الدرس في كتاب الطهارة 63، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبدأ غسل النبي صلى الله عليه وسلم من الجنابة بغسل يديه ثم فرجه ثم يتوضأ، وبعد ذلك يغسل رأسه ثلاث حفنات ثم باقي جسده. هذه الصفة وردت في أحاديث عائشة وميمونة رضي الله عنهما.
يشرح كيفية الغسل من الجنابة كما جاء في الأحاديث النبوية، ويبين أهمية مسح اليدين بعد الاستنجاء لإزالة الرائحة الكريهة، ويستدل على أن الغسل مرة واحدة يكفي.
يناقش مسائل التداخل بين الوضوء والغسل، واستدلالات العلماء ببعض الأحاديث على تداخلهما، مع اختلافهم في مسائل مثل وجوب الدلك وتكرار غسل الأعضاء ومشروعية التنشيف.
يبين أن نفض اليد من الماء أثناء الوضوء جائز، على الرغم من حديث ضعيف ينهى عن ذلك، ويعتبر ترك النفض أفضل كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قالوا عن عائشة رضي الله تعالى عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ، ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر، ثم حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم فاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه. متفق عليه، لفظ مسلم. ولهما من حديث ميمونة: ثم أفرغ على فرجه وغسله بشماله، ثم ضرب بها الأرض، وفي رواية: مسح بالتراب في آخره، ثم أتيته بالمنديل فرده. وفيه: وجعل ينفض الماء بيديه. قال عن عائشة رضي الله تعالى عنها: قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة -أي أراد ذلك- يبدأ فيغسل يديه. في حديث ميمونة: مرتين أو ثلاثا. ثم يفرغ الماء بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ، ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر، ثم حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم غسل رجليه. متفق عليه، لفظ مسلم. قالوا: لهما -أي الشيخين البخاري ومسلم- من حديث ميمونة في صفة الغسل من ابتدائه إلى انتهائه، إلا أن المصنف اقتصر على ما لم يذكر في حديث عائشة فقط. وهناك أشياء لم يذكرها المؤلف أيضا وهي في حديث ميمونة، وسيذكرها الشارح. قال: ثم فرغ على فرجه وغسله بشماله، ثم ضرب بها الأرض. وفي رواية: مسح بالتراب في آخره، ثم أتيته بالمنديل فرده. وفيه: وجعل ينفض الماء بيديه. قالوا: وقيل هذا اللفظ في حديثهما: ثم تنحى عن مقامه ذلك من ابتداء الانتهاء فانتهاءه، فابتدأه بغسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء إذا كان مستيقظا من النوم، كما ورد صريحا. وكان الغسل من الإناء، وقد قيده في حديث ميمونة: مرتين أو ثلاثا. ثم غسل الفرج، فلا شك أن هنا في هذه الأحاديث بيان كيفية الغسل من ابتدائه لانتهائه، على كيف يبدأ أولا. أولا يتوضأ، وقبل الوضوء يغسل كفيه. ثم بعد غسل الكفين وبعد الاستنجاء يحاول أن يذهب الرائحة من يديه فيمسحهما بصابون أو بشيء، كما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمسحهما بالتراب. قال رحمه الله في الشرح: أن ظاهره مطلق الغسل، فيكفي مرة واحدة. لو غسل مرة واحدة، مثلا يغتسل، يكفي. وذلك لدفع الرائحة من اليد، ولم يذكر أنه أعاد غسل الفرج بعد ذلك، مع أنها إذا كانت الرائحة في اليد فهي باقية في الفرج. هذا ما يفهم من الحديث. قال: ويدل على أن الماء الذي يطهر به محل النجاسة طاهر مطهر. وعلى تشريك النية للغسل الذي يزيل النجاسة يرفع برفعها الحدث. تشريك النية معنى: نية رفع الحدث ونية الغسل والوضوء والطهارة معنى: يدخل النيات معا. والصحيح الذي قاله أكثر العلماء: أنه لا فرق في النية بين أن ينوي رفع الحدث أو تطهير نفسه أو يريد معنى الصلاة، لأجل أن يكون تحل له الصلاة، فينوي أنه يتوضأ لأجل أن تحل له الصلاة. هذا يعتبر نية صحيحة. قال: واستدل به على أن مقار رائحة بعد غسل المحل لا يضر. وهذا أيضا مثل مهم، لأن الاستنجاء لا يزيل الرائحة، تبقى الرائحة في اليد. ولهذا كما تقدم أن بعض التابعين كان يكره الاستنجاء بالماء، قال: لا يزال النتن في يدي. النتن معناه رائحة النجاسة تكون في اليد. قال: ويدل على أن غسل الجنابة مرة واحدة يكفي. قال: ويحتمل أنها لم تبق رائحة، بل ضرب الأرض لإزالة لزوجة اليد. إن سلم أنها تفارق الرائحة. قال: وعما وضؤوه قبل الغسل، فإنه يحتمل أنه وضؤوه للصلاة، وأنه يصح قبل رفع الحدث الأكبر أن يتوضأ، وأن يكون غسل هذه الأعضاء كافيا عن غسل الجنابة. وأنه تداخل الطهارة، وهو رأي زيد بن علي والشافعي وجماعة. قال: ونقل ابن بطال الجمع على ذلك، قال: أن الطهارة تتداخلان، طهارة الحدث الأصغر وطهارة الحدث الأكبر. فإذا توضأ اكتفي بمحل الوضوء بالوضوء. قال: وقد ثبت في سنة أبي داود أنه صلى الله عليه وسلم كان يغتسل ويصلي الركعتين وصلاة الغداة ولا يمس ماء. قال: في بطل القول بأنه ليس في حديث ميمونة وعائشة أنه صلى بعد الغسل، ولا يتم الاستدلال بالتداخل إلا إذا ثبت أنه صلى بعده. قال: وقد استدل به على عدم وجوب الدلك، وعلى أن مسمى غسل لا يدخل فيه الدلك، خلافا لبعض العلماء كالظاهرية والشوكاني وغيرهم. قالوا: أنها تدخل فيه لغسل وإسالة مع العضو. هذا الصحيح، فلهذا الدلك يعتبر سنة. قال: وقال الماوردي: لا يتم الاستدلال بذلك، لأن أفاض بمعنى غسل، والخلاف في الغسل قائم. قال: وأما هل يكرر غسل الأعضاء ثلاثا عند وضوء الغسل، فلم يذكر ذلك في حديث عائشة وميمونة عن تكرير غسل العضو. والصحيح أنه يكرر كما جاء في حديث عثمان وغيره في الوضوء. قال المصنف: قد ورد ذلك في رواية صحيحة عن عائشة، وفي قول ميمونة أنه صلى الله عليه وسلم أقل غسل الرجلين. قيل: يحتمل أنه أعاد غسل الرجلين بعد أن غسلهم أولا للوضوء لظاهر قولها: توضأ وضوءه للصلاة. قال: وقد اختلف العلماء في ذلك، منهم من اختار غسله مع الوضوء، ومنهم من اختار تأخير ذلك. وقد أخذ منه جواز تفريق أعضاء الوضوء. قال: وقول ميمونة: ثم أتيته المنديل فرده. فيه دليل على عدم مشروعية التنشيف للأعضاء. وفيه أقوال، الأشهر أنه يستحب تركه. وقيل: مباح. وقيل: غير ذلك. قال: وفيه دلالة على أن نفض اليد من الماء وضوء لا بأس به، لأنه قد جاء ما يعارضه: لا تنفض أيديكم فإنها مراوح الشيطان. لأنه ضعيف. فيجوز أنه يتمسح، ولو تركه أفضل مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.