الدرس في مباحث في السنة النبوية 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل كيفية تعامل المبتدعة مع السنة النبوية، حيث يظهرون قلة احترام وتقدير لأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم. يُذكر فيه أمثلة على إساءة المبتدعة لأدبهم مع رسول الله مثل الخوارج والمعتزلة والصوفية والروافض.
يتناول هذا الفصل موقف المبتدعة من السنة النبوية، حيث يهونون من شأنها ويعتبرونها قشورًا، ويستهزئون بأهل السنة. يُظهر أمثلة على هذه المواقف من فرق مختلفة مثل القرآنيين والعقلانيين.
ينبغي على المسلم أن يعطي لرسول الله حقه ويحترم أحاديثه وهديه، على عكس المبتدعين الذين عاملوا رسول الله باستهزاء وعدم مبالاة. يجب على المسلم أن يقتدى برسول الله في منهجه ودعوته.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، مواصل إخواني في الله في مباحث السنة، ذكرنا في درس أمس من المباحث المهمة ما يتعلق بذكر نماذج من تعظيم السلف للسنة النبوية، وغصنا معكم في الكثير من العبارات والنقول التي ثبتت عن أصحاب رسول الله، وعن التابعين، وعن أتباع التابعين، وعن أئمة الدين في مدى تعظيمهم لجناب السنة علمًا وعملاً واعتقادًا وامتثالاً. وإن مما يناسب ذكره أيضًا في هذا المقام، إخواني في الله، أن نذكر السنة وكيفية تعامل المبتدعة معها في هذا المبحث، وهو أننا نعرج وننظر في كيفية تعامل المبتدعة مع السنة، إذ أن هذا المقام، إخواني في الله، من المقامات التي حصل فيها الفيصل في التمييز بين السني وبين المبتدع الخلفي، وهو جناب السنة، فمن كان معظمًا للسنة فهو من أهلها، ومن لم يعظم السنة رأسًا، فأن يكون من أصحابها، وإنني في هذا المقام، إخواني في الله، سأعرج على مواقف المبتدعة من السنة النبوية، وهي تدور على مسائل الإعراض والصد والاستهانة واللامبالاة به، وبسنة عليه الصلاة والسلام. فإن من أوائل ما أذكره مثلاً في هذه المباحث، ما يتعلق بموقف المبتدعة من رسول الله كشخص، والله جل وعلا أمرنا أن نعطي شخص نبي عليه الصلاة والسلام حقه من الإجلال والإعظام، ﴿يا أيها النبي إن أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه﴾، هذا الواجب أن تكون المعاملة مع شخصه الكريم بالجلال والتعظيم، إلا أن المبتدع على خلاف ذلك، أساء الأدب مع رسول الله عليه الصلاة والسلام. فهذا مثلاً ذو الخويصرة، وهو الذي هو رأس الخوارج، الذي أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرآه يقسم قسمة، وكان النبي يقسم لمصالح شرعية راعاها، إلا أن هذا الرجل ما تفطن لذلك، وإنما تطاول على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، اعدل، اعدل، فإن هذه قسمة ما يرد بها وجه الله. فهذا يقال في جناب رسول الله عليه الصلاة والسلام، حتى قام من قام من أصحاب رسول الله وأراد أن يبطش بهذا الرجل، إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم أن هذا الرجل سيخرج من ضئضئه سيخرج من ظهره ومن صلبه نبتة، وهم الخوارج، وها هم الخوارج في كل زمان ومكان، وهم تلطخوا بهذه اللوثة، عدم الإجلال لجناب نبينا عليه الصلاة والسلام. ومثل آخر من المبتدع، ما وقع لجماعة من المعتزلة، كأمثال «عمر بن عبيد المعتزلي»، رأس من رؤوس الاعتزال، ذكر بحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا الحديث يخالف ما عليه هذا المبتدع، فماذا فعل؟ إذ به يستعرض هذا الحديث، يستعرضه أمامه، يقول: هذا الحديث لو سمعته من الأعمش لكذبته، ولو سمعته من زيد بن وهب لما صدقته، ولو سمعته من عبد الله بن مسعود لما قبلته، ولو سمعته من رسول الله لرددته، ولو سمعته من الله لقلت: يا رب، ما على هذا أخذت ميثاقنا؟ ما على هذا أخذت ميثاقنا؟ حتى أن الذهب وجماعة ممن ترجم لهذا الرجل الضال، عندما أسرد هذه القصة، شد عليه العبارة والتنكير قلة أدب، يقول: لو سمعته من رسول الله، حتى لو أن النبي أمامي الآن وذكر لي هذا الحديث لأحاجنه برده، ولو بالي، لكن هذا المبتدع، فإن الإنسان متى ما تشرب بالبدعة ظهر أثره في تعامله مع السنة، يظهر ذلك في شدة تعامله مع السنة. وهكذا مما يذكره العلماء من النماذج الدالة على بعد المبتدع في تعظيم جناب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ما ذكر عن «ابن سبعين»، وهو رجل من علماء الكلام، جاء من المغرب ودخل إلى مكة ومر بالمدينة، فخرج ثم رجع، وهو يقول لأصحابه: «لقد زرت ابن آمنة»، طبعًا «ابن سبعين» معروف عند الغلاة أنه من «ربانيين»، لكن انظر، «رباني» عند المبتدعين، قال: «زُرت ابن آمنة»، الذي يقول: «لا نبي بعدي»، وما الذي يعنيه؟ يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم، «لقد زرت ابن آمنة الذي يقول لا نبي بعدي، فوجدته بارعًا في الفلسفة»، وقد ذكر هذه القصة «شيخ الإسلام ابن تيمية» رحمه الله تعالى في كتابه «منهاج السنة»، في كتابه «منهاج السنة». وهكذا، إخواني في الله، مما يذكر كذلك في هذا الباب، ما جاء في أمر الروافض، الذين كان من أمرهم الطعن والغمز في رسول الله، ليس فقط في أصحابه، ولا في أزواجه، بل فيه صلى الله عليه وسلم، حتى وجد في كتبهم من يقول: «أن بعض أعضاء رسول الله تدخل النار»، وهي الأعضاء التي لامس وعاشر فيها عائشة رضي الله تعالى عنها، «الأعضاء التي منه بها لامس وعاشر عائشة هذه الأعضاء تدخل النار»، يا جماعة، رسول الله، هذا مقرر عند الرافضة، مقرر عند الرافضة، لا يبالون، يقول «خميني»، وهو الزعيم الهالك، وهو الذي صدر الثورة الرافضية في هذا الزمن الحديث، له كتاب اسمه «الحكومة الإسلامية»، يقول: «إن لأئمتنا المعصومين منزلة لا يصلها ملك مقرب ولا نبي مرسل»، منزلة الأئمة عندهم عالية جدًا، ما هناك أحد يصلها، حتى الأنبياء، حتى الرسول، حتى الرسول، رسولنا عندهم ما وصل لهذه المنزلة، منزلة الأئمة، منزلة العصمة عندهم. وهكذا من هذه العبارات، إخواني في الله، ما ذكره كذلك «شيخ الإسلام» رحمه الله في كتابه «الفرقان بين الحق والباطل»، قال: «شيخ الإسلام: حدثني الثقة من أتباع ابن عربي، وهم من الغلاة المتصوفة إلى الحلولية»، يقول «شيخ الإسلام»: «حدثني الثقة من أتباع ابن عربي، ثم رجع عنهم»، أي كان معهم ثم رجع، ثم رجع عنهم، قال: «إن أبغض الناس إليهم هو محمد بن عبد الله»، إن أبغض الناس إليهم، الذي يكرهونه، كرهًا، من هو؟ هو نبينا صلى الله عليه وسلم. وكما ذكر ذلك «شيخ الإسلام» عن من سمع ممن كان منهم ثم خرج عنهم، ما يطيق، ما يتحمل، إن الإنسان المسلم السوي ما يتحمل هذا، تبغض رسول الله، إذن ما الذي بقي من إسلامنا؟ ما الذي بقي من إسلامنا؟ وهكذا، إخواني في الله، مما يذكر من هذا المقام، ما يذكره «أبو يزيد البسطامي»، و«أبو يزيد البسطامي» يعتبر كذلك من غلات الباطنية، من غلات الباطنية، قال: «خضنا بحرًا وقف الأنبياء بساحله»، هذا البحر، وهو بحر العلوم، العلم اللدني، العلم الباطني، بحر نحن خضناه، من هو؟ هو وأصحابه، «خضنا بحرًا، لكن انظر التعبير الصحيح»، قال: «وقف الأنبياء بساحله»، الأنبياء هم أنبياء، ما استطاعوا أن يخوضوا معنا، وقفوا في الساحل، تهكم، ومن الذي يعنيه بالأنبياء؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي عندهم أتى بعلم الظاهر، وما أتى بالعلم اللدني. فالشاهد، إخواني في الله، أن مثل هذه العبارات، وهي كثيرة، ولله لا كثرها الله، تدل على مدى الجرأة والصفاقة عند المبتدع في بغضهم وقلة أدبهم مع رسول الله عليه الصلاة والسلام. وأيضًا مما يذكر، إخواني في الله، من موقف المبتدع من السنة، ما يكون من موقف المبتدع من الأحاديث، من أحاديث السنة، الأحاديث المروية من السنة. كذلك للمبت، لهم موقف منها، مر معنا في درس أمس ما يتعلق بموقف السلف من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، الإجلال والإعظام، كما قلنا، حتى أن بعض الأئمة لو أراد أن يكتب حديثًا عن رسول الله، توضأ ثم كتب، وإذا أراد أن يحدث بحديث، كلامًا عن رسول الله، توضأ، حتى أن منهم إذا ما وجد ماءً تيمم، يتيمم ثم يحدث عن رسول الله، وإذا كان مريضًا وأراد أن يحدث، هاب أن يحدث عن رسول الله بالأحاديث وهو مضجع، يقول: «أقعدوني، أقعدوني»، فيقعده مريض ويحدث، ومنهم من كان إذا مر على السوق، فإذا سمع أحدًا قال: «قال رسول الله»، جلس في الأرض، تعظيمًا لكلام رسول الله. هي أحاديث، فقط، أنا بقد قضى نحبه، وإنما هؤلاء السلف، بعد سنوات طوال، لا زالوا يعظمون أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، دلالة على تعظيم للسنة، لكن هذا حال السلف، لكن انظر للمتدع، كيف هم؟ أحاديثه عليه الصلاة والسلام، تجد أنهم ما يخرجون عن طوقي الصد والإعراض واللامبالاة، من المبتدع، إخواني في الله، في باب السنة، لا يعترف بأحاديث السنة، لا يعترف بأحاديث السنة، فلا يرفع لها رأسًا، ولا يلقي لها بالا، ولا يعتبرها مصدرًا من مصادر التشريع أبدًا. هذه فرقة قديمة، ذكرها «السيوطي» رحمه الله تعالى، ورماهم بالزندقة، وهم كذلك، في هذا الزمان، جماعات من الكتاب، ظهروا في بلاد مصر، وفي بلاد السودان، وجماعة في بلاد اليمن، يسمون بالقرآنيين، والقرآنيين عندهم أن المصدر الوحيد هو القرآن، أما السنة، قال: «لا، ما نعول عليها، ما نعترف بها»، أحاديث، مئات الأحاديث في «البخاري»، وفي «مسلم»، قال: «ولو، ولو ما نبالي بها»، طيب، كيف هذا تعظيمك لمقام نبيك عليه الصلاة والسلام أن لا تتقبل منه حديثًا واحدًا، حتى؟ فهذه طائفة، طائفة أخرى من المبتدعة، من يقول: «نعم، أنا سأخذ السنة الحقيقة، ليس كل السنة أخذها»، سأخذ من السنة ما وافق العقل، ما وافق العقل البشري، سأنظر فيه، إن وافق العقل قبلته، وإلا رددته، أنا لست ملزمًا به، ولهذا جاء مما يسمى بالفرق العقلانيين، العقلانية، فرق قديمة، من أيام المعتزلة، ولا زالت في مثل هذه الأزمان، لها مدارس، كل ذلك، كل ما يأتي حديث، قال: «انظروا، انتظروا»، إيش هذا الحديث؟ «نظروا فيه»، قال: «بره خارج ما يقبل»، هذا ما ينشر، فيعلونه، ويؤولونه، وهم كثر، لا كثرهم الله، حتى ما مر معنا، فيه، «درد» قبل أيام، في ذاك الرجل الذي يقول: «لو جاء حديث عن رسول الله في الطب، وجاء كلام عن الأطباء في مسألة طبية، لأخذت بقول الأطباء، ولا أخذ بقول رسول الله، لأن الطبيب أعلم من رسول الله في باب الطب»، هكذا تتعامل مع نبيك عليه الصلاة والسلام. «بعضهم كهؤلاء العقلانيين»، قال: «في حديث: لا يفلح قوم ولوا أمرهم إلى امرأة، حديث صحيح»، قال: «هذا الحديث ما هو صحيح»، لماذا غير صحيح؟ ما إيش العلة؟ قال: «العلة كيف يقول رسول الله ما يفلح قوم ولوا أمرهم إلى امرأة، وقد وجدنا دولًا، دولًا، دولًا قد ملكت وسلم زمام أمورها إلى النساء، وقد فلحن»، وأخذ يمثل «بتاتشر» و«بغاندي»، ونظر، هذا نماذج نساء ما سكنت البلاد، ونفع الله بهن، «كيف رسول الله يقول: لا يفلح قوم»، هذا حديث ضعيف، يلا، يرد، يرد، عادي جدًا، عادي جدًا، يرد، وهكذا أحاديث كثيرة، من أحاديث علامات الساعة، وهذه ما توافق العقل، ترد، ولا زال يرد، يرد، يرد، ليس لشيء، إنما عقله يتكىء، فما وافق العقل قبله، هكذا تتعامل مع نبيك عليه الصلاة والسلام، يا عبد الله. وهكذا لو أن النبي حيا أمامك، ويقول لك كذا وكذا، تقول: «يا رسول الله، انتظر، كلامك ما يوافق الواقع»، حيث هذا إجلال، يا عبد الله، لنبيك عليه الصلاة والسلام. ويذكر هذا الرجل بأحاديثي أن «موسى لطم ملك الموت عندما تشكل ملك الموت على صورة بشر، فقام موسى ولطم صورة ملك الموت، ففقأ عينه»، يقوم هذا ويهتم بكل جرأة، يقول: «هذا ما يصح، ما يصح، باطل»، نحن ثابت عن رسول الله، لماذا؟ قال: «هذا ما يصدق»، كيف ملك الموت يضرب؟ ماذا؟ يا عبد الله، لماذا هذا الجرأة في تعاملك مع أحاديث السنة بهذا الكلام؟ فهذا أنموذج من تعامل القوم مع أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهكذا، إخواني في الله، من حالهم، من يجعل السنة تحت مجهر الخبر، الأحاد والخبر المتواتر، فيقول: «أنا السنة أقبلها من رسول الله، لكن إذا بلغت مبلغًا كثيرًا، طويلاً، سأقبلها»، وأما إذا جاءت خبر أحاد، كالمشهور والعزيز والفرد والغريب، «أنا ما أقبلها»، يا عبد الله، ما هي العبرة من خمسة، ستة أحاديث، أو أنها سبعة طرق جاءت، وأحاديث عن رسوله، صحيح، تقبلها، قال: «لا، ما أقبله»، إذا كان جاء من طريق واحد أو الاثنين، «ما أقبله»، إلا أن يأتي بأحاديث الحديث، يأتي بطرق كثيرة. فجاءوا ببدعة القسمة، أن الحديث ينقسم إلى متواتر وأحاد، فما كان من قسم المتواتر يقبل، وما كان من قسم الأحاد فإنه يرد، ولهذا رد الكثير من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت هذا الباب. وهكذا، إخواني في الله، صور كثيرة من هذا الباب، وكلها تدل على أن السنة ليست لهم أهمية. ومن هؤلاء كذلك، ممن هولوا من السنة، من هول حتى في تطبيقها والعمل بها، السنة عنده أدنى شيء من أمور الدين، أدنى شيء، يعني يجعل السنة، حتى أن بعضهم، هذا موجود في كتبهم، من الجماعات الحزبية، ممن يشبه السنة ويصورها بأنها «قشور»، قشر يعني، كالفاكهة عندك، قشور، ولُب الفاكهة، كالبرتقالة، تأخذ القشر، هذا القشر أين محله؟ ترمي به، قال: «هذا القشور هي السنة، لا تنشغل بها»، ولهذا مما يعيبون على أهل السنة -سبحان الله- أنهم يهتمون بالسنة، قل: «انظر لهؤلاء»، فرغ «سنة»، أي سنة؟ يا رجال، «سنة»، جاء «لسنارات»، أهم شيء عندنا «القبايا الكلية»، «القبايا الحاكمية»، «إقامة شرع الله جل وعلا»، والسنة يعبد الله، أليست من شرع الله جل وعلا؟ أليست هي من أعظم مقامات الدين؟ طبعًا، هذا ما الذي يقول بهذا؟ الذي عظم الإسلام في قلبه سيعلم عظيم مقام السنة. كان السلف رحمهم الله تعالى يجعلون من أجل العبادات، ومن أعظم الطاعة، السنة، حتى قال «أبو عبيد القاسم» رحمه الله: «قال: التابع للسنة كالقابض على الجمر، وهو اليوم عندي أفضل من الجهاد في سبيل الله»، هذا يقولها من الذي تربى على الدين، يعرف مقداره، وعظمة السنة، لا يهون من شأن، أما هؤلاء يهونون، يهونون جدًا، بل حتى يزهدون الناس عن السنة. أذكر، والله، عن بعض هؤلاء، كان لهم مقال، كان يبث في عباراته، باللهجة العامية، كتبها، ما قال في الجريدة، قال: «اللحية وتقصير الثياب هذا هبل وشغل عيال»، والله، بهذا اللفظ، «هبل وشغل عيال»، «إعفاء اللحية هبل»، و«تقصير الثياب شغل عيال»، «ليست هذه من سنة نبيك عليه الصلاة والسلام»، ما الذي أتى بها؟ أنا، ولا فلان، ولا علان، هم يكون، يا عبد الله، تتأدب مع مقام السنة، إذا استطعت اعملها، اعملها، ما استطعت، ضعف، ضعف، اسكت، أما أنك تتجرأ على مقام السنة، فتعترض، قل: «أبالله وآياتي ورسوله كنتم تستهزئون، لا تحتذروا، قد كفرتم»، الاستهزاء بالسنة كفر، فيأتي من يأتي، ولا زال، أولا يتضاحكون على أهل السنة، متى ما رأوهم يتحدثون عن السنة. وقد مر معنا، إخواني في أوائل المباحث، ما يتعلق بفضيلة السنة. وهكذا، إخواني في الله، مما يذكر من مواقف المبتدع، إضافة إلى ما ذكر من موقف المبتدع من شخص رسول الله، من موقف المبتدع من أحاديث رسول الله، ما يكون من موقف المبتدع من هدي رسول الله، من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتجد أن المبتدع، كلهم بالإجماع، لا يبالون بهديه، ولا بسمته، ولا بمنهجه، ولا بدعوته، ولهذا ماذا سموا؟ بأهل البدعة، هذا هو الاسم العام الذي يطلق على أهل الأهواء، أهل البدعة، لأنهم أعرضوا عن السنة، وهم يتفاوتون في هذا الباب، يتفاوتون في هذا الباب، ويجمع هذا الجامع، الإعراض عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. من هؤلاء مثلاً، إخواني في الله، من يرى أنه بإمكانه أن يأخذ الدين، قال: «أخذه عن ربي مباشرة»، ما أنا بحاجة إلى رسول، ما أنا بحاجة إلى رسول، حتى قال قائلهم، هو يتهكم على أهل السنة، يقول: «أنتم من أين أخذتم دينكم؟ إذا سألناكم، قلتم: أخذناها عن فلان عن فلان عن فلان، وأين فلان؟ مات»، وهو يقصد رسول الله، وهو يقصد رسول الله، أي منتهك، مات، قال: «أما نحن أخذنا ديننا عن ربنا، حدثني قلبي عن ربي»، طبعًا هذه العبارة، قال «الحافظ ابن حجر» رحمه الله: «أنها عبارة كفرية»، كفرية، لكن هؤلاء أرادوا هذا، أنهم ما يبالون برسول الله، ما يحتاج أن نمر على سنته، أو نتأسى بهديه، أو نلتزم بشرعه، ما يحتاج. ومنهم طائفة يقولون: «أن الإنسان إذا بلغ إلى درجة اليقين سقطت عنه التكاليف»، إذا بلغ إلى درجة اليقين سقطت عنه التكاليف، فلا يحتاج أن يأتي أحد فيعلمه الحلال أو الحرام، لا نبي، ولا غير نبي، ما يحتاج، إذا بلغ اليقين، انتهى، فإذا قيل له: «يا عبد الله، هذا من الدين»، قل: «إيش من الدين؟ لا، لا، لا»، «خشل الدين لك أنت مسكين»، أنت تحتاج إلى الدين، أنت تحتاج إلى اتباع الرسول الكريم، أنت محتاج، أما أنا لا، مستغني، ما أحد يلزمني بأي شريعة، ما أحد يلزمني، لأن التكاليف سقطت عني. وهذا يوجد كذلك من صور هؤلاء، من يرى أن النبي، أن الولي يمكن أن يخرج عن شريعة النبي، هذا كثير عند المتصوفة، يرون أن مقام الولاية مقام عظيم، وأن من وصل إلى مقام الولاية، فأصبح وليًا، يمكن أن يتخلى عن شريعة النبي، فعندهم أن الولي له أن يخرج عن شريعة النبي، فلا يتقيد بها، فيفعل ما شاء، ولهذا تجد من كرامات الناس، هؤلاء المبتدعة، أنهم يأتون بطوام، طوام، يقول: «على حفظة هذا ما هي كرامة؟ هذا إجرام، هذا معصية»، طبعًا هذا إجرام عندكم، أنتم، لكن نحن كأولياء، هذا ليس إجرام، هذا عندنا مما أعطانا الله إياه، فيرون أن الأولياء لهم أن يخرجوا من شريعة الأنبياء، فلا يتقيدون بشريعة أحد. وهكذا، قصة «عبد الله صور»، وأشكال وألوان من حال الفرق الضالة. ومنهم من يرى أن الدين إنما يكون بالاعتصام لرسول الله، لا الاعتصام بالتقليد بالكبراء والزعماء والمشايخ والسادة، أنه يجعل على عنقه قلادة، فيجعل طرف القلادة لشيخه، يسوقه يمنة ويسرة، قيل: «هنا السنة؟ هذا مما أمر رسول الله؟ تعال، لا أستطيع»، أنا في رقبتي حبل عند شيخي، فجاءت المتعصبة، وجاء الغلاة من المريدين، ممن ألقى بزمام أمره لغير رسول الله عليه الصلاة والسلام. وقد قال «شيخ الإسلام»: «ومن ظن أنه سيهتدي بغير هدي رسول الله، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين»، من ظن أنه سيهتدي بغير هدي رسول الله، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وأيضًا تجد من الجماعات الحزبية، ممن أتوا بنظام في الدعوة إلى الله، ما أنزل الله به من السلطان، من الحزبية والأمارة والبيعة والسرية، كل ذلك ما كان على هديه، وإنما خروج عن سنته، وإنما الإنسان، إخواني في الله، يظهر سنته في التأسي برسول الله في كل شيء، في كل شيء. فالشاهد، إخواني في الله، أن هذا المقام من المباحث المهمة، أن الإنسان ينظر إلى أحوال المخالفين من المبتدعين، وكيف أنهم عاملوا رسول الله كشخصه الكريم، وعاملوا الأحاديث النبوية، وعاملوا هديه صلى الله عليه وسلم، بمعاملة علوها الاستهزاء وعدم الاهتمام واللامبالاة، وأن المسلم يكون ينبغي على العكس ذلك، وإنما ينبغي أن يعطي لرسول الله حقه، سواء له، أو لأحاديثه، أو لهديه، ومنهجه، ودعوته، يعطيها الحظ الأكبر والأعظم من الاعتبار والاقتفاء والاقتداء. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.