الدرس في كتاب الأيمان 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع حكم الحلف بغير الله تعالى، حيث يبين أن الحلف لا ينعقد إلا باسم من أسماء الله أو بصفة من صفاته، ويحرم الحلف بغير ذلك لما فيه من الشرك بالله.
إذا حلف الشخص وذكر "إن شاء الله" في يمينه، فإنه لا يحنث، ويجب أن يكون الاستثناء متصلًا بالحلف، وإذا حلف على شيء ثم رأى خيرًا منه، فعليه أن يكفر عن يمينه ويأتي بالخير.
اليمين التي تجب فيها الكفارة لها شروط، منها أن تكون باختيار الحالف، وأن تكون في شيء مستقبل، واليمين الغموس هي التي يعلم الحالف كذبها وقد تكون كبيرة من كبائر الذنوب.
يختتم الشيخ الدرس ويشكر الحضور ويطلب منهم الاشتراك في القناة، ويشير إلى أن مسائل اللغو ستتم مناقشتها في الدرس التالي.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام الشوكان، رحمه الله تعالى: كتاب الأيمان، وهو جمع يمين. وقيل: إنه ثَمِي يمين؛ لأن الناس كانوا في الجاهلية إذا أراد الشخص أن يتعاهد يجعل يمينه في يمين صاحبه، فسمي يمينًا. ويسمى أيضًا حلفًا، ويسمى أيضًا قسمًا. ويُسمى أيضًا الحالف موليًا، كما جاء في الآية ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا تُسِرُّونَ﴾. والإلاء أيضًا هو الحلف. قال الإمام الشوكان: الحلف إنما يكون باسم الله تعالى أو صفة له، ويحرم بغير ذلك. هذه المسألة قد جاءت فيها أدلة عن النبي عليه الصلاة والسلام. فقد جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تحلفوا بأبائكم ولا بأمهاتكم، ومن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت». وجاء أيضًا من حديث أبي هريرة في السنن: «لا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون». وأيضًا جاء في حديث عبد الله بن عمر: «من حلف بغير الله فقد أشرك»، وهو أيضًا في السنن، رواه أبو داود والترمذي وغيرهما. إلا أن هذا الحديث فيه انقطاع؛ فسعد بن عبيدة لم يسمع هذا الحديث من عبد الله بن عمر، وإنما سمعه من رجل قال له محمد الكندي. لكن الظاهر أن له شاهدًا جاء من طريق سالم عن عبد الله عن نبيه أنه قال: سمعت ابن عمر يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من حلف بغير الله»، قال سالم: فقال فيه قولًا شديدًا. ولم يذكر هذا القول الشديد. ولعله هذا القول الشديد: «من حلف بغير الله فقد أشرك». وأحاديث كثيرة في هذا الباب تبين أن الحالف بغير الله ارتكب إثمًا عظيمًا. وقد اتفق العلماء على أن اليمين لا تنعقد إلا باسم من أسماء الله أو بصفة من صفاته. لا تنعقد اليمين إلا باسم من أسماء الله أو بصفة من صفاته. فإما أن يحلف بأسماء الله عز وجل أو بصفاته، وعزة الله وقدرة الله، فهذا ما في شيء. لكن يحلف بغير الله عز وجل أو بغير صفة من صفاته، فهذا لا يجوز. حتى ولو كان بالكعبة. وما جاء في الحديث -حديث صفي وحديث قتيلة- أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يحلف بالكعبة، وقال: «لا تحلفوا بالكعبة، ولكن حلفوا برب الكعبة». فما دام هذه المعظمات لا يجوز أن يحلف بها، فغيرها من باب أولى. وجاء عند النسائي: «من حلف بالأمانة فليس منا». فلهذا ذهب الحنابلة والظاهرية، وأيضًا رجحه جماعة من المحققين: أن الحلف بغير الله محرم، ولا يجوز، بل قد يصل إلى الشرك بالله جل وعلا. إذا كان يحلف تعظيمًا للمحلوف يعظمه كتعظيم الله، هذا يصل إلى الشرك الأكبر. وذهب جماعة من العلماء -كما هو عند الشافعية وغيرهم- أنه يكره. بعضهم حمله على التحريم، وبعضهم حمله على التنزيه. لكن الأليق أن يحمل على التحريم؛ لأن مثل هذه النصوص كيف يقال فيها كراهة التنزيه، مع أنهم يقولون: إن اليمين لا تنعقد إلا بأسماء الله وصفاته. ولهذا بعض العلماء يقول: إن الحلف بما يدل على العِزَم أو الصفة، مثلًا: «لعمر الله»، هذا مثل «حياة الله». لكن اختلف العلماء في قولهم: «لعمري»، هل هي يمين؟ «لعمري»، وهذه تجد أنها في أشعار كثيرة، ويتكلم بها الناس. فبعض العلماء احتمل لها: أن «لعمري» على أنه يحلف بعمره الذي أعطاه الله عز وجل، وهو يحلف بشيء يتعلق بصفات الله. ومنهم من قال: إنها كلمة جرت على ألسنة الناس، مثل قول: «لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون». لكن هذا الله عز وجل يحلف بأي شيء من خلقه سبحانه وتعالى: «لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون». لكن استدلوا بأن هذه الكلمة جرت على ألسنة الناس. حتى بعض العلماء يقول: إنها ليست يمينًا أصلا، ولا يقصد بها اليمين، وإنما يقصد بها تأكيد الكلام. فأيضًا كذلك الطلاق، الحلف بالطلاق أيضًا. خرج له الشيخ الإسلام: أن الطلاق لا يقع إلا بإذن الله جل وعلا، فهو يدخل ضمنًا في أفعال الله. وبعض العلماء يقول: إن الطلاق إذا حلف به يقع الطلاق، وإن كان هو محرمًا. قال: ومن حلف فقال: «إن شاء الله»، فقد استثنى. أن هذه مسألة إذا حلف فقال: «والله إن شاء الله»، فهل يحنث ويكفر إذا حنث؟ أن الحنث هو الرجوع فيما حلف فيه. إن حلف على فعل ففعله، أو على ترك فلم يتركه، فإنه يعتبر حنثًا، فيكفر. لكن إذا قال: «إن شاء الله»، «والله إن شاء الله»، فهل يحنث؟ فعند جمهور العلماء: أنه لا يحنث، حتى ولو لا يكفر إذا حنث إذا تراجع عن يمينه لا يكفر. لكن لابد أن يكون هذا «إن شاء الله» متصلًا بالحلف، متصلًا بالحلف. لا يكون منقطعًا، مثلًا: يقول: «والله لا أفعل كذا»، ثم وهو ذاهب يقول: «إن شاء الله»، هذا عند أكثر العلماء لا ينفع. لابد أن يكون «إن شاء الله» متصلًا. والدليل على هذه المسألة يذكر أكثر العلماء حديث عبد الله بن عمر: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من حلف فقال في حلفه: إن شاء الله لم يحنث». وهذا الحديث قد أخرجه الإمام أبو داود. لكن الحديث لا يصح؛ لأن فيه انقطاعًا، أو فيه خطأ. أقصد حصل باللفظ حصل. وصحيح أن هذا الحديث ليس هكذا: «من حلف بغير الله أو من حلف بالله وقال: إن شاء الله لم يحنث». وإنما الحديث جاء في الصحيحين: لما قال نبي الله سليمان -لما قال سليمان لداود-: «لا طوفن الليلة على سبعين امرأة»، فقال له الملك: «قل إن شاء الله»، فلم يقل: «إن شاء الله»، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو قال: إن شاء الله لم يحنث». فدل على أن من استثنى في يمينه فهو لا يحنث. وجاء في حديث ابن موسى: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا كفرت عن يميني». وفي رواية: «والذي نفسي بيده إن شاء الله لا أحلف على يمين وأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني». قال: ومن حلف على شيء فرأى غيره خيرًا منه فليأتي الذي هو خير وليكفر عن يمينه. هذه المسألة إذا حلف على شيء فرأى غيره خيرًا منه. جاء في حديث عبد الرحمن بن سمرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا عبد الرحمن بن سمرة، إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فأتي الذي هو خير وكفر عن يمينك». وأيضًا ذكرنا حديثه برموس أيضًا في هذه المسألة. فقال: «لا أحلف على شيء إن شاء الله ورأيت خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني». وهذه المسألة تكون في ما هو واجب، وما هو قد يكون مستحبًا أو أمرًا مباحًا. فإذا حلف على شيء على ترك معروف مثلًا، فإنه يأتي هذا المعروف. ولهذا جاء في الصحيحين: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يلجئكم يمينكم أن لا تفعلوا المعروف، بل افعلوا وكفروا عن أيمانكم». أي: لا يجعل لجاجته وغضبه أن لا يفعل المعروف. يقول: «والله لا أفعل كذا»، «والله لا أزور عمتي أو لا أزور أختي»، معنى في غضب يقول مثل هذا الكلام. لا يجعل هذا معنى يمينه التي لج بها تمنعه من الخير. بل إذا حصل مثل هذا يكفر عن يمينه ويأتي الذي هو خير. خاصة إذا كان هذا في شيء محرم أو عدم معروف. قال الله عز وجل: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾. معنى: ولا يحلف «أولو الفضل والسعة» أن لا يأتي الفقراء شيئًا. فلهذا لا ينبغي أن يجعل الشخص يمينه تمنعه من المعروف. ولهذا لما حلفت عائشة رضي الله عنها أن لا تكلم ابن أختها عبد الله بن الزبير، دخل عليها بعض التابعين -الأسود وغيره- وأقنعوها. وكانت تقول: «اليمين شديد». ثم ذكروها بأشياء من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فأذعنت لذلك؛ لأن عبد الله بن الزبير تعدى حدوده معها. لما تصدقت جاءها مال وتصدقت، وكانت كثيرة صدقة، فقال عبد الله بن الزبير: «والله لا أحجر على عائشة»، وهي خالته. قال: «لأحجرن على عائشة». فقيل لها ذلك، فقالت: «عبد الله يقول هذا». وكانت تحبه كثيرًا، حتى أنها كنيت باسمه. قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: «تكني بابن أختك عبد الله». كانت كنيتها «أم عبد الله». فلهذا غضبت كثيرًا لما قال مثل هذا الكلام. فقالت: «والله لا أكلمه». ثم توسط حتى كلمته ورضته وكفرت عن يمينها. المهم أن الإنسان لا يجعل يمينه تمنعه من الخير، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ومن حلف على شيء فرأى غيره خيرًا منه فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير». إن كانت هذه اليمين في خير. طيب أما إن كانت في منع الخير، فلا ينبغي له أن يستمر في هذا المنع. قال: وهنا مسألة: مسألة التكثير، هل يكفر قبل أن يأتي أم أنه يجوز له أن يأتي ثم يكفر؟ فعند الجمهور جواز الأمرين. الشافعي وأحمد ومالك وغيرهم يقولون: يجوز الأمرين معًا، إن كان قبل أو بعد. يعني: قبل التكفير أو بعد التكفير. مثلًا: إنسان قال: «والله لا أفعل كذا»، «لا آكل مثلًا شيء من المأكولات»، «والله لا أكله». ثم رأى أنه احتاج -معنى أكل طيب- وكذا سيأكله. فهل يكفر عن يمينه قبل أن يأكل أو بعد أن يأكل؟ فالجمهور يقولون: كله جائز، سواء كان هذا أو هذا. قال: ومن أكره على اليمين فهي غير لازمة، ولا يُؤَاخَذ بالحنث فيها. معنى: من أكره على يمين -أي ليست باختياره، وإنما أكره عليها إكراهًا إجباريًا أو غير إجباري-. الإجباري كما قلنا هو الإكراه الذي يكون فيه ضرب أو قتل. وغير الإجباري الذي يكون فيه تهديد أو تهديد مثلًا على فعل شيء أو على قطع مثلًا شيء من الخير أو من المال أو من غيره. فيحلف مكرهًا، فهذا لا يحنث. والفقهاء يذكرون في اليمين التي يكون فيها كفارة عدة شروط. يعني يذكرون عدة شروط. أولًا: الإسلام، أن يكون هذا الحالف مسلمًا. الشرط الثاني: أن يكون هذه اليمين باسم من أسماء الله. الشرط الثالث: أن يكون هذا اليمين باختياره، لا مكرهًا. الشرط الرابع: أن يكون هذه اليمين في شيء مستقبل. أن تكون هذه اليمين في شيء مستقبل. أما إن كان في شيء ماضي، ما تعتبر يمين فيها كفارة، وإنما تعتبر يمين إما صدق أو كذب على شيء قد مضى. فيحلف على شيء قد مضى، فهذا إما أن يكون كاذبًا أو صادقًا. ما فيه مثلًا، فإن كان صادقًا فبها -معنى انتهى الأمر- وإن كان كاذبًا فهي يمين غموس. فهي يمين غموس، ويمين الغموس ليس فيها كفارة. وإنما هي اليمين التي يعلم صاحبها كذبها. فلهذا فاليمين المنعقدة هي التي تكون التي فيها كفارة، التي تكون على المستقبل: «والله لا أفعلن أو لا أتركن أو لا أفعل». هذا اليمين التي يكون فيها كفارة. ومن هذا كما قلنا: الاختيار، أن يكون هذه اليمين مختارة ليست مكرهًا. وأيضًا الشرط الخامس هو أن لا تكون لغوًا، أن لا تكون لغوًا. معنى: لا يقصدها حلفها، لا يقصد الحالف. وهذا الذي سيذكره المؤلف هنا في مسألة اللغو. قال: واليمين الغموس هي التي يعلم الحالف كذبها. اليمين الغموس قد جاء: إلى حديث في أنها كبيرة من كبائر ذنوب. كما في حديث ابن بُكير وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر اليمين الغموس من الكبائر. واليمين الغموس اختلفوا في تحديدها: هل المراد بها هي اليمين التي يعلم الحالف كذبها؟ أم هي كذلك، لكن يكون فيها اقتطاع مال امرئ أو دمه أو في عرضه؟ أن يكون فيها مثلًا فيها جناية على المسلم: أن يحلف على شيء وهو يعلم أنه كذب، لكن يريد أن يضر بهذا المسلم إما بماله أو بعرضه أو كذلك بدمه. مثلًا: يشهد أنه قاتل، يحلف على أنه قتل. أو يحلف على أنه فعل شيء من المحرمات -من الزنا أو من غيره- وهو لم يفعل. فهذا كله يعتبر من اليمين الغموس. وبعض العلماء -كما قلنا- وهو قول أكثر العلماء يقولون: أن اليمين الغموس هي التي يعلم حالفها كذبها، سواء كان اقتطع مال امرئ المسلم أو لم يقتطع. لكن إذا كان فيه اقتطاع فهي تكون أعظم. لحديث عبد الله بن مسعود: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من حلف على يمين يقتطع فيها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان». ثم قرأ قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. لما سمع الأشعث بن قيس دخل على عبد الله بن مسعود وهو يقرأ هذه الآية ويحدثهم بهذا، فقال: «هذه الآية نزلت فينا». وابن عم لي: «أن هذه الآية نزلت فينا». أي: لسعد بن قيس. يقول: «هذه الآية نزلت فينا». جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت: «يا رسول الله، إن هذه أرضي». أراد أن يأخذها فلان وحلف على ذلك -أي: أتى بيمين- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس لك إلا يمينه». فقال: «وإن إذا حلف لتصدقن». فقال: «لا». فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. نترك مسائل اللغو في الدرس اللاحق إن شاء الله تعالى في صفر. شكرًا لكم. جيد. اشتركوا في القناة. لكم. اشتركوا في القناة.