الدرس في التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 33، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
أسلم أبو ذر الغفاري مبكرًا في مكة لقرب قبيلته غفار منها، وخرج مع أخيه أنيس وأمه إلى خاله ذي المال. حسده قومه وأثاروا فتنة أدت إلى مغادرتهم بعد أن كدر المعروف.
تحاكم أبو ذر وأنيس إلى كاهن في صرمتَي إبل، وصلى أبو ذر قبل الإسلام بثلاث سنين بتوجيه من الله. لقي أنيس النبي صلى الله عليه وسلم في مكة واعترف بصدق القرآن ونصح أبا ذر بالحذر عند التوجه إليه.
تعرض أبو ذر للضرب المبرح من قريش حتى أغمي عليه، فلجأ إلى زمزم وشرب من مائها ومكث ثلاثين ليلة ويومًا لا طعام له إلا ماء زمزم. طافت امرأتان بالبيت تدعوان إسافًا ونائلة، ومر بهما النبي وأبو بكر فسألهما عن خبرهما فذكرتا أن الصادق بين الكعبة وأستارها.
وصل النبي محمد ﷺ إلى مكة وقام باستلام الحجر الأسود، ثم تكلم مع الصحابي أبي ذر الغفاري. أشار المتحدث إلى أن الدرس سيكمل في وقت لاحق.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى: إسلام أبي ذر رضي الله تعالى عنه. وأبو ذر يُقال إن اسمه جندب بن جنادة، وقيل غير ذلك، لكن رجح النووي رحمه الله أن اسمه جندب. لكن اشتهر بكنيته، اشتهر بكنيته بأبي ذر الغفاري رضي الله عنه. وإنما ذكره هنا لأنه من أوائل من أسلم، أسلم وهو في مكة؛ لأن بني غفار قرب مكة، فلما سمع بأن نبيًّا خرج جاء ليسلم. قال سليمان بن المغيرة، وهو البصري، وهو من ثقات أهل البصرة، فقيه ثبت، عن عبد الله بن الصامت، وهو ثقة أيضًا، ابن أخي أبي ذر. الصامت هذا أخو أبي ذر. قال: قال أبو ذر: خرجنا من قومنا غفار. وعبد الله بن الصامت ذكر قصة لأبي ذر غير القصة التي ذكرها ابن عباس، والله أعلم. الظاهر أن أبا ذر خرج مرة ومرة رجع، ولا شك أن ابن عباس أوثق من عبد الله بن الصامت، ولهذا ذكر بعضهم أن عبد الله بن الصامت وهم في روايته لهذه القصة. سيذكر المؤلف قصة أبي ذر من طريق عبد الله بن الصامت، ومن طريق ابن عباس. فمن طريق عبد الله بن الصامت أخرجها مسلم، ومن طريق عبد الله بن عباس أخرجها البخاري ومسلم. قال: قال أبو ذر: خرجنا من قومنا غفار، وكانوا يستحلون الشهر الحرام أن يفعلوا فيه المنكرات. فخرجت أنا وأخي أنيس وأمنا، فانطلقنا حتى نزلنا على خال لنا ذي مال وهيئة، فأكرمنا. فحسدنا قوم، فقالوا: إنك إذا خرجت عن أهلك خالف إليهم أنيس. فجاء خال. معنى أن قوم هذا خالهم أخو أمهم، قد يكون مباشرًا وقد يكون غير مباشر؛ لأن أخوال القوم إذا كانت المرأة من أناس يُقال لهم أخوالهم، مثل ما قالوا: إن بني النجار أخوال النبي عليه الصلاة والسلام. فلما أكرمهم حسدهم قوم، وقالوا: إنك إذا خرجت عن أهلك خالف إليهم أنيس، أنه يأتي لأهلك. فجاء أخواله فنشروا معنا، أشاعوا وأفشوا علينا ما قيل لهم. قالوا لهم: إن أنيسًا يختلف إلى أهلي. وقلت له: أما ما مضى من معروفك فقد كدرته، إن كلام هذا لا يليق أن تأتي به، ولا جماعة لك فيما بعد. فقربنا صرمتنا فاحتملنا عليها. وصرمتنا: يُراد بالصرمة ما يتجهز له. قال: فقربنا صرمتنا، معنى تقربوا إلى كاهن، أنا معهم شيء مما يحملانه. فكانت صرمة أنيس أنا فضل على الكاهن الذي يُكم إليه. صرمة أنيس، وصرمة هو الإبل التي تحمل هذه الأحمال، فجعلها في صرمة أنيس، فاحتملنا عليها. وهذا كانوا قبل يعتقدون في هؤلاء الكهنة. قال: وانتغطى بثوبه، فجعل يبكي. فانطلقنا فنزلنا بحضرة مكة، فنافر أنيس عن صرمتنا وعن مثلها. نافر: معنى راهن. نافر: معنى راهن بهذه الصرمة، أو فاخر، معنى كل واحد يفخر من الرجلين. فنافر: أي فخر بها، لأن الكاهن، لأن الكاهن فضلها على صرمة أبي ذر. فتنافرا وتراهنا: من الذي صرمته أفضل؟ فذهبوا إلى الكاهن مرة أخرى، فأتى الكاهن فخير أنيس، أي فضل صرمة أنيس، فأتانا بصرتنا ومثلها معها. قال: وقد صليت يا ابن أخي قبل أن ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين. أنا صليت قبل، لكن ما هذه الصلاة التي صلاها؟ الله أعلم. فقلت: لمن؟ قال: لله. قلت: فأين توجه؟ قال: توجه حيث يوجهني الله. أصلي عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت عليّ كأني خفاء، يعني الثوب، حتى تعلوني الشمس. وقال أنيس: إن لي حاجة بمكة، فاكفني حتى آتيك. فأتى مكة، فرّ، أي أبطأ علي، ثم أتاني. فقلت: ما حبسك؟ قال: لقيت رجلًا بمكة يزعم أن الله أرسله. على دينك. قلت: ما يقول الناس؟ على دينك هذه ليست موجودة في صحيح مسلم، والظاهر أنها دخلت من النساخ: «إن الله أرسله». قلت: ما يقول الناس؟ قال: يقولون إنه شاعر وساحر وكاهن. وكان أنيس أحد الشعراء، فقال: لقد سمعت قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أوزان الشعر. أن كان الكهنة إذا تكلموا يكررون الكلام، ويأتون بلفظ ويكررون، وأيضًا يفخمون الكلمات. مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن صياد: «إني خبأت لك خبئًا، فما هو؟» قال: الدخ، الدخ، يعني الدخان. فقال: «اخسأ، فلن تعدو قدرك، إنما أنت كاهن من الكهان». هذا أسلوب الكهنة. قال: وضعت قوله على أوزان الشعر، فما يلتئم على لسان أحد بعد أنه شعر. والله، معناه يريد القرآن الذي كان يقرأه. والله إنه لصادق، وإنهم لكاذبون. قال: قلت له: هل أنت كافيني حتى أنطلق فأنظر؟ قال: نعم، وكن من أهل مكة على حذر. معناه: قال له أبو ذر قال لأنيس: أنت اكفني هنا في البيت، وأنا سأذهب إلى مكة. قال: فإنهم قد... قال: وكن من أهل مكة على حذر، فإنهم قد شنفوا له وتجهموا. شنفوا له: أي حاولوا أذاه وإطاردته وأبغضوه. قال: فتعرض لي رجل منهم، تعرض لي رجل منهم، أي معنى: جرد، أضعف رجل. فقلت: أين هذا الذي تدعونه الصادق؟ فأشار إلى الصادق. فقال: ما لي، بأهل الوادي بكل مدرة وعظم، حتى خررت مغشيًا علي. أنا ضربوه بالعظام والمدر وغير ذلك. قال: فارتفعت حين ارتفعت، أي الشمس، كأني نصب أحمر. النصب الأحمر: هي الحجارة التي يذبح فيها، عندما تذبح الذبيحة أو تكاثر الذبح يكون أحمر، تكون هذه الحجرة حمراء. فصار يقول: كأني نصب أحمر. فأتيت زمزم فشربت من مائها، وغسلت عني الدم، ودخلت بين الكعبة وأستارها. ولقد لبثت يا ابن أخي ثلاثين، ما بين ليلة ويوم، وما لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عُقَن بطني. فسمنت: معنى ليس أنه سمن ببطنه، وإنما هو من باب التفاؤل، أي كأنه نحف، نحف، وتكسرت عُقَن بطني. والمراد بالعُقَن: العطوف التي تكون في البطن. قالوا: ما وجدت على كبدي سخفة جوع. وهذا مصداق قول النبي عليه الصلاة والسلام: بأنه طعام طُعم، عن ما وجد جوع، وهو يشرب ماء زمزم. قال: فبينا أهل مكة في ليلة قمراء مضيئة، قد ضرب الله على آذان أهل مكة. والمراد بآذانهم: الأسماع التي في الأذن تفضي إلى الرأس. معنى أنهم سمعوا ذلك. وقول هنا في ليلة قمراء مضيئة: معنى أنها ضوء ليلة من ليالي النصف. قال: قد ضرب على آذان أهل مكة، فما يطوف بالبيت أحد غير امرأتين. فأتتا علي، وهما تدعوان إسافًا ونائلة. فأتتا علي في طوافهما، وقلت: أنكح إحداهما الأخرى. قال: فما انتهتا عن قولهما. أنا أقول لهم: مادام أنكم تعتقدون في هؤلاء، فاجعلوا إساف ينكح نائلة. فما انتهيا ذلك عما قالتا. فأتتا علي، فقلت لهما: مثل الخشبة، غير أني لا أكني عن هذه: إساف ونائلة. يقول لهم: هذه مثل الخشبة. فانطلقتا تولولان وتقولان: لو كان هاهنا أحد من أنفارنا. فاستقبلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وهما هابطان من الجبل. فقال لهما: ما لكم؟ فقالتا: الصادق بين الكعبة وأستارها. قال: ما قال لكم؟ ما قال لنا كلمة تملأ الفم. ثم جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى مكة، واستلم الحجر، وكلم أبا ذر. وإن شاء الله تعالى نكمل في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. شكرًا.