الدرس في مباحث في السنة النبوية 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
المحور يتناول تعظيم السلف الصالح للسنة النبوية وأهمية اتباعها، مع ذكر أقوال بعض الأئمة مثل الإمام الشافعي وعبد الله بن مسعود. يُظهر المحور أهمية تعظيم السنة في أقوال وعبارات السلف.
يبرز هذا المحور أقوال السلف في أهمية التمسك بالسنة والتحذير من البدع، مع عرض علامات أهل السنة مثل محبتهم لأئمة السنة وعلمائها وأصحاب الحديث. يشير إلى أن الموت على السنة يعتبر حسن ختام.
المحور الأخير يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُنهي بالتأكيد على أن الله تعالى أعلم، ويعتبر ختامًا للكلام السابق.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، إخواني في الله، بالأمس كان استضافتنا في هذه الدورة المباركة بعد أذان العشاء لأخينا الشيخ أبي خالد وليد بن عبد الله مقرم حفظه الله تعالى ورعاه، وهو القائم على الدعوة والتعليم والإرشاد في بلاد المملكة، وخاصة في جامع العرب والوثقى. وإن شاء الله هذه الليلة سيكون ضيف اللقاء أخونا شيخ نبيل الحمر أبو حذيفة، وهو القائم على التدريس والتعليم والدعوة في منطقة الديس الشرقية. ضيف اللقاء هذه الليلة سيكون مع الشيخ أبي حذيفة، ومواصل إخواني في الله فيما نحن بصدده في ذكر مباحث السنة. وبعد ذكرنا للمسائل المهمة في معرفة ما هي السنة وما يتعلق بإطلاقاتها، ومن ثم ما يتعلق بفضائل السنة، ثم كان التعرف في كيفية تحقيق السنة بما يكون من التحاكم إليها والرضا بها والاقتفاء والإئتساء برسول الله عليه الصلاة والسلام، باعتبارها مصدرًا من مصادر التشريع. تأتي مسألة كذلك من المسائل المهمة في مباحث السنة، ألا وهي ما يتعلق بما يكون من تعظيم السلف لها. فإن سلفنا الصالح، من لدن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومن أتى بعدهم من التابعين وأتباع التابعين من الأئمة والعلماء المهديين، فإنهم ساروا على هذا النسق من التعظيم للسنة. ظهر ذلك في أقوالهم وعباراتهم، وما كان من نصعهم لغيرهم. من عبارات السلف ما يسمى بوجوب الأخذ بها، من أمرهم بضرورة الأخذ بالسنة، وأن الأخذ بها واجب، وأن الإنسان ينبغي أن يأخذ بها ولا يفرط فيها. يقول إمام الشافعي رحمه الله: «أجمع المسلمون على أنه من استبان له سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحل له أن يدعها لقول أحد». عبارة الشافعي تحكي الإجماع على هذه المسألة، وهو أن من تعظيمك للسنة أنك لا تدعها ولا تتركها، بل يجب عليك أن تأخذ بها. ويهمنا من هذا الإجماع النظر إلى من المتكلم بهذا الكلام، والشافعي رحمه الله تعالى من أئمة السنة، فكان معظما جدا للسنة. قال الحميدي: روي للشافعي حديثا فقيل له أتأخذ به؟ فقال: «أتراني خرجت من كنيسة؟» يعني يخاطب السائل بعدما سئل عن حديث تأخذ به، فتعجب كيف ما أأخذ به؟ قال: «أتراني خرجت من كنيسة؟» أي أنا نصراني؟ أترى علي زنارة؟ وهي الزنانير اليهود، ضفائر الشعور. أترى علي زنارة؟ أسمع حديثًا عن رسول الله ولا أقول به؟ من أنا؟ هذه تربية الشافعي رحمه الله تعالى لنفسه ولأتباعه بضرورة الاقتفاء للسنة. وكان من أشهر عبارات الشافعي رحمه الله: «إذا صح الحديث فهو مذهبي». فالشاهد إخواني في الله أن النقولات كثيرة جدًا عن إمامنا الشافعي تدل على مدى تعظيمه للسنة في نفسه، ومدى حثه أتباعه على ضرورة الأخذ بالسنة. كذلك من مآثر السلف رحمه الله تعالى في هذا الباب ما ذكره عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، أنه قال: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم». وهذا العبارة «اتبعوا» أمر، والأمر بالاتباع أمر بالأخذ بما جاء عن نبينا عليه الصلاة والسلام. وهكذا قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه لعثمان الأسدي عندما قال له عثمان: «يا ابن عباس أوصني»، فقال ابن عباس: «اتبع ولا تبتدع، اتبع الأثر الأول ولا تبتدع». ويعني بالأثر الأول هو الذي أثر عن نبينا عليه الصلاة والسلام، فوجب الأخذ مما قاله ومما فعله عليه الصلاة والسلام. قال سفيان الثوري رحمه الله: «إن استطعت أن تحك رأسك بأثر فافعل». بمعنى أنك احرص على أن تجعل في حياتك السنة في كل شيء من شؤون حياتك. كن متبعا في مدخلك وفي مخرجك، في مأكلك وفي مشربك، في مطعمك وفي ملبسك، في كلامك وفي حديثك، في عشرتك مع خلقك، مع كل أحد من خلق الله. فلتكن حياتك يا عبد الله كلها تأسيًا برسول الله. كذلك مما يذكر من نقولات السلف في باب السنة ما يدل على فضيلة السنة. أشرنا في مباحث السنة إلى ما يتعلق بفضائلها، وما جعله الله لأهلها ممن عظم السنة من مغفرة الذنوب، ومن كفارات العيوب، ومن رفع الدرجات، ومن مضاعفة الحسنات. قال سعيد بن اسماعيل رحمه الله: «من أمر السنة على نفسه قولا أو فعلا نطق بالحكمة». ومن أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة. ثم قال: ﴿وَإِنْ تُطِعُوهُ تَهْتَدُوا﴾. وقال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: «الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة». وقال عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأ: «فعليك بلزوم السنة، فإنها لك بإذن الله عصمة». وقال الزهري رحمه الله تعالى: «كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة». من مسائل أقوال السلف في التمسك بالسنة ما كان من تحذيرهم من ترك السنة. فكان من عبارات أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: «ولست تاركا شيئا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به إلا عملت به، وإني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ». وقال أبو قلابة رحمه الله: «إذا حدثت الرجل بالسنة فقال: دعنا من هذا وهات كتاب الله، فاعلم أنه ضال». وقال إمام أحمد رحمه الله: «من رد حديث النبي صلى الله عليه وسلم فهو على شفا هلكة». وقال الإمام البربهاري رحمه الله: «إذا سمعت الرجل يطعن في الآثار أو يرد الآثار أو يريد غير الآثار، فاتهمه على الإسلام، ولا تشك أنه صاحب هوى مبتدع». وقال عبد الله الديلمي رحمه الله: «إن أول ذهاب الدين بترك السنة، يذهب الدين سنة سنة كما يذهب الحبل قوة قوة». من علامات أهل السنة أنك تكون محبا لها ومحبا لأهلها. يقول أبو حاتم رحمه الله: «إذا رأيت الرجل يحب أحمد فهو صاحب سنة». وقال وكيع بن الجراح: «من طلب الحديث كما جاء فهو صاحب السنة». وقال قتيبة بن سعيد: «إذا رأيت الرجل يحب أصحاب الحديث فاعلم أنه على سنة». فمحبتك للأئمة، محبتك للعلم، محبتك للحديث، محبتك لأصحاب الحديث، كل هذه المحاب دلالة على أنك معظم للسنة. قال أبو عثمان الصابوني رحمه الله: «ومن علامات أهل السنة حبهم لأئمة السنة وعلمائها وأهلها وأوليائها». هذه أمارة، فإذا رأيت هذا من نفسك اعلم أنك منهم وإليهم. علينا أن نعلم أن مما أثر عن سلفنا الصالح أنهم كانوا يجعلون من حسن الختام أن الإنسان يموت على السنة. يقول أبو بكر المروذي رحمه الله: قلت للإمام أحمد: «الرجل يموت على الإسلام والسنة، يموت على الخير»، فقال إمام أحمد: «أسكت، بل يموت من مات على الإسلام والسنة فقد مات على الخير كله». أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.