كتاب الصلاة 49

الدرس في كتاب الصلاة 49، ألقاها

حكم التسليم والتشهد بعد سجود السهو

اختلف العلماء في حكم التسليم والتشهد بعد سجود السهو، والراجح أنه يسلم فقط دون تشهد. ناقش المقطع مسائل أخرى متعلقة بسجود السهو مثل حكم سجود ثلاث سجدات للسهو.

حكم سجود السهو للمأموم خلف الإمام والإمام يتحمل سهوته

إذا سهى المأموم خلف الإمام، فإن الإمام يتحمل سهوته ولا يسجد المأموم للسهو. الراجح هو أن صلاة الإمام تجبر سهو المأموم.

تفاصيل سجود السهو للمأموم المسبوق وحالات خاصة

إذا سهى المأموم المسبوق بعد سلام الإمام، فعليه سجود السهو. وإذا ظن المأموم أن الإمام سلم فسلم معه، ثم تبين أن الإمام لم يسلم، فلا سجود عليه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله المسألة الرابعة من مسائل سجود السهو أنه متى سجد للسهو، فإنه يكبر فيه للسجود والرفع منه، سواء كان قبل السلام أو بعده. فإن كان قبل السلام سلم عقبه، وإن كان بعده سلم بعده، سواء كان محله بعد السلام أو كان قبل السلام، فنسيه إلى ما بعد السلام. وفي المسألة خلاف. أحيي المسألة يا جماعة: من سهى فسجد لسهو، إن كان قبل السلام فالأمر فيه واضح، إنه يسلم. وإذا كان بعد السلام، هل يسلم أم لا يسلم؟ وهل يتشهد قبل التسليم أم لا يتشهد؟ ذهب ابن مسعود والنخعي وقتادة والحكم والثوري والأوزاعي وأحمد وأصحاب الرأي إلى أنه يتشهد ويسلم. واستدل هؤلاء بما جاء في بعض طرق عمران بن حسين رضي الله عنه -أرضاه- عند أبي داود وغيره أنه قال: «ثم سلم، ثم تشهد، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم تشهد وسلم». وقد تقدم معنى أن لفظ التشهد ليس بثابت. واضح هذا يا جماعة، تقدم معنى في الدرس السابق الكلام على هذه اللفظة. وقال أنس والحسن وعطاء: «ليس فيهما تشهد ولا تسليم»، بمعنى أنه يسجد للسهو وينصرف من صلاته. إذا كان قبل التسليم، فهي تسليمة الصلاة. وإذا كان بعد التسليم -أي كان السجود بعد التسليم من الصلاة- فإنه يسجد للسهو سجدتين، ثم ينصرف دون أن يسلم. هذا القول الثاني. وقال ابن سيرين وابن المنذر: «فيهما تسليم بغير تشهد»، قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: «التسليم فيهما ثابت من غير وجه، وفي ثبوت التشهد نظر». والمرء كما قال رحمه الله تعالى. وعن عطاء أنه قال: «إن شاء تشهد وسلم، وإن شاء لم يفعل». فهذه أربعة أقوال في المسألة. القول الأول: أنه يتشهد بعد سجود السهو، بعد سجدتي السهو، ثم يسلم. القول الثاني: أنه لا يتشهد ولا يسلم. القول الثالث: أنه يسلم ولا يتشهد. القول الرابع: أنه مخير في ذلك، له أن يتشهد ويسلم، وله أن لا يفعل ذلك، فالأمر فيه على التخيير. والراجح من هذه الأقوال ما ذهب إليه ابن سيرين رحمه الله تعالى، فإن الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سلم ولم يتشهد. واضح هذا يا جماعة، لا كما أشرنا إلى ذلك في الأحاديث الماضية في سجود السهو. فالراجح في هذا أن من سهى فإنه يسجد سجدتين للسهو، وبعد أن يفرغ من السجدتين عليه أن يسلم فقط. المسألة الخامسة: المتعلقة بهذا الباب، لو سجد للسهو ثلاثًا، لم يسجد لهذا السهو. واضح يا جماعة، رجل صلى، فسها في صلاته، فلما فرغ من صلاته -قبل التسليم أو بعد التسليم- سجد للسهو ثلاث سجدات، فماذا عليه؟ الجواب: نقل العبدلي إجماع المسلمين على أنه إذا سهى في سجود لم يسجد لهذا السهو. واضح يا جماعة، ليس عليه سجود في سجود السهو. قال: ولو شك هل سجد للسهو سجدة أو سجدتين، فأخذ بالأقل، فسجد أخرى، فبان أنه كان يسجد سجدتين، لم يعد السجود. واضح هذا أيضًا. رجل سجد سجدتين لسهو، ثم شك هل سجد واحدة أم سجد سجدتين؟ ماذا صنع؟ يبني على الأقل، لأنه اليقين، والشك فيبني على ما استيقن، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فليبني على ما استيقن». بنى على أنه سجد سجدة واحدة، وبعد أن سجد السجدة التي يظن أنه لم يسجدها، بعد أن فرغ منها، ذكر أنه قد سجد سجدتين، فيكون بهذه الحالة تيقن أنه سجد ثلاث سجدات، فماذا عليه؟ لا شيء. وهذا بإجماع. المسألة السادسة من مسائل سجود السهو: من سهى سهوين فأكثر. رجل مثلًا سهى في القراءة، ثم سهى مرة أخرى -مثلًا في قيامه من التشهد الأول- سهى أكثر من سهو، فكم عليه من سجود السهو؟ فيه خلاف بين أهل العلم. فذهب أكثر العلماء إلى أنه يسجد لجميع سهواه سجدتين. وهذا قول النخعي ومالك والثوري والليث والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي. وقال الأوزاعي: إذا سهى سهوين، سجد أربع سجدات، أي لكل سهو سجودان. وقد يحتج له بحديث ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لكل سهو سجدتان». رواه أبو داود وابن ماجه. والراجح الأول -أي قول أكثر أهل العلم- لحديث الباب، لحديث ذي اليدين. وأما حديث ثوبان فضعيف. ولو كان صحيحًا، لحمل على أن المراد: يكفي سجدتان لكل سهو. فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لكل سهو سجدتان»، معناه: لكل سهو -سواء كان مرة أو مرتين أو أكثر- فلو سجد سجدتان فقط. واضح يا جماعة. وهذا جمعًا بين الأحاديث لو ثبت. فإن لم يثبت، فالأمر في هذه المسألة واضح، فالراجح من هذين القولين أن من سهى في صلاة أكثر من مرة، فليس عليه إلا سجودان. وحكى القاضي أبو الطيب عن الأوزاعي أنه إن كان السهوان زيادة أو نقصًا، كفاه سجدتان. وإن كان أحدهما زيادة والآخر نقصًا، سجد أربع سجدات. واضح يا جماعة، يقول: إن الأوزاعي يقول: إنه إن كان السهو من جنس واحد -أي زيادة أو نقصان- فليس عليه إلا سجدتان. وإن كان أحدهما نقصانًا والآخر زيادة، فإن عليه أربع سجدات. والصحيح ما تقدم. المسألة السابعة: وهذه المسألة تحتها مسائل كثيرة، فنتنبه لهذه المسألة، تحتها مسائل وفروع كثيرة، ويحتاجها المصلون، بل يحتاج إليها كل مصل. قال رحمه الله: المسألة السابعة: «نسي المأموم خلف الإمام»، فلا يسجد للسهو. هذا أو هذه المسألة عنوان لفروع ومسائل كثيرة، سيأتي التنبيه عليها في أثناء الكلام. قال النووي رحمه الله تعالى في المجموع: قال أصحابنا -من أصحاب الشافعي- إذا سهى خلف الإمام -أي المأموم- تحمل الإمام سهوته، ولا يسجد واحد منهما، بلا خلاف. لحديث معاوية بن الحكم السلمي: «أنه شمت العاطس في الصلاة خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن هذه الصلاة لا يصح فيها شيء من كلام الناس»، ولم يأمره بالسجود. فدل هذا على أن من حصل في صلاته خلل، فإن الإمام يجبره، فإن صلاة الإمام تجبره. وقال الشيخ أبو حامد: وبهذا قال جميع العلماء إلا مكحولًا، فإنه قال: «يسجد المأموم لسهو نفسه». واضح يا جماعة، العلماء كلهم متفقون على أن المأموم إذا سهى خلف الإمام، فإن الإمام صلاته تجبر سهوه، وأن الإمام يتحمل سهو المأموم، فلا يكون لسهو المأموم أثر في صلاة. قال: إلا الإمام مكحول رحمه الله تعالى، فإنه قال: «يزجد المأموم لسهو نفسه»، بمعنى أن الإمام أو المأموم -مثلًا على سبيل المثال- صلى إنسان خلف إمام، فالإمام مثلًا ركع، وذلك سجد الإمام، كبر للركوع، وذلك المأموم مباشرة سجد -سهوًا- يظن أنه سجود، وبقي على سجوده، ثم تفطن، رأى الناس ركعوا، فقال: ثم أتى بالركعة مع الإمام. يكون هنا سهى أم لا؟ هل عليه أن يسجد للسهو أو ليس عليه أن يسجد للسهو بعد أن يفرغ من الصلاة؟ الجواب: ليس عليه سجود سهو، بل صلاة الإمام تجبر ذلك السهو الصادر منه، على قول جميع العلماء غير مكحول رحمه الله تعالى. فالحاصل أن الصحيح في هذه المسألة أن صلاة المأموم خلف الإمام، وسهو المأموم خلف الإمام، يجبره الإمام، فلا يحتاج من المأموم أن يسجد سجدتي سهو بعد أن يفرغ من صلاته. ولو كان مسبوقًا -أي المأموم مسبوقًا بإمامه- فسهى بعد سلام الإمام، لم يتحمل عنه -لقطع القدوة- أي لانقطاع اقتدائه بالإمام. وضح للمسألة يا جماعة: رجل على سبيل المثال كان مع الإمام، فلما فرغ الإمام سلم الإمام «السلام عليكم ورحمة الله»، الرجل ما زال في تشهده، قام ثم تذكر أنه قد فرغ من صلاته، فجلس فسلم. ماذا عليه؟ عليه سجودان. لماذا؟ لأنه قد انفصل عن الإمام، انفصل عنه الإمام بالتسليم، فلم يكن بعد ذلك مقتديًا بالإمام. فنفرق بين أن يكون في الصلاة مع الإمام، وبين أن يفعل شيئًا بعد تسليم الإمام. إذا فعل شيئًا بعد تسليم الإمام، انقطعت القدوة بالإمام، وصار منفردًا. والمنفرد يتحمل سهوه. قال: وكذا المأموم الموافق -أي الموافق دخل مع الإمام في تكبيرة الإحرام- لو كان مسبوقًا فسهى بعد سلام الإمام، لم يتحمل عنه. طيب، قبل أن يدخل في الثانية. قوله: لو كان مسبوقًا فسهى بعد سلام الإمام -دخل مع الإمام في الركعة الثانية من صلاة الرباعية- واضح يا جماعة. صلى الإمام، وأكمل الإمام ركعته الأربع، وكان المأموم كم ركعته؟ ثلاث ركعات. قام المأموم في الركعة الرابعة، وفي أثناء الركعة الرابعة وقع له سهو -إما أنه نسي قراءة، نسي ركوع- حصل له سهو. فهل نقول له: قد صليت خلف الإمام، فيتحملها عنك الإمام؟ أم لا؟ ما هو الجواب يا جماعة؟ نقول: لا، لأنه بهذه الحالة صار منفصلًا عن الإمام. قال: ولو كان المأموم الموافق -الذي دخل مع الإمام من أول الصلاة- لو تكلم ساهيًا بعد سلام الإمام، سجد. واضح يا جماعة. دخل مع الإمام «السلام عليكم» وهو بعد سهو، حصل منه أن تكلم بكلام بعد أن سلم الإمام، بعد أن سلم الإمام، انقطعت الإمامة للإمام، وانقطع الاقتداء بذلك الإمام، فسهو المأموم يكون عليه، لا يكون على الإمام. قال: وكذا المنفرد إذا سهى في صلاته، ثم دخل في جماعة، وجوزنا ذلك، فلا يتحمل الإمام سهوته، بل يسجد هو بعد سلام الإمام. هذه مسألة فرضية، مسألة فرضية، وهي هل للإنسان صلى منفردًا، ابتدأ صلاته منفردًا، ثم رأى جماعة، هل لو أن يدخل فيها؟ الصحيح أنه لا يدخل فيها، ولا تصح صلاته، أو لا تصح ائتمامه بذلك الإمام بعد أن ابتدأ صلاته منفردًا. لكن الإمام النووي رحمه الله تعالى ينقل عن الشيخ أبي حامد أنه قال بهذه المسألة. لو جوزنا ذلك فرضًا، هل يتحمل الإمام عنه الصلاة؟ جواب: لا، لأنه ابتدأ صلاته منفردًا، فسهو يتحمله هو. قال: أما إذا ظن المأموم أن الإمام سلم فسلم، فبان أنه لم يسلم، فسلم معه، فلا سجود عليه؛ لأنه سهى في حال القدوة. واضح للمسألة يا جماعة: إذا ظن المأموم أن إمامه سلم فسلم، ثم بان له أنه لم يسلم، فسلم معه، فلا سجود عليه. يعني هذه الصورة يا جماعة: ظن أن الإمام قال «السلام عليكم»، فقال «السلام عليكم»، والإمام في تلك اللحظة قال: «السلام عليكم»، فكان سلام المأموم مع سلامة الإمام، فهل على المأموم سجود سهو؟ لأنه سهى، فظن أن الإمام سلم، ولم يسلم بعد، وإنما سلم معه. الجواب: أنه لا سجود عليه؛ لأنه ما زال في حكم الاقتداء، فإمامته أو أتمامه بالإمام يجبر صلاته. ولو تيقن في التشهد أنه ترك الركوع أو الفاتحة من ركعة ناسيًا -ولو تيقن في التشهد الأخير مع الإمام- أنه ترك الركوع أو الفاتحة من ركعة ناسيًا، فإذا سلم الإمام، لزمه أن يأتي بركعة أخرى. ولا يسجد للسهو؛ لأنه سهى في حال القدوة. واضح يا جماعة، يأتي بركعة أخرى، ولا يسجد للسهو؛ لأنه سهى في حالة اقتدائه بالإمام. وكما مر معنا أن سهو المأموم يجبره ائتمامه بالإمام. ولو سلم الإمام -هذه المسألة واضحة- نتوقف هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على