التعليق على الجواب الكافي 151

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 151، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مفهوم محبة الله وتفسير آية اتخاذ الأنداد

يشرح مفهوم محبة الله عز وجل وعدم قبولها مع محبة غيره، مستندا إلى تفسير الإمام ابن القيم لآية اتخاذ الأنداد. يبين أن محبة الله لا تقبل المشاركة مع محبة المخلوقين.

تحذير من محبة المخلوقات واتخاذها إلها

يحذر من محبة المخلوقات واتخاذها إلها من دون الله، ويبين أن من أحب الله نال العز في الدنيا والآخرة. بينما من أحب المخلوقات ذل ووقع في العبودية لغير الله.

مراتب المحبة ودرجات التعبد لله

يشرح مفهوم التعبد ومحبة الله، ويبين أن من لم يحب الله أشغل قلبه بغيره. كما يوضح أن التعبد هو آخر مراتب الحب ويتضمن الخضوع والذل للمحبوب.

معنى الصبابة وانصباب القلب للمحبوب

يشرح معنى الصبابة وهي انصباب القلب إلى المحبوب. يعكس التعبير الشاعري عن تمني أن تكون كل محبة الناس له وحده شدة عشقه وتمنيه لتحمل كل ما يلاقيه المحبون.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، ذكرنا بالأمس ما ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله في توحيد المحبوب، وأن محبة الله عز وجل لا تقبل معها محبة غيره، أي محبة عباده وذل وتعظيم لا تكون إلا لله، فمن صرفها لغير الله فإنها تخرج محبة الله من قلبه، وإن كان يدعي المحبة. ولهذا في قول الله عز وجل: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله﴾. ذكر الإمام ابن القيم وشيخ الإسلام وغيرهم أن الآية فسرت على معنيين. فقوله: ﴿والذين آمنوا أشد حبا لله﴾، أي من المشركين لأصنامهم ولمن يعبدونه ويحبونه، هذا تفسير. والتفسير الثاني: قوله جل وعلا: ﴿والذين آمنوا أشد حبا لله﴾، أي أنهم يحبون الله عز وجل أعظم من محبة المشركين لمن يشركون به، يحبون الله عز وجل أعظم من محبة المشركين لمعبوداتهم. فهذا تفسير، وهذا تفسير معنى، وكل المعنيين محتملين، لكن الثاني هو الذي تأيده الدلالة، لأن من أحب غير الله وأدخل قلبه غير الله عز وجل، خرجت محبة الله من قلبه، فلا يجتمع محبة الله سبحانه وتعالى ومحبة المخلوقين، أي أنها لا تجتمع محبة تعظيم وعبادة وذل. فإذا ذل الإنسان وعظم غير الله، فإنه لا شك أنه لا يعظم الله جل وعلا. فلهذا محبة الله عز وجل لا تقبل المشاركة، قال رحمه الله: "فليختر العبد إحدى المحبتين، فإنهما لا يجتمعان في القلب ولا يرتفعان منه"، أن لا يجتمعان معا ولا يرتفعان معا. فإن أحب الله عز وجل خرجت محبة المخلوقين، وإن أحب المخلوقين خرجت محبة الله عز وجل، فهي لا ترتفع معا ولا تجتمعان معا. والمراد كما قلنا بالمحبة ليست المحبة العادية، وليست أيضا المحبة الألفية، أنا محبة عادية مثلا محبة الولد، محبة غيرها، ولا أيضا محبة الشهوة مثلا للزوجة وكذا، وإنما هذه المحبة هنا المراد بها محبة الذل والتعظيم. فهذه لا تجتمع في قلب امرئ محبة الله ومحبة المخلوقين، بل ولا يرتفعان معا، أنا لا يرتفعان حتى يبقى القلب صافيا، بل من ترك محبة الله لا بد أن يبتلى بمحبة غيره، وما ترك محبة الله إلا لأنه ابتلي بمحبة غيره. حتى مثلا قد يبتلى مثلا بالإلحاد، يحب مثلا الإلحاد وهكذا، فتجد قلبه مشغولا بهذا، يبحث طول ليل ونهار كيف يحاج أهل الإسلام، مثلا يحاج من يؤمن بالله، فيجلس ويبحث في هذا، فهو أيضا أدخل على نفسه محبة غير الله. فلهذا فلابد للقلب من محبة، إما أنه يحب الله أو يحب غير الله. قال: "بل من أعرض عن محبة الله وذكره والشوق إلى لقائه ابتلاه بمحبة غيره"، فيعذبه بها في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة، معناه في الثلاث الدور، الدور ثلاث: الدنيا والبرزخ الذي هو بين الدنيا والآخرة، قد يكون في القبر، وقد يكون في غير القبر، لأن الإنسان قد يموت مثلا غريقا، يموت كذا، لكن عذاب القبر ونعيمه حاصل له كما هو قول أهل السنة. قالوا: في الآخرة أن هذه الثلاثة الدور يعذبه الله عز وجل بهذا المحبوب. أولا في الدنيا، أنه في الدنيا يتعذب، أولا عشاق الصور، معناه يتعذبون أعظم عذاب، حتى يكاد يكره نفسه من كثرة الذل الذي يصاب به. سبحان الله، تجد أن العبد إذا أحب الله عز وجل، ذله صار عزا، لكن إذا أحب المخلوق فهو يستنكر ذله، وإن كان لا يستطيع أن يغيره، يستنكر ذله للمخلوق لأنه مخلوق مثله، لكنه بسبب أنه طغى على قلبه لا يستطيع أن يغير هذا الذل. ولهذا وجد أناس في هذا الزمن وقبله صاروا مثل العبيد أو أشد من العبيد. بل الآن انتشر عند الغربيين مسألة أن يكون الرجل كلبا لامرأة أو تكون المرأة كلبة لامرأة، يعني هو إنسان لكن يقلد الكلب، يضع له سلسلة ويقيد يديه، وأيضا يضع له حبلا يجره ويمشي على أربع أرجل. أن هذا حاصل وموجود ونشروه في المجلات وغيرها، وانتشر الآن في أوروبا وفي أمريكا أنه يتخذ الرجل أو المرأة تتخذ كلبا يصير كلبا له، هذا كأنه عمل فيصير مثل الكلب يخدمه، يعطيه طعامه ويجره متى ما أراد ويمشي في شوارع كلب. وهذا بسبب هذا الذل الذي وقع فيه هؤلاء، لكن الذي التغرق فيه محبة الله جل وعلا ومحبة دينه يكون على أعظم عز في هذه الدنيا، وكذلك أيضا يرفعه الله عز وجل في الآخرة. قال: "فإما أن يعذبه بمحبة الأوثان أو بمحبة الصلبان"، مثل النصارى، أنا يحب الصليب، هذا الصليب يشوفه شيء عظيم، ما يستطيع مثلا أن ينظر إلى الصليب ولا يأخذه أو يراه ملقيا، مثل أهل الإسلام عندهم مثل القرآن، القرآن عندهم عظيم لأنه كلام الله، وهكذا أهل الصلبان عندهم هذه الحديدة معنا حديدة، لكنهم يفضلونها ويعظمونها ويأخذها، وأيضا كذلك يقبلها ويضعها في حلقه وفي صدره لا يفكها أبدا، فهذا عبادة. قال: "أو بمحبة الصلبان أو بمحبة المردان أو بمحبة النسوان أو محبة العشراء والخلان"، أنا الأصدقاء، حيانا الإنسان حتى يحصل منه هذا بمحبة العشراء والخلان، أو محبة ما هو دون ذلك مما في غاية الحقارة والهوان، أنا مثل الحيوانات، يحب الحيوانات، أنا بعض في الدول الكافرة ما عنده إلا كلب، أو المرأة ما عندها إلا كلب، تنام معه وتقوم معه وتذهب معه، وأيضا لها ولد، والأمر أنه يورثون الكلاب، حتى معنى إذا ماتت ورثوا كلبهم، ورثوا حتى صار كلاب أغنياء وقطة أغنياء عندها أموال في البنوك، وهذا لسخافة هؤلاء ووصلوا إلى هذه الدرجة. فتكون الرجل أو المرأة معه كلب، معنى ما يجد أحد في الدنيا إلا هذا الكلب، فيحبه حبا شديدا حتى أنه لا يستطيع أن يفارقه، فيصير كل حياته هذا الكلب. وهذا كما قال لما بن قيم رحمه الله: "أو محبة ما هو دون ذلك مما هو في غاية الحقارة والهوان". فالإنسان عبد محبوبه كائنا من كان. قال: "كما قيل: أنت القتيل بكل من أحببته فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي". قال: "فمن لم يكن إلهه مالكه ومولاه كان إلهه هواه". قال الله عز وجل: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون﴾. وقال في الفرقان: ﴿أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا﴾. فمن لم يتخذ الرب جل وعلا إلهه فلابد أن يتخذ الهوى إلهه، وهذا الهوى سيعبده ويكون مصيره إليه، وهذا شيء لا بد منه. فعنا كما ذكر الإمام بن القيم أن من لم يحب الله عز وجل ولم يحبه محبة تعظيم عبادة، أشغل قلبه بغير الله، يشغل قلبه بغير الله، يشغل بالدنيا بالأموال حتى يصير عبدا للدينار ودرهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: "تعيس عبد الدنار، تعيس عبد الدرهم، عبد القطيفة، عبد القميلة، إن يعطى رضي وإن لم يعطى لم يرضى"، معنى ما عنده إلا المال، صار يعبد هذا المال، عنده محبة لهذا المال محبة عظيمة حتى أنه يعذب بسبب هذا المال. كيف يعذب بسبب هذا المال؟ فإما أنه تجده مثلا لا ينام من كثرة الحساب، من كثرة أيضا ما يكون لعله مثلا يقول: لعل فلان أو لعل سارق سيأخذ مالي أو لعل كذا، فيصير في عذاب بسبب هذا المال. قاله محبة العشراء طيب. قال: "فلهذا كما قلنا أنه يعذب بهذا المحبوب الذي اتخذه". قاله: "خاصية التعبد الحب مع الخضوع والذل للمحبوب، فمن أحب شيئا وخضع له فقد تعبد قلبه له". بل التعبد آخر مراتب الحب، أنا هذا التعبد هذا التعبد هو عظيم الحب والذل للمحبوب. فلهذا لا يكون تعبد إلا مع خضوع وذل، لا يكون تعبد هذا المحبة لا تكون تعبد إلا مع ذل وخضوع. فإذا حصل الذل والخضوع فهذا حب يسمى تعبد. حتى الذي يخضع لهؤلاء مثلا المقبورين يخضع لهم ويذل لهم لأجل إما أنه رغبة فيما عندهم وإما أنه خوفا من أن يضروه. وهكذا أيضا من يخاف من الجن أو يعبد الجن، فهو إما أن يكون طالبا منهم شيئا مما يعطى، معنى يريد مثلا مثل ما يفعل بعض الناس يتعلم السحر لأجل إيش؟ لأجل أنه يكون يملك الناس، أنه يملك جن فيتصرف في الناس أو في بعض حيانا يدخل في هذا بسبب الشهوة وأيضا بسبب المحبة والعشق. فيتعلم السحر لأجل أن يصرف تلك المرأة إليه وذلك الصبي إليه وهكذا. وهتجد كثيرا مما يفعل السحر بسبب هذا، فيخضع للجن ويدل لهم، سواء كان رغبة أو رهبة بسبب هذه الأمور. بل كما قال الإمام ابن القيم: "أنه يدل لكل شيء يرى أنه يعينه على هذا المحبوب"، أنا ليس فقط للمحبوب أدل هذا، بل لكل ما يظن أنه يعينه على هذا المحبوب. قال: "فمن أحب شيئا وخضع له فقد تعبد قلبه له". فللتعبد آخر مراتب الحب، ويقال له التيم أيضا. سيأتي إن شاء الله سيذكر المؤلف مراتب المحبة. قال: "فإن أول مراتبه العلاقة، وسميت علاقة لتعلق المحب بالمحبوب". قال الشاعر: "وعقلت ليلى وهي ذات تمائم لم يبدل الأتراب من ثديها حجمه". والقصد هو الشاهد ليس القصد الشعر، أن الشعر فيه شيء من الغزل الغزل المذموم الذي لا ينبغي أن يذكره، لكن لأجل الشاهد يذكرون هذه الأبيات. وهنا قوله: "وعلقت ليلى"، أي تعلقت بمحبة هذا المحبوب الذي تحبه، وهذا قاله مجنون ليلى. قال: "وقال الآخر: أعلاقة أم الوليد بعدما أثنان رأسك كالتغام المخلس"، أنا يقول له: حتى وأنت قد بلغت هذا السن ورأسك صار أبيض أيضا تتعلقين بهذا المحبوب علاقة أم الوليد بعدما، أنا هذا العلاقة أي المحبة، لكنها أول بداية المحبة وهي التعلق، أنا الإنسان تجده مثلا أولا إذا أراد أن يرتبط بامرأة أو بغيره، فأول ما يضعه في قلبه التعلق يتعلق بهذا المحبوب، وهذا التعلق بعد ذلك يكون دائما على خاطره دائما على خاطره، ثم يزيد هذه العلاقة فتصير صبابة إذا زادت هذه العلاقة صارت صبابة، وسميت بذلك الانصباب القلب إلى المحبوب. قال الشاعر: "ويشكل محبوب الصبابة ليتني تحملت ما يلقون من بينهم وحدي فكانت لقلبي لذة الحب كلها فلم يلقها قبلي محب ولا بعدي"، أنا كلها سيتحمل، وهذا أكثرهم من شعري قيس أو هذا مجنون ليلى. ومعنى يقول: أنه محبة الناس وصبابتهم ليتها تكون كلها لي، فكانت لقلبي لذة الحب كلها، فلم يلقها قبلي محب ولا بعدي. طيب إن شاء الله نكمل في درس لاحق.