الدرس في كتاب الصلاة 151، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
اختلف العلماء في صحة إقامة صلاة الجمعة من قبل المسافرين، حيث يرى أبو حنيفة أنها تنعقد إذا اجتمع أربعون مسافرًا، بينما يرى الشافعي وأحمد أنها لا تنعقد إلا باجتماع عدد معين من المقيمين. يُفضل للمسافرين الصلاة ظهرًا، لكن إذا أقاموا في مكان ما، فقد تجزئهم صلاة الجمعة.
يتناول آراء العلماء حول وجوب صلاة الجمعة على المسافر، حيث يرى شيخ الإسلام التفريق بين المستوطن والمقيم أو المسافر، بينما يرى آخرون أن المسافر إذا أقام مدة معينة وجبت عليه الجمعة. يُعتبر أن المسافر إذا صلى الجمعة فإنها تصح.
لا يوجد دليل على التفريق بين المقيم وغيره في انعقاد صلاة الجمعة، والصحيح أنها تنعقد بمسافر أو عبد أو غيرهم. هذا هو الرأي المعتمد في هذه المسألة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، صلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وَإِذَا اجْتَمَعَ أَرْبَعُونَ مُسَافِرًا وَأَقَامُوا الْجُمُعَةَ صَحَتْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إِذَا كَانُوا فِي مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ». وقال الشافعي وأحمد: لا تنعقد. هذه صورة هذه المسألة: أنه إذا اجتمع في منطقة أو قرية أربعون مسافرًا وصلوا الجمعة، هل تنعقد هذه الجمعة أو لا تنعقد؟ فقال الشافعي وأحمد في المشهور عنهما: أنها لا تنعقد. وقال أبو حنيفة: أنها تنعقد. لم يذكر مالك لأن مالك لا يقول بالأربعين. ومالك جاء عنه أنه اثنا عشر، وجاء عنه أيضًا المشهور في مذهبه أنه يشترط جماعة غير محدودة بعدد مخصوص، ولكن يقول: لا يجزئ فيها الثلاثة ولا الأربعة، أن يكون أكثر، معنى ذلك أنه يكون أكثر من سبعة، وكذا ستة. وذكر أيضًا أنها تنعقد باثني عشر رجلًا، فيقتدون مع الإمام إلى أن يسلم. لكن هناك رواية أيضًا عن أحمد، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وجماعة من العلماء على أنها تنعقد صلاة المسافر إذا صلى الجمعة، أو إذا اجتمع المسافرون وصلوا الجمعة تنعقد صلاتهم. وهذا هو الصحيح؛ لأنهم صلوا جمعة، ما دام أن صلاتهم تصح، فتنعقد بهم الجمعة. يقولون: إن الشافعي وأحمد وغيرهما يقولون: إن صلاته صحيحة، أن المسافر إذا صلى جمعة صلاته صحيحة، فما دام أن صلاته صحيحة، فجمعته أيضًا صحيحة إذا اجتمعوا. وأما الاشتراط بأن يكون هؤلاء الأربعون من أهل الإقامة كلهم مقيمين، فهذا اشتراط غير صحيح، ولا دليل عليه. والصحيح أنه ما دام أنها تصح بالمسافر، وتصح بالعبد، وتصح كذلك بالمريض إذا جاء، فلا شك أنها تصح بالجمعة أيضًا كذلك إذا كانوا اجتمعوا دون الأربعين. ويقولون أيضًا: إنه لا دليل على الأربعين. لكن لو اجتمع ثلاثة مسافرون، جاءوا إلى قرية ولم يصل فيها الجمعة، فهل يصلون الجمعة؟ أو جاءوا إلى مكان ما، فهل يصلون الجمعة؟ هؤلاء المسافرون الأفضل لا شك أنهم لا يصلون الجمعة، وإنما يصلون ظهرًا، هذا الأفضل؛ لأنهم بمعنى من يأخذون برخصة السفر. بل هناك كما قلنا مذهب أبي حنيفة أنه واجب عليهم أن يقصروا. لكن هنا إذا كانوا من المسافرين الذين أقاموا في بلد، أقاموا في بلد أو نزلوا فيها، فجلسوا أيامًا، فهنا يقول أبو حنيفة وغيره: أنه تجزئ صلاتهم الجمعة. وأما رواية عن أحمد في مسألة وجوب القصر، فهي أن المسافر لو صلى الجمعة، فهو يعتبر من أهل الجمعة. وأبو حنيفة لا يرى القصر إلا في منى ومزدلفة. لكن الذين يقولون بأن المسافر يقصر وجوبًا، وهي رواية عن أحمد كذلك، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية. فيقولون هنا: إن كان معنا على تفريق شيخ الإسلام؛ لأن شيخ الإسلام يفرق بين المستوطن والمقيم أو المسافر، يجعل هناك مسافر ومستوطن فقط، ليس هناك منزلة بينهما. مقيم وهو مسافر، فيقول: إما أن يقيم الشخص أيامًا أو ليالي أو كذلك شهورًا أو سنوات، وهو يريد أن يخرج من هذه البلاد، فهذا يعتبر عنده مسافرًا، ولو جلس. فمثل هذا لو أقام الجمعة، لا شك أنها توجب عليه. وأما إذا كان مستوطنًا، يقول: خلاص يجب عليه الجمعة، ولا تسقط عنه. لكن الصحيح كما قلنا: أن المسافر أكثر ما جاء عن السلف أنه إذا جلس تسعة عشر يومًا، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم في تبوك، إذا جلس تسعة عشر يومًا أو أراد أن يجلس أكثر من ذلك، فإنه يتم من أول يوم، وتجب عليه الجمعة. وأما إن كان سيجلس أقل من هذه المدة، فإن الجمعة لا تجب عليه، ويكون مسافرًا. لكن إن صلى الجمعة، فهو يعتبر من أهل الجمعة. وكما أنهم اتفق العلماء على أن المريض إذا حضر الجمعة، صحت جمعته، وصح إمامه كذلك، فكذلك المسافر والعبد. الشافعي يقول: إذا جاء مريض لا تجب عليه الجمعة، لكنه تحامل على نفسه وجاء إلى الجمعة، فيقول معناه: إذا كان سيكمل الأربعين، يقول: صلاته صحيحة؛ لأنه من أهل البلد. وأما المسافر والعبد، فيقول: إنهم لا يقيمون الجمعة. وهذا تفريق لا دليل عليه كما قلنا. والصحيح الذي يقال في هذه المسألة: أنها تنعقد صلاة الجمعة بمسافر، وكذلك بعبد وغيره. هذا ما يذكر، والله تعالى أعلم.