الدرس في كتاب الصلاة 24، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يناقش أحكام صلاة المسافر والمريض، ويشرح قصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين في السفر. يبين اختلاف العلماء في حكم القصر بين الوجوب والاستحباب ويستدل بالأحاديث النبوية.
يتناول اختلاف أهل العلم في تحديد مسافة السفر للقصر، ويبين أن الراجح هو الاعتماد على العرف في تحديد السفر. يشير إلى عدم ورود تحديد معين في الشريعة لمسافة السفر.
يشرح حكم قصر الصلاة في السفر ومدته، ويبين أن المسافر يقصر الصلاة إذا لم ينو الإقامة. كما يشرح جواز الجمع بين الصلاتين أثناء السفر بسبب المشقة.
بسم الله الحمد لله صلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال المصنف رحمه الله: باب صلاة المسافر والمريض. قال: حيث ثاني والثلاثون بعد الخمسمائة، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: أول ما فرضت الصلاة ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر، متفق عليه. قيل لعروة: ما بال عائشة تتم في السفر؟ قال: إنها تأولت كما تأول عثمان. وللبخاري: ثم هاجر، ففرضت أربعا، وأقرت صلاة السفر على الأول. وزاد أحمد: إلا المغرب، فإنها وتر النهار، وإلا الصبح، فإنها تطول فيها القراءة. وهذه زيادة عن النعمان. وأحمد، صح الشيخ الألباني رحمه الله في الصحيحة. قال: هذه الثلاثون معدل خمسمائة. وعنها رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر في السفر ويتم ويصوم ويفطر، رواه الدارقطني، ورواته وثقات، إلا أنه معلول. والمحفوظ عن عائشة من فعلها، يعني أنها كانت تتم في السفر، وقالت: إنه لا يشق علي، أخرجه البيهقي، يعني في السنن. هذا الباب باب صلاة المسافرين والمريض، ذكر فيه جملة من الأحاديث المتعلقة بأحكام السفر. والأصل في مشروعية القصر في السفر قول الله عز وجل: ﴿إذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾. وما ثبت في السنة في الأحاديث كثيرة في قصر النبي عليه الصلاة والسلام للصلاة في السفر. والصلاة التي تقصر هي الصلاة الرباعية، الصلاة الرباعية: الظهر والعصر والعشاء، فتصلى ركعتين. وأما الفجر والمغرب فكما جاء في مسند الإمام أحمد: أن المغرب وتر النهار، والفجر تطول فيها القراءة، فلا حاجة إلى قصرهما. وفي حديث عائشة: قالت: أول ما فرضت الصلاة ركعتين، يعني كانت الصلاة في أول فرضها تصلى ركعتين، ثم أقرت صلاة السفر، أي بقيت على ركعتين، وزيد في صلاة الحضر، وأتمت صلاة الحضر، وصارت أربعا. قيل لعروة: ما بال عائشة تتم في السفر؟ يعني مع أنه روى الحديث أن صلاة السفر عبارة عن ركعتين. فقال: إنها تأولت كما تأول عثمان. عثمان رضي الله عنه كان يتم الصلاة في مينة، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام وأبو بكر وعمر يقصرون ويصلون ركعتين. وعثمان رضي الله عنه تأول، المراد بهذا التأويل -على القول الراجح- أنه رأى جواز الإتمام وجواز القصر، رأى جواز الإتمام وجواز القصر. وعلى هذا أيضا كانت عائشة رضي الله عنها. وهذا الذي نقله الإمام النووي رحمه الله عن المحققين من أهل العلم، وذكروا أقوالا أخرى، لكن رجح هذا القول رحمه الله. وهنا اختلف أهل العلم، مع اتفاقهم على مشروعية القصر، اختلفوا في حكم القصر في السفر: هل هو واجب أو هو مستحب؟ فذهب جمهور العلماء، ومنهم مالك والشافعي وأحمد، وأكثر العلماء، إلى أنه يجوز القصر والإتمام، وأن القصر أفضل، يعني القصر سنة والإتمام جائز، والقصر أفضل. والقصر في السفر أفضل من الإتمام. وذهب جماعة إلى أن القصر في السفر واجب، وهو قول أبي حنيفة وجماعة، ورجحه شيخ الإسلام، رجحه الإمام ابن حزم، الإمام ابن حزم: أن القصر في السفر واجب. واستدل بحديث عائشة المذكور في هذا الباب: أول ما فرضت الصلاة ركعتين، فأقر الصلاة السفر، وأتم الصلاة الحضر. واستدل الجمهور على جواز الإتمام في السفر بفعل الصحابة رضوان الله عليهم: أنهم كانوا يسافرون، فمنهم من يقصر ومنهم من يتم، منهم من يقصر ومنهم من يتم. وكذلك أيضا أن القصر -يعني جائز أو مستحب- وليس بواجب، ويدل على ذلك قوله جل وعلا: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح﴾. ورفع الجناح يدل على الإباحة والجواز، يدل على الإباحة والجواز. وأما حديث الباب: فرض الصلاة ركعتين، فحمله أهل العلم على أن المراد به من أراد الاقتصار على الركعتين، من أراد الاقتصار على الركعتين فله أن يقتصر عليهما، وأن هذا أفضل في حال السفر وفي حال الحضر، فقد زيد في الصلاة، ويجب إتمامها. ورجح هذا القول أيضا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن القصر أفضل ويجوز الإتمام. وعلمنا كما ذكرنا: أن الأصوات التي تقصر: الأصوات الرباعية. وأما المغرب والفجر فإنهما لا تقصران. وحديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر في السفر ويتم، هذا الحديث كما أشار الإمام الدارقطني رحمه الله: أنه معلول، والمحفوظ عن عائشة من فعلها: أنها كانت تتم في السفر، على أنها رأت الجواز في الإتمام. قال الحديث الرابع والثلاثون بعد الخمسمائة، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته»، رواه أحمد وصححه ابن خزيمة. وفي رواية لابن حبان: «كما يحب أن تؤتى عزائمه». والحديث صحيح. هذا الحديث فيه: أن القصر أفضل وأحب إلى الله سبحانه وتعالى من الإتمام. ووجه ذلك: أن الله عز وجل يحب أن تؤتى رخصه، والقصر في السفر رخصة، القصر في السفر رخصة، فكان فعله في السفر أحب إلى الله أحب إلى الله من الإتمام. فالله عز وجل يحث العبد على أن يأتي رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته. وكذلك في رواية ابن حبان: «كما يحب أن تؤتى عزائمه»، عزائمه يعني الأشياء الواجبة المفروضة، الله عز وجل يحث العبد على أن يأتي بفرائض الواجبات، ويكره منه فعل الذنوب والمعاصي. وكذلك يحثه على أن يأتي بالرخص التي رخصها له سبحانه وتعالى. قال الحديث الخامس والثلاثون بعد الخمسمائة، عن أنس رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو فراسخ صلى ركعتين، رواه مسلم. وهذا الشك من شعبة رحمه الله. كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو فراسخ. ورجح بعضهم رواية الفراسخ، لأن الأميال تدخل فيها، فالفراسخ: الفرسخ ثلاثة أميال، فثلاثة فراسخ تسعة أميال. والميل: ستة آلاف ذراع، ستة آلاف ذراع. وقيل: منتهى إليه مد البصر، منتهى إليه مد البصر فهو ميل. وقيل: أن الميل أن ينظر المرء إلى الشاخص في أرض مستوية فلا يدري أهو رجل أو امرأة، أو هو مقبل أو مدبر، أهو مقبل يعني ذكره أو ذهب من بعد المسافة، فيقال: هذا ميل، هذه المسافة ميل. هذا الحديث استدل به بعض أهل العلم على أن مسافة القصر تكون في هذه -يعني تحدد بهذه المسافة- مسافة ثلاثة فراسخ، من أراد أن يقصر الصلاة إذا سافر مسافة ثلاثة فراسخ فله أن يقصر. وأما إذا سافر أقل من ذلك فإنه لا يقصر الصلاة، فإنه لا يقصر الصلاة. فذهب بهذا بعض أهل الظاهر، استدلالا بظاهر هذا الحديث. وذهب مالك والشافعي وجماعة إلى أن القصر يكون في مسافة مرحلتين -يعني سفر يومين- سفر يومين، يعني قدر 48 ميلا، ومنهم من قال: لا، لا يكون السفر إلا في ثلاث مراحل -يعني سفر ثلاثة أيام-. وقول أبي حنيفة: وأقوال كثيرة في هذا الباب، في باب تحديد مسافة السفر، منهم من قال: أربعة برد، لما روي عن ابن عباس. واختلف أهل العلم في تحديد مسافة السفر إلى نحو عشرين قولا، كما قال المنذر رحمه الله. ومن نظر في فعل الصحابة رضوان الله عليهم: يجد أنهم قصروا في أقل من هذه المسافة، أقل من ثلاثة فراسخ، قصروا في أقل من ثلاثة فراسخ. وصح عن ابن عمر أنه قال: لو خرجت ميلا قصرت الصلاة، لو خرجت ميلا قصرت الصلاة. وهذا الأثر صححه الحافظ ابن حجر رحمه الله. وأيضا قال ابن عمر: تقصر الصلاة في مسيرة ثلاثة أميال، تقصر الصلاة في مسيرة ثلاثة أميال، وسنده صحيح. وقال: إني لأسافر الساعة من الليل أو النهار فأقصر، إني لأسافر الساعة من الليل أو النهار فأقصر، وسنده صحيح، كما قال الحافظ رحمه الله. وأهل مكة لما خرجوا مع النبي عليه الصلاة والسلام إلى مينة في حجة الوداع قصروا الصلاة، مع أن المسافة من مكة إلى المدينة نحو فرسخ، المسافة من مكة إلى المدينة نحو فرسخ. ونحوها من آثار كثيرة تدل على أن الصحابة رضي الله عنهم قصروا في أقل من هذه المسافة، أقل من ثلاثة فراسخ. وهذا يدل على أن هذا الحديث ليس فيه دلالة على تحديد مسافة السفر، أن تكون بهذه المسافة. ونعم، ويدل على ذلك أيضا: أن أنسا لما سئل في هذا الحديث، سأله سائل عن القصر في السفر، فأخبره بهذا، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو فراسخ قصر الصلاة، يعني أنه لم يرد بهذا تحديد المسافة، وإنما رأى ذكر شيء حصل من فعل النبي صلى الله عليه وسلم. والقاعدة عند أهل العلم والأصول: أن الفعل لا يدل على الوجوب، وإنما يدل على الجواز، يدل على الجواز. فكون النبي صلى الله عليه وسلم قصر في ثلاثة فراسخ، هذا ليس معناه أنه لم يقصر في أقل من ذلك، بدلالة الأدلة والحديث الأخرى: أنه قصر دون ذلك، قصر دون ذلك. ولهذا كان قول الراجح في مسألة تحديد مسافة القصر: أن المرجع في ذلك إلى العرف، فإن الله عز وجل أطلق الضرب في الأرض، وأجاز جل وعلا القصر لمن ضرب في الأرض، ولم يحذ ذلك بحد، ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحا تقصروا من الصلاة﴾، ولم يأت في السنة تحديد -يعني حدا معينا- تقصر فيه الصلاة. وإنما كل ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في السنة: فهي عبارة عن أفعال -يعني حصلت من النبي صلى الله عليه وسلم- فلا تدل على تحديد المسافة السفر بحد معين. وإذا كان كذلك فالمرجع حينئذ يكون إلى العرف، ما عده الناس سفرا فهو سفر، وما لم يعده الناس سفرا فلا يعد سفرا. ولهذا قال ابن القيم رحمه الله في الزاد: ولم يحد صلى الله عليه وسلم لأمته مسافة محدودة للفطر والقصر، بل أطلق لهم ذلك في مطلق السفر والضرب في الأرض، كما أطلق لهم التيمم في كل سفر. وكذا أيضا ذكرنا كلام الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فقال: كل اسم ليس لأحد في الفقه ولا في الشرع، فالمرجع فيه إلى العرف، فما كان سفرا في عرف الناس فهو السفر الذي علق أو علق به الشارع الحكم. وبهذا ينضبط -يعني أمر السفر- ينضبط بالعرف. وكذلك أيضا يحصل التخفيف والتسهيل على الناس، لأنه لو حددت مسافة -يعني مسافة مثلا ثمانية كيلو أو نحو ذلك- طيب لو أن الإنسان سافر وما يدري كم سيمشي، كم كيلو سيمشي، يحتاج هذا أن يقيس المسافة التي يسافر فيها، وهذا فيه مشقة، فيه مشقة تخالف ما جاءت فيه الشريعة من التسهيل والتيسير. فالقول الراجح في هذه المسألة والله أعلم: هو أنه يرجع في مشروعية القصر في السفر وتحديد السفر بالعرف، فما عده الناس سفرا فهو السفر التي تشرع فيه الأحكام، وما لم يعده الناس سفرا فليس بسفر. قال الحديث السادس والثلاثون بعد الخمسمائة، وعنه صلى الله عليه وسلم، قال: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة»، قال: وَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. نعم، هذا الحديث في مشروعية القصر في السفر، وأن المسافر يقصر إلى أن يرجع إلى بلده، يقصر في سفره إلى أن يرجع إلى بلده. وسيأتي -يعني القصر في السفر مدة محددة- سيأتي الكلام عليها إن شاء الله عند حديث ابن عباس. لكن في هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه لما خرجوا إلى مكة قصروا، صلوا ركعتين ركعتين حتى رجعوا إلى المدينة. قال حديث السابع والثلاثون بعد الخمسمائة، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: «صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك رضي الله عنهم»، رواه البخاري. فابن عمر يخبر: أنه صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، وصاحب أبي بكر وعمر وعثمان، وأنهم كانوا يقصرون الصلاة في السفر، ويصلون ركعتين، يصلون ركعتين. وهذه السنة سنة النبي عليه الصلاة والسلام. قال الثامن والثلاثون بعد الخمسمائة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «أقام النبي صلى الله عليه وسلم تسعة عشر يوما يصلي ركعتين»، رواه البخاري. وفي رواية لأبي داود: «سبعة عشر». وفي أخرى: «خمسة عشر»، يعني أقام في رواية سبعة عشر يوما، وفي أخرى خمسة عشر يوما. وبعض أهل العلم حكم على الحديث بالاضطراب، ومنهم من جمع بين هذه الروايات، كالإمام البيهقي رحمه الله، قال: من قال: تسعة عشر يوما، فأراد فجمع -يعني الأيام دخوله وخروجه- فيكون مكث سبعة عشر يوما، ومع يوم الدخول والخروج تسعة عشر يوما. ومن قال: سبعة عشر يوما، فعلى حذف أيام الدخول والخروج. ورواية خمسة عشر يوما، قال: تحمل على أنه ظن أن رواية سبعة عشر أنها مع الدخول والخروج، فحذف أيام الدخول والخروج، فقال: خمسة عشر يوما. وبعض العلم يحكم على رواية خمسة عشر بالشذوذ: أنها شاذة. وعلى كل، فأرجح هذه الروايات هي رواية تسعة عشر يوما، رواية تسعة عشر يوما هي الأرجح، كما قال الإمام البيهقي رحمه الله، وهكذا الحافظ ابن حجر، لأن أكثر روايات التي وردت ذكرت هذا العدد: تسعة عشر يوما. فهذا الحديث في أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام تسعة عشر يوما يصلي ركعتين -يعني في مكة- أقام في مكة في عام الفتح تسعة عشر يوما يصلي ركعتين. فهذا الحديث يدل على أن المسافر إذا نزل في أرض ولم ينوي إقامة فله أن يقصر، فله أن يقصر حتى يرجع إلى بلده، حتى يرجع إلى بلده. فاختلف أهل العلم: إلى كم يقصر؟ منهم من قال: كما جاء في هذا الحديث: أنه يقصر تسعة عشر يوما، قول ابن عباس. قال: فإذا أراد أن يجلس أكثر من ذلك أتم. لهذا قال ابن عباس: فنحن إذا أقمنا تسعة عشر يوما قصرنا، وإذا زدنا أتممنا. وهذا يعني عدة قول لابن عباس رضي الله تعالى عنه. ومنهم من قال: إذا أقام أربعة أيام فإنه يقصر، فإن زاد على ذلك أتم. والصحيح في هذه المسألة: أن من كان مسافرا، أن من كان مسافرا ونزل في أرض وهو لم ينو إقامة، إنما أراد أن يقضي حاجة -أراد أن يقضي حاجة- كمن سافر لأجل معاملة أو لأجل علاج، حتى يتداوى ويتعالج. فإذا كان فيه معنى السفر: إذا كان فيه معنى السفر من عدم الاستقرار وعدم الراحة، فهو يتنقل من مكان إلى مكان، وربما يأكل -يعني في المطعم- وهكذا حاله غير حال المقيم، فهذا يقصر الصلاة وإن طالت -يعني طال مكثه ونزوله- وإن طال مكثه ونزوله. وأما إذا سافر إلى بلد وأعجبه الجلوس في هذه البلد، ونوى الإقامة فيها -كمن يسافر إلى بلد لطلب العلم ويجلس فترة طويلة- هذا يعتبر في حكم المقيم، ليس في حكم المسافر، فينقطع عنه السفر. وأما إذا كان مترددا: نزل إلى بلد ثم أصبح مترددا في السفر، يقول: اليوم غدا، أو منعه شيء -يعني من السفر- وهو ناوي للسفر، فهذا مسافر وإن طالت المدة، هذا مسافر وإن طالت المدة. وهذا قول عامة أهل العلم، بل نقل بعضهم الإجماع على أن من كان مترددا فله أن يقصر الصلاة. وثبت عن الصحابة رضوان الله عليهم -كما عند البيهقي- الحديث: أنس وغيره: أن الصحابة أقاموا بأذر بيجان ستة أشهر يقصرون الصلاة، وكان قد حجزهم الثلج عن السفر. وسافر أنس رضي الله عنه مع عبد الملك بن مروان إلى الشام، وجلس شهرين وهو يقصر الصلاة، جلس شهرين وهو يقصر الصلاة. نعم، فهذه الآثار وغيرها تدل على جواز قصر الصلاة في السفر إذا كان الإنسان مترددا. وهكذا إذا كان -يعني له حاجة- ولم ينو الإقامة، فهو في حكم المسافر له أن يقصر الصلاة. وفيه أيضا في حديث ابن عباس: دلالة على أنه يجوز للمسافر أن يقصر الصلاة وإن كان نازلا، وإن كان نازلا إذا نزل في أرض لقضاء حاجة وهو لم ينو إقامة. وله أن يقصر الصلاة، وأن القصر لا يختص بحال السير، وإنما يجوز في حال السير وفي حال النزول. وسأتي أحاديث تدل كذلك على هذا الحكم. قال الحديث التاسع والثلاثون بعد الخمسمائة، عن جابر رضي الله عنه، قال: «أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة»، رواه أبو داود، ورواته ثقات، إلا أنه اختلف في وصله. قال أبو داود بعد إخراجه: ولم يسنده إلا معمر، يعني لم يرفع الحديث إلا معمر، من راشد رحمه الله، وهو ثقة، إلا أنه تفرد برفع الحديث، وغيره من الثقات رووه مرسلا، تفرد بوصله، ورواه غيره مرسلا. ورجح الإرسال جماعة من الحفاظ: كالإمام الدارقطني والبيهقي والبخاري. نعم، فهؤلاء عللوا الحديث بالإرسال. قال حديث الأربعون بعد الخمسمائة، عن العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا»، متفق عليه. يقيم المهاجر -أي من مكة- لما كانت مكة دار كفر، وكانت الهجرة واجبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا جاء المهاجر إلى مكة لأجل الحج أو العمرة، فإذا قضى نسكه -انتهى من أعمال الحج- وهو المراد الظاهر في هذا الحديث، كما ذكر النووي رحمه الله. إذا رجع من منى بعد قضاء النسك، فإنه له أن يقيم ثلاثا -يعني ثلاثة أيام- ثم يسافر، ولا يجلس في مكة. وهذا معنى الحديث، كما ذكر الإمام النووي رحمه الله، لأن المهاجر لا يجلس في البلد التي هاجر منها، لا يجلس في البلد التي هاجر منها. وهذا قول جمهور أهل العلم. وبعض العلم أجاز للمهاجر أن يقيم في مكة بعد فتحها، لأنه صارت حينئذ دار إسلام. وحملوا هذا القول على الزمن الذي كانت فيه الهجرة من مكة إلى المدينة واجبة -يعني قبل فتح مكة- لكن ظاهر الحديث: أنه عام، أنه عام. وأن من هاجر من مكة فلا يحل له البقاء فيها أو الاستيطان بمكة بعد هجرته منها. فإذا جاء لأجل النسك والحج، فإنه يجلس بعد ذلك ثلاثة أيام، ثم يذهب. بعضهم استدل بهذا الحديث على أن من أقام ثلاثة أيام -يعني في مكان- لا يعد بذلك مقيما، من جلس في أرض ثلاثة أيام لا يعد بذلك مقيما، إلا إذا كان أكثر من ثلاثة أيام. لكن ليس في هذا دلالة ظاهرة، وإنما النبي صلى الله عليه وسلم أجاز للمهاجر أن يبقى حتى يقضي نسكه، ويؤدي هذه العبادة. وأجاز له أن يبقى ثلاثة أيام يقضي بها حاجته، ثم يرجع، لأنه كما سمعتم: لا يجوز للمهاجر أن يستوطن الأرض التي هاجر منها، لأنه بهذا يكون قد أبطل عمله، وهو ترك هذه الأرض لله، فكيف يأتي ويجلس فيها ويستقر فيها؟ لأجل هذا والله أعلم. وليس فيه دلالة ظاهرة على هذه المسألة: أنه إذا جلس في أرض وأقام -يعني ثلاثة أيام- أنه لا يكون بهذا مقيما، إلا إذا جلس أكثر من ذلك. ويدعى لهذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام في مكة تسعة عشر يوما يقصر الصلاة، فماذا يقال في هذا؟ وقد أقام أكثر من ثلاثة أيام وهو في حكم المسافر يقصر الصلاة. قال حديث الحادي والأربعون بعد الخمسمائة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين صلاة الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير، ويجمع بين المغرب والعشاء»، رواه البخاري. هذا الحديث فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الصلاتين في السفر، بين صلاة الظهر والعصر، إذا كان على ظهر سير -يعني إذا كان ضارب في الأرض يمشي وسافر يسير- حال سيره وسفره، فيجمع بين الصلاتين. ويجمع بين المغرب والعشاء. فالصلاة التي تجمع في السفر هي: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. وأما الفجر فلا تجمع. وكذلك أيضا لا يجوز جمع العصر مع المغرب، وإنما تجمع العصر مع الظهر، إما جمع تقديم وإما جمع تأخير، كما سيأتي. وهكذا المغرب مع العشاء، إما جمع تقديم وإما جمع تأخير. والجمع كذلك في السفر رخصة، رخصة لسهولة متعلقة بالسفر، لأن الجمع يجوز في السفر، ويجوز في الحضر، الجمع يجوز عند الحاجة، يجوز عند الحاجة. ولها ثبت الجمع بين الصلاتين في السفر، وفي الحضر في الحضر: يجوز للمريض، وعند المطر، وعند الخوف. طيب، هذه -يعني رخص- يجوز بها الجمع بين الصلاتين. وجاز في السفر لأجل الحاجة، لأن مشقة السفر في الغالب على الإنسان -يعني يكون في سفره متعبا- وتصيبه المشقة، فجاء التخفيف والتيسير بالجمع بين الصلاتين. وسأتي أيضا في الأحاديث الأخرى: شيء من التفصيل المتعلق بمسألة الجمع. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، صلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.