التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 31

التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 31

الدرس في التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 31، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مفاوضة عتبة بن ربيعة واستماعه لسورة فصلت

أوفدت قريش عتبة بن ربيعة للتفاوض مع النبي صلى الله عليه وسلم، فاستمع لقراءة سورة فصلت حتى آية الإنذار بصاعقة عاد وثمود، فانبهر بكلام القرآن وعجز عن الرد، فسجد النبي وأخبره بأنه قد سمع ما ألقى.

إعجاب الوليد بن المغيرة واستراق السادة للسمع

أبدى الوليد بن المغيرة إعجابه بالقرآن ونصح قريشاً بترك النبي صلى الله عليه وسلم مؤكداً أن انتصاره عز لهم، بينما خرج أبو جهل وأبو سفيان والأخنس بن شريق ثلاث ليالٍ متتالية يستمعون خفية لقراءة النبي، ثم تعاهدوا على عدم العودة خوفاً من أن يراهم السفهاء.

عناد أبي جهل ورفضه الدعوة لحقد قبلي

رفض أبو جهل الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم رغم اعترافه بصحة دعواه، معللاً ذلك بالمنافسة القبلية والفخر بألقاب بني قصي وبني هاشم، وقد صرح سابقاً بأنه لو علم أن ما يقوله النبي حق ما اتبعه، مما يبرز أن عناده نابع من الحقد القبلي لا من عدم القناعة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال صاحب «نظم الذهب» رحمه الله: وقال جويبر بن سعيد، عن الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: لما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم على عتبة بن ربيعة: ﴿حَامِيم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: 1-2]، أتى أصحابه فقال لهم: يا قوم، أطيعوني في هذا اليوم، وعصوني فيما بعده. يعني: يقول لهم: أطيعوني هذا اليوم فقط، وما بدا لكم بعد ذلك فأطيعوني. قال: فوالله لقد سمعت من هذا الرجل كلاما ما سمعت أذني قط كلاما مثله، وما دريت ما أرد عليه. وكأنهم يقول لهم: لا تعزبوه. وقال ابن إسحاق: حدثنا يزيد بن أبي زياد -يزيد بن أبي زياد هو القرشي الهاشمي، وفيه ضعف- عن محمد بن كعب القرظي، قال: حدثني أن عتبة بن ربيعة لما أسلم حمزة، قالوا له: يا أبا الوليد، كلم محمدا. فأتاه فقال: يا ابن أخي، إنك بنا حيث علمت من البسطة والمكان في النسب، وإنك أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به بينهم، وسفهت أحلامهم، وعبت به آلهتهم، فاسمع مني. فقال: قل يا أبا الوليد. قال: إن كنت تريد مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد شرفا سودناك وملكناك، وإن كان الذي يأتيك رئيا من الجن طلبنا لك الطب. معناه: إذا كنت ممسوسا، فطلبنا لك الطب حتى يبرأ. قال: فاسمع مني. قال: أفعل. قال: بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿حَامِيم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت: 1-3]، ومضى. فأنصت عتبة، كما تقدم في الرواية الأولى، حتى قرأ قوله جل وعلا: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: 13]. قال: وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما، ما يسمع منه. فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة، سجد، ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد، فأنت وذاك. فقام إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلسوا، قالوا: ما وراءك؟ قال: ورائي أني سمعت قولا، والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة. يا معشر قريش، أطيعوني، واجعلوها بي. يعني: كأنه يقول: اربطوها بي. خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه. فوالله لا يكونن لقوله نبأ. فإن تصيبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به. قالوا: سحرك والله بلسانه. قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم. وهذا رأي حكيم؛ لأنهم هم خاسرون في معاداته. لو تركوه، لم يؤمنوا به، لكن تركوه بدون أذى، ما الذي يضرهم؟ فإن كما قال بعضهم أيضا، قال لهم الوليد بن المغيرة: فإن ظهر على العرب فادخلوا معه، وإن قتل فقد كفيتموه. وقال: وقال يونس عن ابن إسحاق: حدثني الزهري، قال: حدثت أن أبا جهل، وأبا سفيان، والأخنس بن شريق، خرجوا ليلة يتسمعون من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي. يعني: يأتون إليه خفية حتى لا يعلم قومهم. قال: وهو يصلي بالليل في جوف بيته. وأخذ كل رجل منهم مجلسا، وكل لا يعلم بمكان صاحبه. يعني: كل واحد خرج لكن دون أن يعلم صاحبه. قال: فلما أصبحوا تفرقوا، فجمعهم الطريق، فتلاوموا، وقالوا: لا نعود. فلو رآنا بعض السفهاء وقع في نفسه شيء. ثم عادوا لمثل ليلتهم، فلما تفرقوا تلاقوا، فتلاوموا لذلك. أنهم يأتون في الليل يستمعون، وفي النهار إذا خرجوا من ذلك المكان تلاقوا في الطريق. قال: فلما كان في الليلة الثالثة، أصبحوا، جمعتهم الطريق، فتعاهدوا ألا يعودوا. ثم إن الأخنس بن شريق أتى أبا سفيان في بيته، فقال: أخبرني عن رأيك فيما سمعت من محمد. فقال: يا أبا ثعلبة، والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها. فقال الأخنس: وأنا، والذي حلفت به. ثم أتى أبا جهل، فقال: ما رأيك؟ فقال: ماذا سمعت؟ قال: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف. أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب. يريد: بنو هاشم، وبنو نوفل، وبنو عبد شمس، وبنو المطلب. أولى الأربع قبائل الذين هم بنو عبد مناف. فقالوا: أطعموا فأطعمنا، قالوا: احملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب، قالوا: نحن نساومهم في الشرف، نساوم بني عبد مناف. قالوا: كن كفرسي رهان. قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذا؟ على متى سيأتينا نبي أيضا نكون ننافسهم حتى في النبوة؟ قالوا: والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه. فقام الأخنس عنه، وهذا من حقد وخبث من هذا الرجل. وقال: وقال يونس بن بكير، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن المغيرة بن شعبة، قال: إن أول يوم عرفت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أني أمشي أنا وأبو جهل، إذ لقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال لأبي جهل: يا أبا الحكم، هل أنت مؤمن بالله ورسوله؟ أدعوك إلى الله. فقال أبو جهل: يا محمد، هل أنت منته عن سب آلهتنا؟ هل تريد إلا أن نشهد أن قد بلغت؟ فوالله لو أني أعلم أن ما تقول حق ما اتبعته. فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول: حتى لو أعرف أن هذا حق الذي تقوله ما اتبعته. وأقبل علي، فقال: والله إني لا أعلم أن ما يقوله حق، ولكن بنو قصي... قال: قصي هذا والد عبد مناف. ولكن بنو قصي قالوا فينا الحجابة، فقلنا: نعم. فقالوا فينا الندوة، قلنا: نعم. ثم قالوا فينا اللواء، فقلنا: نعم. وقالوا فينا السقاية، فقلنا: نعم. كانت الحجابة والسقاية والندوة كلها الذي فعله هو قصي، وورثها أولاده منه وذريته، فكانت في بني هاشم. قال: فقلنا: نعم. ثم أطعموا وأطعمنا، حتى إذا تحاجزت الركب، قالوا: منا نبي. والله لا أفعل، أنا لا أؤمن به. طيب، نكتفي بهذا. والله تعالى أعلم.