الدرس في كتاب الصلاة 23، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
استدل العلماء بحديث أبي بكرة على جواز صلاة المنفرد خلف الصف، بينما يرى آخرون بطلانها. يرى بعض العلماء صحة صلاة المنفرد خلف الصف عند العجز عن الانضمام إلى الصف.
يجب المشي بسكينة وعدم الإسراع عند الذهاب للصلاة، واتباع الإمام في حالته. يجوز للمرأة الصلاة في جماعة مع النساء مع الالتزام بالحجاب الشرعي.
يجوز للمرأة الصلاة في المسجد بإذن زوجها أو وليها مع التزام الحجاب وعدم الفتنة. صلاة المرأة في بيتها خير لها وأستر.
يشير إلى آخر حديث في باب صلاة الجماعة والإمامة، ويذكر حديث أبي هريرة حول مضاعفة صلاة الجماعة. يختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف رحمه الله: الحديث العشرون، معدل خمسمائة. وعن أبي بكرة رضي الله عنه أنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «زادك الله حرصا، ولا تعد». رواه البخاري. وزاد أبو داود فيه: «فركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف». نعم، هذا الحديث -أي ثبيت بكرة رضي الله عنه- أبو بكرة، من طريق الحسن عن أبي بكرة. وقد أثبت سماعه البخاري. ومن المديني، فأبو بكرة رضي الله عنه جاء النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فوجد النبي صلى الله عليه وسلم راكعا، فركع خلف الصف، ثم -يعني- مشى حتى دخل في الصف. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «زادك الله حرصا، ولا تعد» -لا تعد- يعني إلى مثل هذا الفعل، أن تسعى وتتعجل وتركع خلف الصف. واستدل العلماء بهذا على مسألتين: المسألة الأولى، وهي إدراك الركعة بإدراك الركوع، أن الركعة تدرك بإدراك الركوع. فأبو بكرة رضي الله عنه ركع والنبي صلى الله عليه وسلم راكع، ثم دخل في الصف، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بإعادة هذه الركعة، فدل هذا على أن إدراك الإمام راكعا تدرك به الركعة. وهذا قول جماهير العلماء، وهو الصحيح. والمسألة الثانية، وهي مسألة الصلاة المنفرد خلف الصف. استدل بعض أهل العلم -منهم مالك وأبو حنيفة وأشهر الروايتين عن الشافعي- إلى جواز صلاة المنفرد خلف الصف. قالوا: لأن أبا بكرة ركع خلف الصف ودخل في الصف، ولم يأمره النبي عليه الصلاة والسلام بإعادة الصلاة أو إعادة هذه الركعة، فدل هذا على جواز صلاة المنفرد خلف الصف. والصحيح -كما سيأتي معنا- أن صلاة المنفرد خلف الصف لا تصح، وهو قول أحمد وإسحاق وأكثر أهل الظاهر، لحديث الواردة في الباب. وأما حديث أبي بكرة، فأجاب عنه أهل العلم بأجوبة: منها أن أبا بكرة تعذر لجهله، لجهله بالحكم. وقيل أيضا أن أبا بكرة -يعني- ركع خلف الصف، ثم دخل في الصف، فأصبح -يعني- غير منفرد، أصبح غير منفرد، فصلى مع الجماعة. وبهذا لا تبطل الصلاة. يعني أن إنسانا ركع أو صلى وحده منفردا، ثم جاء من يصلي معه قبل أن يركع ويرفع من الركوع، فإنه بهذا تصح صلاته. وإنما الخلاف في بطلان الركعة أو بطلان الصلاة إذا صلى ركعة منفردا، كبر وركع ورفع من الركوع وهو منفرد، هذا الذي تتوجه إليه الأحاديث في بطلان صلاته. وأما إذا كبر ثم جاء من يصلي معه ويركع معه، فحينئذ لا يكون منفردا. هذا أبو بكرة ركع خلف الصف، ثم دخل في الصف، دخل في الصف وهو راكع، وبهذا يكون غير منفرد، فلا يقال حينئذ فيه دلالة على جواز الصلاة المنفرد خلف الصف. قال: الحديث الحادي والعشرون بعد الخمسمائة. وعن وابي صلى -من معبد- رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد الصلاة. رواه أبو داود، وصححه ابن حبان. وزاد الطبراني فيه: «ألا دخلت معهم أو اجتررت رجلا». قال: الحديث الثاني والعشرون بعد الخمسمائة. وأن علي بن شيبان رضي الله عنه -مرفوعا-: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف». صححه ابن حبان. نعم، هذا الحديثان -حديث وابي صلى من معبد، وحديث علي بن شيبان- يدلان على أنه لا تصح صلاة المنفرد خلف الصف، «لا صلاة لمنفرد خلف الصف». والنفي هنا نفي للصحة. فإن قيل: المراد نفي الكمال، أي لا صلاة كاملة. فهذا يعارض حديث وابي صلى، في أمر النبي عليه الصلاة والسلام لمن صلى خلف الصف منفردا أن يعيد الصلاة. ولو كان النفي للكمال لم يأمره بإعادة الصلاة. إذا النفي هنا نفي للصحة، نفي للصحة. فدل هذان الحديثان على عدم جواز صلاة المنفرد خلف الصف. وهو كما قلنا إذا كبر وركع ورفع من الركوع منفردا، فهذا الذي لا تصح صلاته. وبعض العلماء يقول: إنما تبطل الركعة، ويأتي بركعة أخرى بدل هذه الركعة. ومنهم من يقول: بل تبطل الصلاة كلها، وعليه إعادة الصلاة. وهو ظاهر الحديث، فأمره أن يعيد الصلاة. فإذا لا تصح صلاة المنفرد خلف الصف. طيب، هنا مسألة، وهو إذا لم يجد فرجة في الصفوف، فجاء ووجد الصف ممتلئة، ولم يجد أحدا يأتي ليصلي معه، فهل يجر أحدا من الصف حتى يقف معه؟ الجواب: نقول لا، لا يفعل هذا. وأما رواية الطبراني: «ألا دخلت معهم أو اجتررت رجلا»، هذه لا تصح. ولأن في جر المصلي في أثناء الصلاة مفاسد، فمنها أنه يشوش على هذا المصلي في صلاته، لما يأتي ويسحبه، ما يدري من هذا الذي سحبه. ومن الذي يريد أن يسحبه؟ والأمر الثاني: أنه سيرجعه من المكان الفاضل إلى المكان المفضول، من المكان الفاضل إلى المكان المفضول. والأمر الثالث: أنه بفعله هذا سيؤدي إلى أن يقطع الصف، أن يقطع الصف بعد اتصاله. إذا لا يفعل هذا. طيب، يبقى إذا استطاع أن يصلي بجانب الإمام فعل. وإذا ما استطاع ولا يوجد أحد يصلي معه، فهنا قال بعض أهل العلم: لا بأس أن يصلي منفردا، وصلاته صحيحة. وفي هذه الحال يكون معذورا، لأن الواجب أن يقف في الصف، وهذا الواجب قد عجز عنه. وإذا عجز المسلم عن الواجب سقط عنه. والقاعدة: أنه لا واجب مع العجز، ولا محرم مع الضرورة. ولا محرم مع الضرورة. وبهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وهكذا الإمام ابن القيم، وجنح إلى هذا العلامة السعدي. وهكذا العلامة ابن عثيمين رحمهم الله: أنه في مثل هذه الحال تصح صلاة المنفرد خلف الصف. وإن كان الجمهور على المنع، لكن الصواب في مثل هذه الحالة صحة الصلاة، لأنه عجز عن هذا. وبهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. قال: الحديث الثالث والعشرون بعد الخمسمائة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة، وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا». متفق عليه. ورواه أحمد بلفظ: «فقد قال البيهقي: والذين قالوا فأتموا أكثر وأحفظ وألزموا لأبي هريرة، فهو أولى». وقال من عبد الهادي: والتحقيق أنه ليس بين اللفظين فرق، فإن القضاء هو الإتمام لغة وشرعا. في هذا الحديث، في قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة»، فيه مشروعية رفع الصوت بالإقامة، رفع الصوت بالإقامة، وأن سماع الإقامة -يعني- أمر مشروع وجائز. ومن ذلك: لو أقيمت الصلاة عبر مكبرات الصوت، فلا حرج بهذا. لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا سمعتم الإقامة فامشوا»، معناه: سيسمع الإقامة وهو خارج المسجد، فيدل هذا على جواز إقامة الصلاة عبر مكبرات الصوت. وفيه كذلك: أنه إذا أقيمت الصلاة والإنسان خارج المسجد، فإنه يأتي إلى الصلاة ماشيا، فلا يسعى -يعني- لا يسرع أو يجري، بل يمشي، يأتي ماشيا، وعليه السكينة والوقار. والسكينة والوقار: يعني في الهيئة، أو في الحركات، أن يكون -يعني- في هيئته -يعني- على وقار وعدم تعجل. وهكذا أيضا في حركاته يكون ساكنا في حركاته، لا يعبث بيديه، ولا يرفع صوته إلى آخر ذلك. «ولا تسرعوا»: لا يسرع إدراك الصلاة، فيجري مثلا أو يرمل في المشي. «فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا»: فيأتي الصلاة بسكينة ووقار، حتى يدخل بطمأنينة. أما إذا جاء يسرع أو ربما يجري، سيدخل إلى الصلاة وهو يلهف، وهذا خلاف المطلوب، أن يكون المصلي في حال الصلاة على خشوع وتدبر واطمئنان قلب. فيأتي ماشيا، «فما أدرك صلى» -أي صلى مع الإمام- «وما فاته أتمه وقضاه بعد فراغ الإمام». «فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا». نعم، والصحيح: أن ما أدركه الإمام -المأموم مع الإمام- هو أول صلاته، ما أدركه المأموم مع الإمام هو أول صلاته، وما قضاه هو آخر صلاته. هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم: هل ما يدركه المأموم مع الإمام هو أول صلاته أو آخر صلاته؟ يعني مثلا: أو جاء المأموم ودخل مع الإمام في الركعة الثالثة، هل تكون هذه الركعة والرابعة بالنسبة للمأموم هي الثالثة والرابعة، ثم إذا قام بعد فراغ الإمام من الصلاة سيصلي الركعة الأولى والثانية؟ أم تعتبر هذه الثالثة والرابعة بالنسبة لهذا المأموم هي الأولى والثانية؟ مسألة فيها خلاف. والصحيح -كما سمعتم- أن ما يدركه المصلي المسبوق مع الإمام هو أول صلاته، فتكون الثالثة والرابعة التي أدركها مع الإمام هي الأولى والثانية -الأولى والثانية بالنسبة لهذا المسبوق- وما يقوم ويأتي به بعد فراغ الإمام هي الثالثة والرابعة. قال: حديث الرابعة والعشرون بعد الخمسمائة. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أتى أحدكم الصلاة والإمام على حال، فليصنع كما يصنع الإمام». رواه الترمذي بسند ضعيف. نعم، قال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه، أو مرفوعا إلا من هذا الوجه. ثم قال: والعمل عليه عند أهل العلم. وبعض أهل العلم حسن الحديث، وبعضهم حسن هذا الحديث. والحديث معنا صحيح: أن المأموم إذا جاء وجد الإمام على حال، فإنه يتابع الإمام. إذا جاء والإمام ساجد، تكبر وتسجد مع الإمام. جاء ووجد الإمام -مثلا- في التشهد، فتكبر وتجلس في التشهد. جاء ووجد الإمام قائما، تكبر وتدخل معه. فالمهم: على أي حال وجدت الإمام، فإنك تفعل مثله. ويدل على هذا المعنى عموم حديث أبي هريرة وغيره: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه». نعم، فإذا جيت ووجدت الإمام على حاله، صنعت كما يصنع الإمام. فبعض المأمومين إذا جاء وقد فاتته الركعة، وخرج الإمام للسجود، تجده قائما ورغم أنه لم يدخل في الصلاة، يبقى قائما حتى يفرغ الإمام من الركعة ويقوم، ثم يكبر ويدخل مع الإمام. وهذا خطأ. الذي ينبغي: أن تدخل معه، تكبر وتسجد وتدرك أجر السجود والدعاء. نعم، هذا هو الصواب. قال: حديث الخامس والعشرون بعد الخمسمائة. وأن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله عز وجل». رواه أبو داود، وصححه ابن حبان. نعم، هذا الحديث فيه استحباب كثرة المصلين في الجماعة، وأنه كلما كثر المصلون، كلما عظم الأجر. «صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده» -أفضل وأحسن- من أن يصلي منفردا. وفيه دلالة على أن الجماعة تكون باثنين، تكون باثنين فما زاد. قال: «وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله» -يعني- كلما كثر المصلون، كلما كان أحب إلى الله عز وجل. قال: حديث السادس والعشرون بعد الخمسمائة. وعن أم ورقة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تؤم أهل دارها. رواه أبو داود، وصححه ابن خزيمة. هذا الحديث اختلف أهل العلم في تصحيحه وتضعيفه، فصححه جماعة -كما ذكر هنا- عن ابن خزيمة، وضعفه آخرون -كالحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير، والإمام الباجي من المالكية- وأشار الإمام الدارقطني أيضا إلى الاختلاف في الرواية عن الوليد بن عبد الله. وبعضهم تكلم في هذا الراوي -الوليد بن عبد الله-. نعم، واستدل به من صححه على جواز إمامة المرأة على أهل دارها. وهذا الحديث من أهل العلم حمله على أنها إذا صلت بالنساء من أهل دارها، فلا بأس أن تصلي المرأة جماعة ممن معها من النساء. لكن يعكر على هذا: أنه جاء في رواية هذا الحديث أنه كان لها مؤذن، وهو شيخ كبير، وغلام أيضا، كان معها غلام. والظاهر أنها كانت تأمهم. وهذا يعكر على القول بأنها كانت تأم النساء فقط. ومنهم من حمله على صلاة النافلة: أنها تأمهم في النافلة. وعلى كل، في النفس شيء من ثبوت هذا الحديث. ومن ضعفه -يعني- لعل قولهم أقرب إلى الصواب، لما فيه من اختلاف في الرواية عن الوليد بن عبد الله. وأيضا ما في متنه من -يعني- مخالفة للأحاديث الصحيحة في أن المرأة لا تأم الرجل. وهذا يكاد يكون إجماعا من أهل العلم: أن المرأة لا تكون إمامة للرجال. أو يكون هذا شيء -يعني- خاص بها، خاصها النبي صلى الله عليه وسلم به. على كل، كما سمعتم الحديث في النفس شيء من ثبوته. وأما إمامة المرأة بالنساء، فلا بأس، يجوز للنساء أن يصلين جماعة أحيانا، وليس على سبيل الدوام، أحيانا لا بأس. وإذا صلت المرأة بالنساء جماعة، فالسنة أن تقف في وسطهن، كما ثبت عن عائشة وأم سلمة في مصنف عبد الرزاق. وأكد أيضا عند البيهقي: أنهن صلين بالنساء، وقمن في وسط النساء. والجمهور -طبعا- على أن المرأة لا تأم الرجال. جمهور أهل العلم. ولهذا لم يقولوا بهذا الحديث، لم يقولوا بهذا الحديث، لثبوت أم ورقة. قال: حديث السابع والعشرون بعد الخمسمائة. وعن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله». متفق عليه. ولأبي داود: «لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن». قال: الحديث الثامن والعشرون بعد الخمسمائة. وعن زينب الثقفية -إمرأة عبد الله- قالت: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا شهدت إحداكن المسجد، فلا تمس طيبا». رواه مسلم. فحيث ابن عمر: فيه نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن منع النساء من شهود الصلاة في المساجد، «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله». فيجوز للمرأة أن تصلي في المسجد، إذا أذن لها زوجها أو وليها، ولم يكن في ذلك فتنة عليها أو على غيرها، إذا أمنت الفتنة. وكذلك أيضا التزمت المرأة بالحجاب الشرعي، ولم تخرج متبرجة أو متعطرة، فيجوز أن تشهد الصلاة في المساجد. على أن بعض أهل العلم قال: هذا في حق من كانت كبيرة، وأما الشابة العزبة، لا ينبغي أن يؤذن لها، وأن هذا فيه فتنة عليها وعلى غيرها. وإنما هذا في حق المرأة المتزوجة أو الكبيرة في السن، فلا بأس أنها تشهد الصلاة في المساجد، ولكن لا تخرج متبرجة أو متعطرة إلى آخره. وفي حديث زينب: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا شهدت إحداكن المسجد، فلا تمس طيبا» -لا تتطيب وتخرج أو تتبخر-. نعم، ولهذا جاء في رواية أخرى أيضا: قال: «وليخرجن تفلات» -يعني- غير متبرجات. وأمر النبي صلى الله عليه وسلم من شهدت الجماعة أو الجمعة، وعليها بخور، أن ترجع فتغتسل، أن ترجع فتغتسل وتزيل أثر البخور. نعم، فإذا يجوز للمرأة أن تخرج لشهود الجماعة في المسجد، بهذه الشروط: أن تكون غير متبرجة، ولا متزينة، ولا متطيبة، ولا متبخرة. نعم، وإذا لها وليها -كزوجها أو كأبيها- وأيضا لا تكون هناك فتنة بها أو الفتنة لغيرها، فإذا كان كذلك فلا بأس. ومع هذا كله، فصلاتها في بيتها خير لها، «صلاتها في بيتها خير لها»، «لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن». لأن صلاتها في بيتها أستر لها. وكلما كان المكان أستر، هو أفضل، وهو أفضل. قال: حديث التاسع والعشرون، معدل خمسمائة. وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف ابن أم مكتوم يؤم الناس، وهو أعمى. رواه أبو داود، والحديث صحيح. وهذا الحديث فيه جواز إمامة الأعمى، جواز إمامة الأعمى، يجوز للأعمى أن يأم الناس، ويصلي بمن كان مبصرا، ولا مانع من ذلك، إذا كان أهلا لذلك. فالنبي صلى الله عليه وسلم استخلف ابن أم مكتوم -يعني- على المدينة، يؤم الناس في الصلاة، وهو أعمى. قال: الحديث الثلاثون، معدل خمسمائة. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلوا على من قال لا إله إلا الله، وصلوا خلف من قال لا إله إلا الله». رواه الدارقطني بإسناد ضعيف. نعم، الحديث ضعيف جدا، فيه: أنس بن عبد الرحمن الزهري الوقاصي، متروك، وكذبه ابن معين. نعم، والحديث مع ضعفه، فمعناه صحيح: أن المسلم يصلي على من كان مسلما، من كان مسلما، وظاهره الإسلام، ولا يعلم عنه شيء ينقض إسلامه، فيجوز الصلاة عليه إذا مات، ولو كان عنده شيء من الفسق، ولو كان عنده شيء من الفسق، لا يمنع هذا أن يصلى عليه. «صلوا على من قال لا إله إلا الله»: هذا يحمل على أنه إذا لم يأتي بشيء ينقض هذه الشهادة. أما إذا كان يقول لا إله إلا الله، وعنده من الأعمال الشركية والأقوال الشركية ما تنقض هذه الكلمة، فهذا لا يصلى عليه، لا يصلى عليه -كمن- يعني يجهر بجواز الاستغاثة بغير الله، والذبح لغير الله، ودعاء الأموات، ونحو ذلك من الأمور الشركية. مثل هذا ما يصلى عليه، لأنه نقض هذه الكلمة. نعم، أما مسلم يقول لا إله إلا الله، لا نعلم منه شيء ينقض هذه الكلمة، فيجوز الصلاة عليه، وإن كان عنده شيء من الذنوب الأخرى -يعني- المعاصي الفسقية -كأن يكون ممن يشرب الخمر مثلا، أو يرتكب الزنا، عياذا بالله، نحو ذلك- يصلى عليه. «وصلوا خلف من قال لا إله إلا الله»: كذلك من يعلم منه -يعني- ظاهره الإسلام، فإن يصلى خلفه. ونحن غير مأمورين بتتبع عقائد الأئمة، على خلاف ما يظهر، على خلاف ما يظهر. إذا كان الظاهر السلامة، نحمله على السلامة. إذا شك في هذا الإمام: هل هو على الإسلام أو أتى بناقض؟ ونحن غير متأكدين، فالأصل أنه مسلم، نصلي خلفه حتى يتبين لنا خلاف ذلك، بقوله أو بفعله أو بدلالة أو شهود أو نحو ذلك. هذا أمر آخر. أما ونحن لا نعلم منه شيء من ذلك، فالأصل أنه مسلم، نصلي خلفه، ولو كان مبتدعا، ولو كان مبتدعا -كما مر معنا- أن الصلاة خلف المبتدع الفاسق تصح، إلا إذا كانت البدعة كفرية، فلا. لكن المقصود هنا: أن لا نذهب ونبحث ونفتش. الأصل أن نحمل الناس على السلامة، إلا من ظهر منه شيء مما يخالف الإسلام، فهنا نؤاخذه به، ونعامله بما يستحق. قال: حديث الحادي والثلاثون بعد الخمسمائة. وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم إليها ممشا، فأبعدهم». والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام، أعظم أجرا من الذي يصليها ثم ينام. وفي رواية: «حتى يصليها مع الإمام في جماعة». متفق عليه. في هذا الحديث: فضل المشي إلى الصلاة، وأنه كلما بعد المسجد وكثر المشي إلى الصلاة، كان ذلك أعظم أجرا. لكن ليس هذا على قصد التكلف -يعني- تكلف الإنسان الابتعاد حتى يقول: يصير الأجر أعظم -يعني- مثلا هو يستطيع أن يأتي إلى المسجد، بينه وبينه خمس دقائق، فيذهب يمشي ويلف ويدور حتى يقطع ربع ساعة، ويقول: حتى يزيد الأجر، لا، ليس هذا المقصود. المقصود: من كان بعيدا من المسجد، فيحتسب الأجر في مشيه إلى المسجد. وللحديث الواردة في فضل الأجر في المشي إلى الصلاة كثير. يثبت عن أبي هريرة: إذا خرج المسلم بعد وضوءه من بيته، لا يريد إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة -الحديث-. وهكذا حديث أبي كعب، لما قال: ذاك الرجل الذي كان حريصا على شهود الصلاة، وكانت لا تخطئه الصلاة، وكان بعيدا -يسكن بعيدا من المسجد- لو اتخذت لك حمارا تستعين به في الظلماء وفي الرمضاء، قال: «لا، إني أريد أن يكتب لي ممشاي إذا مشيت إلى المسجد، ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي». فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «قد كتب الله لك ذلك كله». وفي رواية: «إن لك ما احتسبت». نعم. فهذا أيضا يدل: أن المشي أفضل من الركوب، أفضل من الركوب، أن يأتي الإنسان للصلاة ماشيا أفضل من أن يأتيها راكبا. وهكذا أيضا انتظار الصلاة حتى يصليها مع الإمام، أعظم أجرا من أن يصليها ثم ينام -يعني- يصليها وحده ثم ينام، وليصليها مع الجماعة. وهذا وشيء من ذكر هذا الحديث هنا. قال: وفي رواية: «حتى يصليها مع الإمام في جماعة» -يعني- كونه ينتظر حتى تقام الجماعة، هذا أعظم لأجله من أن يصليها ثم يذهب فينام -يعني- يصليها وحده. فالصلاة مع الجماعة أعظم من صلاة المنفرد. ولا دل على ذلك من حديث أبي هريرة: «الصلاة التي ذكره المصنف في أول الباب: صلاة الجماعة تضاعف على صلاة الفذ بسبعين وعشرين ضعفا». طيب، هذا آخر حديث في هذا الباب، باب صلاة الجماعة والإمامة، إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.