص من أمور الآخرة، مثلا: الديون، أشياء عليه من أمور الطاعات، فهذا الذي يورثه الهم لأنه يعلم أنه سيحاسب على ذلك، وإلا أمور الدنيا فلا يتحسر عليها، ﴿ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ﴾، لكي لا تأسوا، أي لا تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا، كما قال مجاهد: لا تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا، من فاته شيء من الدنيا لا يتحسر، لأن الدنيا كلها فانية أصلا، فلهذا لا يتحسر لأجل أمور دنيوية، وهذا لا يعرفه إلا من عامل الله سبحانه وتعالى بصدق وإخلاص. قال: فإن أنكد العيش عيش من قلبه مشتت وهمه مفرق، فليس لقلبه مستقر يستقر عنده، ولا حبيب يأوي إليه ويسكن إليه، كما أفصح القائل عن ذلك بقوله: «وماذا أطعم العيش من لم يكن له حبيب إليه يطمئن ويسكن؟» أن أهل الدنيا، من جعل له حبيبا من أهل الدنيا، تجد أنه حتى مثلا: زوجة يسكن إليها، جعل الله عز وجل الزوجة سكنا يسكن إليها ويبث همومه عندها، لكن أعظم من ذلك أن الإنسان يجعل همومه بين يدي الله جل وعلا يبثها لله، كما قال نبي الله يعقوب: ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ﴾، وهذا من أعظم ما يفعله العبد، أنه يبث همه وحزنه لله، يقول مثلا: يا رب، أصابني كذا، أصابني كذا، وأنت... معناه يشتكي إلى الله، وهذا من أعظم الشكوى، معناه من أعظم الشكوى التي هي من العبادات والطاعات، أن يشتكي إلى الله لا يشتكي إلى المخلوق، وأعظم من ذلك، أي أكبر من هذا، أن الإنسان يشتكي الله عز وجل إلى المخلوق، وهذا الذي يعترض على قضاء الله وقدر، فيشتكي للناس: ماذا فعل بنا؟ لماذا أنا مريض هذه الفترة؟ لماذا كذا؟ لماذا أصابني كذا ولم يصب فلان؟ هذا كله من اعتراض على قدر الله، وأيضا شكوى يشكو الخالق للمخلوق، وهذا من أعظم الخسرات، لكن الذي ينزل شكوته إلى الله فإن الله عز وجل يعينه، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من أصابه فقر فأنزله على الله أعانه الله، ومن أصابه فقر فأنزله على الناس وكله الله إلى الناس»، على: إذا أصابه فقر لا يدعو الله، يذهب إلى الناس: أعطوني، أعطوني، أعطوني، أنا فقير، أنا كذا، ينزل فقره إلى المخلوقين، هذا يتركه الله عز وجل ولا يعينه، لكن الذي ينزل فقره إلى الله يدعو الله عز وجل: اللهم إني فقير، اللهم إني كذا، ما عندي مال، اللهم ارزقني رزقا حلالا طيبا، وغيرها من الأدعية، قد كان بعض السلف كما كان يفعل أبو حازم يقول: اللهم أرزقني ووسع لي في رزقي، هذا ما في شيء أن الإنسان يطلب الرزق من الله، خاصة إذا أصابه البلاء، انظر إلى نبي الله أيوب الذي يضرب به المثل في الصبر العظيم، صبر ثمانية عشر سنة ثم اشتكى إلى الله جل وعلا ولم يشتكي إلى خلقه، فاشتكى إلى الله عز وجل أنه مسه الضر، فلهذا فالشكوى تنزل إلى الله سبحانه وتعالى. قال: فالعيش الطيب والحياة النافعة وقرة العين في السكون والطمأنينة إلى الحبيب الأول، ولو تنقل القلب في المحبوبات كلها لم يسكن ولم يطمئن إلى شيء منها، ولم تقر به عينه عليه، لا يرتاح، وسمي قرة العين لأن العين تستقر إلى النظر في هذا، فالمراد به الراحة، أنه ارتاح لهذا الشيء، قالوا: لم تقر به عينه حتى يطمئن إلى إلهه وربه ووليه الذي ليس له من دونه ولي ولا شفيع ولا غنى له عنه، قرة عين، كما قال القائل: «انقل فؤادك حيث شئت من الهوى، ما الحب إلا للحبيب الأول»، فأنت تسكن إلى ذلك الحبيب العظيم الذي سخر لك، وأيضا كذلك أعطاك من كل شيء، وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه. ثم قال شاعر: «كم من منزل في الأرض يألفه الفتى، وحنينه أبدا لأول منزل»، وحنينه لأول منزل الذي هو وطنه وبلاده. قال بعد ذلك: فاحرص أن يكون همك واحدا، وأن يكون هو الله وحده، فهذا غاية سعادة العبد، هذا غاية السعادة، أن يكون الإنسان همه الله والدار الآخرة، ونيته الله والدار الآخرة، فلهذا تترجم أعماله كلها إلى الآخرة، فيفكر: هل هذا العمل يرضي الله أو لا يرضي الله؟ أي عمل سيقدم عليه، أولا يفكر: هل هذا يرضي الله؟ فهذا الذي همه الله وهمه الآخرة، إذا عمل عمل أخلص لله وصدق مع الله، فيكون كل أمره لله سبحانه وتعالى، فإن شاء الله تعالى نكتفي بهذا ونكمل في درس قادم.