الدرس في التعليق على رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع تفسير ابن القيم لقوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ مبيناً أربعة أصول هي الصبر على الطاعة والمعصية والقدر، واليقين الجازم بأركان الإيمان، والدعوة إلى الله، والهداية بما أمر به الشرع. ويؤكد أن اليقين هو الإيمان كله والصبر نصفه، ضارباً أمثلة من سيرة السلف في مجاهدة النفس.
يبيّن المقطع أن اليقين الحقيقي هو معاينة القلب للأصول الإيمانية كوضوح الشمس، وأن الشك فيها ينفي الإيمان، مستدلاً بسورة العصر التي جمعت كمال النفس بكمال الغير عبر التواصي بالحق والصبر. ويبرز أن أكمل الناس درجة من آمن وعمل صالحاً ودعا إلى الله على بصيرة.
يُعرّف النص البصيرة بالثبات في الدين والاعتبار بالحوادث، مبيناً أن أتباع الرسول هم أولو البصائر الذين يدعون بالكتاب والسنة، مستعرضاً أربعة أصول لأئمة الدين. وينقل عن الإمام أحمد وصف العلماء بخلفاء الرسل في إحياء القلوب وإبطال شبه الغلاة والمبطلين من الخوارج والمعتزلة والمرجئة.
يختتم المتحدث الدرس الحالي معلناً الاكتفاء بما تم طرحه من علم وفائدة، وموعداً المستمعين بلقاء قادم في درس لاحق لاستكمال المسير. ويختتم بالشكر والدعاء بالخير للجميع.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد: أخذنا في الدرس الذي مضى ما ذكره الإمام ابن القيم في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. فيقول ابن القيم: أن فيها -أي في هذه الآية- أربعة أصول: أولاً: الصبر واليقين، ثم الدعوة إلى الله وهداية خلقه، وكذلك هدايتهم بما أمر به على لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، لا بمقتضى عقولهم وآرائهم؛ أن الإنسان يأتي بأشياء مبتكرة من عنده، فهذا خطأ. بل إن هناك من العلماء من ذهب إلى أن طريقة الدعوة لا بد أن تكون على وفق ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، لا يبتكر الإنسان أموراً من عنده كالتمثيل والأناشيد وغير ذلك، يجعلها وسائل من وسائل الدعوة. فهذه أربعة أصول تضمنتها هذه الآية: أحدها الصبر. قال: وهو حبس النفس عن محارم الله، وحبسها على فرائضه، وحبسها عن التسخط والشكاية لأقداره؛ لأن الصبر مجمل لثلاثة أشياء: الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر عن أقدار الله المؤلمة. فيحتاج المسلم إلى الصبر في هذه الأشياء، والناس يختلفون بين مقل ومستكثر. منهم من يكون صابراً صبراً عظيماً، بل جلد نفسه على الصبر حتى جاء بالطاعات، وألان الله عز وجل له الطاعات. ولهذا من ينظر إلى تراجم السلف يرى العجب من ناحية قيامهم بالليل، وجهادهم في سبيل الله، وغير ذلك مما جلدوا أنفسهم وروضوا أنفسهم على طاعة الله جل وعلا. فراضت كما قال ثابت البناني رحمه الله: "روضت نفسي عشرين سنة حتى راضت". قال: "روضت نفسي في قيام الليل عشرين سنة"، وهو يروض نفسه حتى راضت هذه النفس، فصارت له كالسليقة، كعادة، أنه يكون بعد ذلك قيام الليل كأنه عادة؛ يقوم الإنسان في الوقت الذي اعتاد القيام فيه، ويصلي ما بدا له أو ما اعتاده، أيضاً كذلك لو زاد لم يؤثر عليه. ولهذا كان بعض السلف يكثر من صلاة الليل، فلما شاخ شق عليه ذلك، لكنه استمر في ذلك. أبو حازم الفقيه، فقيه المدينة، كان يقوم الليل، فلما شاخ كان يقوم الليل مثل ما كان يقوم في شبابه، حتى أنه في آخر القيام لا يستطيع أن يمشي من كثرة قيامه، فيحبو، فيحبو إلى فراشه. وكذلك بعض السلف كان يقل في القرآن، مثل ما جاء عن إسحاق السبيعي، فكان يتندم على شبابه أنه كان يصلي كثيراً، وأما الآن فقال: "لا أستطيع إلا أن أقرأ بسورة البقرة"، يقرأ سورة البقرة في قيامه، وهو شيخ كبير قد بلغ قرابة التسعين سنة، وهو يصلي بسورة البقرة وهو قائم. هذا معنى الهمم التي عند هؤلاء رضي الله تعالى عنهم. فلهذا جلدوا أنفسهم على الصبر، حبسوا أنفسهم على الصبر. وتجد الآن -إلا من رحم الله- سرعان ما تضجر الأنفس، تضجر الأنفس، وخاصة إذا حملها الإنسان ما لا تحتمل، فغالباً تنفر هذه النفس ولا تتروض. وأيضاً من التروض أن الإنسان يحاذر، معناه يحاول أنه يأتي بما تتحمله نفسه، لا يهجم عليها هجوماً في الأعمال والطاعات. ولهذا تجد أن الإنسان -أو في الشرع هناك أشياء تكون مثل التهيئة- يهيئ العبد نفسه في طاعة الله وفي غير ذلك. وأما إذا هجم على النفس وألزمها أشياء لا تطيقها فغالباً تنفر. وهذا أيضاً من التشدد على النفس. النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن هذا الدين يسر، ولن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه». إذا شدد على نفسه فغالباً تنفر هذه النفس. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ليصل أحدكم نشاطه». ولما وجد حبلاً لبعض أزواجه قال: «خلوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإن الله لا يمل حتى تملوا». فالإنسان الواجب عليه أن يروض نفسه على الطاعة. بل حتى ترك المعصية قد لا تستطيع النفس أن تترك المعصية فجأة، لكن الواجب ذلك؛ الواجب أنه يترك المعصية، إن علم أنها معصية يتركها بسرعة، لا يتدرج فيها، هذا الواجب. لكن إذا لم يستطع تركها بالكلية فإنه يتدرج في تركها، مثل ما جاء في الخمر. الشرع الأصل أنه ينتهي، كما جاء في الصحيح عن أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه». في الأمر قال: «فأتوا منه ما استطعتم»، وما نهيتكم عنه قال: «فاجتنبوه»، ما قال: «فاجتنبوه ما استطعتم». طيب. قال: الثاني: اليقين، وهو الإيمان الجازم الثابت الذي لا ريب فيه، ولا تردد، ولا شك، ولا شبهة. بخمسة أصول ذكرها سبحانه في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾. معنى هذه الأشياء لا بد أن يكون هناك يقين، وإلا إن كان هناك تردد وشك لا يقبله الله. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾، ليس عندهم ريب وشك. وقالوا في قول تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. وفي قول: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾. فأن الله عز وجل يذكر هذه الأصول الخمسة ويشدد فيها؛ لأن الإيمان متعلق بهذه الأصول. وذكر النبي صلى الله عليه وسلم أصلاً سادساً وهو الإيمان بالقدر. قال: والإيمان باليوم الآخر داخل في الإيمان بالكتب والرسل، وجمع بينها النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عمر في قوله: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر». قال: فهذه الأصول الخمس، من لم يؤمن بها فليس بمؤمن. الذي لم يؤمن بهذه الأمور فهو ليس بمؤمن. واليقين أن يقوم الإيمان بها حتى تصير كأنها معاينة للقلب، مشاهدة، نسبتها إلى البصيرة كنسبة الشمس والقمر إلى البصر. ولهذا قال من قال من السلف: "اليقين الإيمان كله". هذا جاء عن عبد الله بن مسعود أنه قال: "الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله". وجاء كذلك عن الحسن البصري رحمه الله. وهنا قوله: "حتى تصير كأنها معاينة للقلب، مشاهدة، نسبتها إلى البصيرة كنسبة الشمس والقمر إلى البصر". هناك المعاينة على قسمين: معاينة بالبصر، ومعاينة بالبصيرة، كما ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله. والمراد المعاينة بالبصر: معنى وقوعه على نفس المرئي، يعني يرى أمامه كذا وكذا، فهذه رؤية بالبصر أو معاينة بالبصر. وأما معاينة البصيرة فهو ما يكون في عقل الإنسان وفكره، في التفكر في هذا الشيء وعواقبه، فيدرك ما يكون من عواقب، أو ما يكون شيئاً من أمور خارج عن هذه الصورة، فهذا يسمى بصيرة. أنا يعلم بعد رؤيته، مثلاً بعد مشاهدته، فيرى أن هذا يحتاج لكذا وكذا. فاليقين تصير كأنها معاينة للقلب، وهذه البصيرة هي معاينة القلب. قال: "نسبتها إلى البصيرة كنسبة الشمس والقمر إلى البصر". أنا مثل ما ينظر الإنسان في الشمس والقمر، أنا يرى الشمس والقمر يقيناً، فكذلك هذه الأصول تكون في القلب، لا تردد فيها ولا ذرة شك. ومن أدخل الشك في نفسه في هذه الأصول الخمسة -الإيمان بالله وملائكته- أو الأصول الستة، فهو ليس بمؤمن، فهو ليس بمؤمن. يذهب عنه، إذا ذهب اليقين ذهب الإيمان. إذا ذهب اليقين في هذه الأشياء ذهب الإيمان. فلهذا من استمع إلى شبه الملحدين يقع في هذه الأمور، أو أحياناً وسوسة الشيطان، فالواجب عليه أن يطرد هذه الوسوسة. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «يأتي أحدكم الشيطان فيقول: من خلق كذا؟ فيقول: الله. فيقول: من خلق الله؟ فإذا رأى أحدكم ذلك فليقل: آمنت بالله ورسله»، وفي رواية: «فليقل: لا إله إلا الله». قالوا: لهذا من قال من السلف: "اليقين الإيمان كله". فهذا المرتبة أو الأمر الثاني الذي يؤخذ من هذه الآية. الثالث: هداية الخلق ودعوتهم إلى الله ورسوله. قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. قال الحسن البصري: "هذا حبيب الله، هذا ولي الله، أسلم لله وعمل بطاعته، ودعا الخلق إليه، أسلم وعمل، بعدما عمل دعا الخلق إلى الله جل وعلا". فهذه الأصول العظيمة التي هي في سورة العصر كما سيذكر المؤلف. قال: فهذا أنه أفضل أنواع الإنسان وأعلاهم درجة عند الله يوم القيامة، آمن بالله وعمل لله عز وجل مخلصاً له، ثم أيضاً دعا الناس إلى هذا الدين. هذا أحسن الناس. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾، أي لا أحد أحسن منه، لا أحد أفضل منه. لكن الناس يختلفون في دعوتهم إلى الله وحرصهم على هداية الناس. فلذلك تجد أن الأنبياء أكثر الناس حرصاً على هداية الخلق، ونبينا عليه الصلاة والسلام من شدة حرصه حتى أن الله عز وجل عاتبه في بعض الآيات، عاتبه من شدة حرصه على هداية الخلق، حتى قال جل وعلا لنبيه الكريم: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾، لا تهلِك نفسك. ويقول الله عز وجل: ﴿وَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ﴾، أي مهلك نفسك، ﴿أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾. فنبيه عليه الصلاة والسلام كان حريصاً جداً، شديد الحرص. لما أرسل الله عز وجل له ملك الجبال بعدما عرضت دعوته صلى الله عليه وسلم وخرج إلى الطائف، خرج من الطائف صلوات الله وسلام عليه مغموماً مهموماً، ما أفاق إلا في قرن الثعالب، فأرسل الله عز وجل له جبريل وملك الجبال، فقال له ملك الجبال: "يا محمد، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين"، أهلكهم وأطبق عليهم الجبلين حتى يهلكوا جميعاً. فقال: «لا، لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً». فكان حرصه عظيماً، صلوات الله وسلام عليه. فلهذا كلما كان الإنسان أحرص في دعوته على الناس وعلى دخولهم إلى هذه الهداية، كان أرفع درجة عند الله سبحانه وتعالى. قال: وهم ثُنية، ثنية الله سبحانه من الخاسرين. ثنية: أي استثناء، استثناهم الله عز وجل من الخاسرين، أي هؤلاء الدعاة إلى الله. قال الله عز وجل: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. أي تناصحوا، وتواصوا بالصبر. والمراد تواصي بالحق والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبعد ذلك احتاج إلى صبر، وتواصوا بالصبر. قال: فأقسم سبحانه على خسران نوع الإنسان إلا من كمل نفسه بالإيمان والعمل الصالح، وكمل غيره بوصيته له بهما. ولهذا قال الشافعي رحمه الله: "لو فكر الناس كلهم في سورة العصر لكفتهم". وبعضهم يذكره عن الشافعي أنه قال: "لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم"، كما ذكر الحافظ ابن كثير، وذكره أيضاً الشيخ محمد بن عبد الوهاب على ما ذكره الحافظ ابن كثير. وهنا الإمام ابن القيم ذكرها بقوله: "لو فكر الناس كلهم في سورة العصر لكفتهم"، لكفتهم أي في الهداية، وعلموا ما الله عز وجل أراد من الناس. قال رحمه الله: "ولا يكون من أتباع الرسول على الحقيقة إلا من دعا إلى الله على بصيرة". قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾. أنا ليس كل من هب ودب، كل من فكر أن يدعو يدعو بما شاء، لا، لا بد أن يدعو على بصيرة، يدعو بما أمر الله به، كما سيأتي في الفائدة الرابعة. فقال: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾، فقوله: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ أي تفسير لسبيله التي هو عليها. فسبيله وسبيل أتباعه الدعوة إلى الله. ولهذا تجد العلماء يقولون: أن هذا طريق الرسول، أو طريق الأنبياء، الدعوة إلى الله هي طريق الأنبياء؛ لأن الله عز وجل أرسلهم لذلك. فالداعي إلى الله هو متبع لرسل الله جل وعلا. قال: فمن لم يدعو إلى الله فليس على سبيله، أنا ليس على سبيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وإنما الذي على سبيله هو الداعي إلى الله. من يقول: "أنا لا دخل لي في الناس ولا كذا، الذي يهتدي يهتدي، والذي يضل يضل، ما لي دخل فيه"، ولا يدعو الناس، فهذا ليس على سبيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقال: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾. قال ابن الأعرابي: "البصيرة: الثبات في الدين"، أنا يثبت على دين الله. وقيل: "البصيرة: العبرة"، كما يقال: "أليس لك في كذا بصيرة؟" أي عبرة. قال: وقال الشاعر في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر. قال: والتحقيق: العبرة ثمرة من ثمرات البصيرة، والبصيرة إذا تبصر اعتبر. فمن عدم العبرة فكأنه لا بصيرة له. أن البصيرة هو الاعتبار، يعتبر بالحوادث، يعتبر بما معناه بكلام الناس، يعتبر بهذه الأشياء، فيدعو على بصيرة، أن لا يدعو الناس إلى شيء يضرهم، أو يأتي يكلمهم بشيء لا يفهمونه. فلك كما جاء في حديث: «أعْلِمُوا بِكَلَامِ النَّاسِ»، كما في البخاري: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ». هذا أيضاً من البصيرة. قال: وعقل الله من الظهور والبيان، أي البصيرة. فالقرآن بصائر، أي أدلة وهدى وبيان، يقود إلى الحق ويهدي إلى الرشد. ولهذا يقال: الطريقة من الدمن التي يستدل بها على الرمية: بصيرة. فدلت الآية أيضاً على أن من لم يكن على بصيرة فليس من أتباع الرسول، وأن أتباعهم أولو البصائر. لهذا قال: ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾. فإن كان المعنى: أدعو إلى الله أنا ومن اتبعني، يكون ﴿مَنِ اتَّبَعَنِي﴾ معطوفاً على الضمير المرفوع في ﴿أَدْعُو﴾، أنا أيضاً من اتبعني يدعو، وحسن العطف لأجل الفصل، وهو دليل على أن أتباع الرسول هم الذين يدعون إلى الله وإلى رسوله. قال: وإن كان المعطوف على الضمير المجرور في ﴿سَبِيلِي﴾، أي هذه سبيلي وسبيل من اتبعني، كذلك المعنى على التقديرين. فسبيله وسبيل أتباعه الدعوة إلى الله، الدعوة إلى الله. فهذا الأصل الثالث: وهو هداية الناس ودعوتهم. ثم ذكر الأصل الرابع: وهو الدعوة، أو ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾، أن يكون دعوته بالكتاب والسنة. قال: الأصل الرابع: قوله ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾، وفي ذلك دليل على اتباع ما أنزل الله على رسوله، وهدايتهم به وحده دون غيره من الأقوال والآراء والنحل والمذاهب. بل لا يهدون إلا بأمره قاصرة، يعني يدعون الناس إلى كتاب الله، من كتاب الله إلى كتاب الله، ومن سنة رسول الله إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: فحصل من هذا أن أئمة الدين الذين يقتدى بهم هم الذين جمعوا بين الصبر واليقين والدعوة إلى الله بالسنة والوحي، لا بالآراء وبالبدع. هؤلاء خلفاء الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أمته، أي من جمع هذه الأصول الأربعة. قال: وهم خاصة الله وأولياؤه، ومن عاداهم أو حاربهم فقد عادى الله سبحانه وآذنه بالحرب. ولهذا قال الشافعي: "العلماء هم أولياء الله، ومن عاداهم فقد عادى الله". العلماء الذين على هذه الطريقة، عندهم صبر ويقين، وعندهم دعوة إلى الله على السنة. قال الإمام أحمد رحمه الله في خطبة كتابه "الرد على الجهمية": "الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى. فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، كان قد أماته إبليس وقتله بالمعاصي والفجور وغير ذلك، فأحيوه بكلامهم وبفعلهم وبدعوتهم. وكم من ضال تائه قد هدوه، تائهاً في الضلالة في البدع. فما أحسن أثرهم على الناس، وما أقبح أثر الناس عليهم"، أي بالكلام عليهم وبذمهم. «كذلك ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين». وهذه كلها معاني عظيمة تحتاج إلى تفسير، لكن ليس الوقت يتسع لذلك. قال: «الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة». فهؤلاء يتصدى لهم أهل العلم فيزيفون ما عندهم من الباطل. قال: «فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، اختلفوا في كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم، وأيضاً مخالفون للكتاب والسنة. مجمعون على مفارقة الكتاب». أهل البدع وأهل الباطل كلهم أجمعوا على مفارقة الكتاب، في اختلاف بينهم: هذا يقول كذا من الغلو، وهذا يقول كذا من التفريط. مثلا القضية: الكبيرة، الذي يفعل كبيرة وهو من أهل الإسلام، ما يسميه العلماء بالفاسق الملي. غلا الخوارج وكفروه، وكذلك المعتزلة، وإنما اختلفوا فقط: هل هو خالد في النار أو لا؟ فالخوارج قالوا: مخلد في النار، وقالت المعتزلة: في منزل بين المنزلتين. أقصد: اختلفوا في الحكم في الدنيا، فقالت الخوارج: كافر، وقالت المعتزلة: في منزل بين المنزلتين، لا هو كافر ولا مؤمن. واتفقوا على أنه في النار يوم القيامة، أنه من أهل النار. وهناك أيضاً من فرط في هذا، وقابل هذا القول بتفريط شديد، وهم المرجئة، فقالوا: أن هذه الأعمال لا تؤثر في إيمانه، إيمانه باقي لا يزيد ولا ينقص، فمهما فعل من المعاصي والذنوب فإيمانه لا ينقص. وهذا كلام باطل أيضاً، مخالف للكتاب والسنة. فهم مخالفون للكتاب، مفترقون، لكن مجمعون على مفارقة الكتاب. يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم. يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس. لا، أحياناً مثلاً يستدلون ببعض الآيات، لكن لا ينزلونها على ما فهمه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. قال: «ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم». معنا: أحياناً الخلاف يكون في الكتاب، مثل ما جاء عند أحمد وأبي داود من حديث علي، أو حديث أبي سعيد، النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِنَّ مِنْكُمْ مَنْ يُقَاتِلُ عَلَى تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ كَمَا قَاتَلْتُ عَلَى تَنْزِيلِهِ». «إِنَّ مِنْكُمْ مَنْ يُقَاتِلُ عَلَى تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ»، معنا: في تفسير القرآن، كما قاتلت على تنزيله. قال أبو سعيد: «فَاشْرَأَبَّ لَهَا النَّاسُ»، معنا: أشرفوا لها. فقال: «خَاصِفُ النَّعْلِ»، أي علي كان يخصف نعل النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: «خَاصِفُ النَّعْلِ»، أي أن علياً يقاتل، يقاتل الناس على تأويل القرآن، على تفسيره، وهو الذي قاتل الخوارج، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. «يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم». نعوذ بالله من فتن المضلين. هذا كلامه رحمه الله، كلام الإمام أحمد في مقدمة كتاب "الرد على الجهمية"، وإن كان الكتاب مما كتبه ابنه عبد الله، لكن الكتاب للإمام أحمد، ومعنى ذكر كلام أبيه فيه. طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، ونكون في درس لاحق. شكراً.