كتاب الإيمان  47

كتاب الإيمان 47

الدرس في كتاب الإيمان 47، 57-باب بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

بداية نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم

يبدأ المقطع الأول بوصف بداية نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم برؤيا صالحة ثم لقاء جبريل في غار حراء. نزلت أولى آيات القرآن الكريم وأعقبها فترة انقطاع للوحي.

شرح وتفسير أحاديث بدء الوحي

يفسر المقطع الثاني الأحاديث الثلاثة الأولى في صحيح البخاري حول بدء الوحي، ويبين أن أول ما نزل هو سورة العلق ثم سورة المدثر بعد فترة انقطاع، ويستخلص دروسًا حول التدرج في التعليم.

دلالات الأحاديث على خيرية الإسلام وأهمية الأخلاق

تستدل الأحاديث على خيرية الإسلام وأهمية المشورة وصلة الأرحام وإعانة المحتاجين، وتبرز الأخلاق الحميدة التي يشجع عليها الإسلام وتأكيده على هذه القيم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: حديث عائشة أم المؤمنين، قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤية الصالحة في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه، وهو التعبد. وسمي خلوة الإنسان تحنثًا من باب الأضداد، أي يفر من أسباب الحنث، وهو الوقوع فيما يكره من الإثم وغيره من لغو الكلام ونحوه. قالت: وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك. يعني يجلس أيامًا حتى إذا انتهى ما عنده من زاد رجع إلى أهله. قالت: ويتزود لذلك، يعني مرة أخرى، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء. فجاءه الملك فقال: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ. يعني أنا أمي لا أحسن القراءة، وليس معناها النفي. قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد. يعني شدة غطه، يعني ضمه ضمًا شديدًا وجذبه إليه. قال: ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم﴾. فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، يعني مما رأى، فهو أول ما رأى الوحي عليه الصلاة والسلام. قال: فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، فقال: زملوني، زملوني. فزملوه حتى ذهب عنه الروع، يعني ما أصابه من خوف مما رأى في الغار. فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي. يعني مما رأى، وهو بشر عليه الصلاة والسلام، وهذا وهو لا يعلم بالرسالة وأمرها. فقالت خديجة: كلا والله، ما يخزيك الله أبدًا. إنك لتصل الرحمة، وتحمل الكل، وتكسب المعدومة، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. أي أن فيك من الصفات ما لا يضر مثله. وفي هذا كذلك ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من صفات الخير قبل الإسلام. وهكذا كما صح عنه عليه الصلاة والسلام أن الله نظر في قلوب العباد، فجعل الرسالة معناه في أخشاهم وأتقاهم. فالرسل عليهم الصلاة والسلام هم خير خلق الله، اصطفاهم الله عز وجل في الدنيا، فاصطفاهم سبحانه وتعالى للدين، وقد هيأهم ربنا جل وعلا لذلك. وانظر إلى قولها في أول الحديث: فحبب إليه الخلاء، وهذا قبل الإسلام. قالت رضي الله عنها: فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزة، ابن عم خديجة، وكان امرأً تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي. ومعنى عنده من علم أهل الكتاب. فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى صلى الله عليه وسلم. يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو مخرجي هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي. وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرًا. قال: أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحي، باب حدثنا يحيى بن بكير. قال: حديث جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: وهو يحدث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: بينا أنا أمشي، سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصري، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرعبت منه، فرجعت، فقلت: زملوني. فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها المدثر * قم فأنذر﴾ إلى قوله: ﴿والرجز فاهجر﴾. فحمي الوحي وتتابع. قال: أخرجه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب حدثنا يحيى بن بكير. قال: حديث جابر بن عبد الله الأنصاري، عن يحيى بن أبي كثير، قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن، قال: ﴿يا أيها المدثر﴾. قلت: يقولون: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾. فـ﴿قال أبو سلمة﴾: سألت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما مع ذلك، وقلت له مثل الذي قلت، فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال جابر: جاوزت بحراء، فلما قضيت جواري، هبطت، فنوديت، فنظرت عن يميني، فلم أر شيئًا، ونظرت عن شمالي، فلم أر شيئًا، ونظرت خلفي، فلم أر شيئًا. فرفعت رأسي، فرأيت شيئًا، فأتيت خديجة، فقلت: دثروني، وصبوا علي ماءً باردًا. قال: فنزلت: ﴿يا أيها المدثر * قم فأنذر * وربك فكبر﴾. أخرجه البخاري في كتاب التفسير، سورة المدثر، باب حدثنا يحيى. أورد المؤلف رحمه الله هذه الأحاديث وهذا الباب في سياق ذكره لمسائل الإيمان، فقال: باب بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمن الإيمان نزول الوحي وابتداؤه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذلك أول الإيمان. وأورد رحمه الله هذه الأحاديث الثلاثة، أولها حديث عائشة، وقد أورده البخاري في الباب المشار إليه، فقال: حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا الليث عن عقيل عن ابن الشهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها بهذا اللفظ. وأورد حديث جابر بن عبد الله، وقد أخرجه البخاري في الباب المشار إليه، ولكنه أخرجه بلاغًا وتعليقًا، وهو في الحقيقة كأنه يحيل إلى الإسناد الذي قبله؛ لأنه تبع له. قال: قال ابن شهاب، وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: وهو يحدث عن فترة الوحي، فذكره بلفظه. والحديث الثالث أخرجه في الباب المشار إليه في كتاب التفسير في سورة المدثر في باب حدثنا يحيى، فقال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا وكيع عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، فقال ما قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن إلى آخره، بلفظه. وهذه الأحاديث الثلاثة فيها أولًا ما أشار إليه رحمه الله بالتبويب في بدء الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأول ما بدئ بالوحي ونزل على النبي عليه الصلاة والسلام، كما هو ظاهر حديث عائشة: أول سورة العلق: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم﴾. وأما ما ورد في حديث جابر بن عبد الله، فلا يعارضه؛ فإنه يحمل. وقد وجه بتوجيهات، أولها: أنه بحسب علم جابر، رضي الله عنه. وثانيها: وهذا أقرب، وهو أن مراده أول ما أنزل بعد فترة الوحي. وهذا يؤيده الرواية الأولى من حديث جابر، قال: وهو يحدث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: بينا أنا أمشي، سمعت صوتًا من السماء. فهذه الرواية تفسر الرواية التي تليها من أن الابتداء وأول النزول المراد به بعد فتور الوحي. فإنه عليه الصلاة والسلام نزل عليه أولًا أول سورة العلق، ثم من رحمة الله وحكمته ترك النبي صلى الله عليه وسلم فترة حتى قوي أن ينزل عليه شيء آخر، فنزل عليه: ﴿يا أيها المدثر﴾. وتتمت كذلك سورة العلق كما ذكر جمهور أهل العلم. وبهذا التوجيه تجتمع الأدلة، وإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. وبعضهم فسره: أنه أول ما أنزل مما فيه الأمر بالتبليغ، تبليغ الرسالة. فإن ما أنزل عليه قبل كان ابتداء الرسالة، ولم يؤمر بتبليغ شيء. وما أنزل بعد ذلك بعد فتور الوحي كان فيه ابتداء أمره عليه الصلاة والسلام بتبليغ الرسالة. ولهذا يقول من يقول من أهل العلم: أنه نبئ بإقرأ، وأرسل بالمدثر. وإن كان التفريق بين النبي والرسول بأن النبي من بعث ولم يؤمر بالتبليغ، والرسول من بعث وأمر بالتبليغ، تفريق ليس بصحيح. بل الصواب أن كل من النبي والرسول بعث إليه وأمر بالتبليغ، ولكن الفرق على الصحيح كما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه النبوات وغيره من أهل العلم: أن الفرق بينهما هو أن النبي بعث بشريعة من قبله، والرسول بعث بشرع جديد. فهذا هو التفريق الصحيح. وعلى هذا يكون الجمع بالقول الثاني هو الأولى. ولا مانع أن يقال بالقول الثالث، لكن على التفسير الصواب. وفي الحديث من المسائل كذلك ما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام قبل الإسلام من صفات الخير التي كانت فيه وعرف بها، حتى أنه حببت إليه العبادة، ولم يشرع له في ذلك شيء. وبه نعرف كذلك أن فضل الله عز وجل ورحمته لها أسباب يهيئها ربنا جل وعلا، مع ما يكون من حرص العبد. ومع ما يكون من حرص العبد. وكما قال عليه الصلاة والسلام: «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا». فلذلك تجد في الغالب إذا كان الرجل في الكفر عنده خير، فإذا أسلم لا يزداد إلا خيرًا، ويزداد زكاة ونفعًا بهذا الدين. ولا يستلزم أن الرجل إذا كان على سوء أنه لا يوفق للخير. لكن مثل هذه الأحاديث تكون واعظة ومذكرة له أن يغير من حياته، أن يغير من حياته. فإنما العلم بالتعلم، وكذلك الاستقامة لها أسباب، والخير وأبوابه له أسباب، فيجتهد في تحصيل ذلك حتى لا يؤثر عليه ما كان في جاهليته. فرب إنسان مبتلى بذنوب ومعاصي، فلا ينبغي أن يتساهل بها بعد إسلامه أو بعد التزامه، فيعرض نفسه لتلك الفتن التي توقعه فيما كان عليه بجاهليته. ولعل هذا السبب هو الذي يدفع بعض الناس في الرجوع إلى ما كانوا عليه، وهو عدم التفاتهم لمثل هذا المعنى العظيم الذي بينا في ديننا. فينبغي المسلم أن يحذر، وأن يخاف على نفسه. فكل من علم من نفسه شيء هو باب سوء، فليحذر منه أشد الحذر، وليتخذ كل الوسائل التي تمنعه من الرجوع إلى ما كان عليه، فيحفظ نفسه. وفيه من المسائل كذلك مشروعية التحنث، ولكن في الإسلام ضبط بالاعتكاف، وما كان بمعناه بالاعتكاف، وما كان بمعناه. فيجتمع فيه المقصود الشرعي، وتندفع به المفسدة التي قد تكون في مثل هذا التخلي. فكون الإنسان يتخلى في الجبال يقتدي بهذا الحديث يكون خطأ؛ لأن هذا قبل الإسلام. أما في الإسلام فقد شرع الله لأهل هذا الدين الاعتكاف، من أراد أن يتعبد فليتعبد في بيت من بيوت الله، يعتكف فيصلي مع المسلمين، لا تفوته هذه الفضيلة وهذا الواجب، ويحصل المقصود من الخلوة بربه، ومن كذلك ما يريد من الخير. وأما أن يظن أن هذا المسلك هو من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن هذا خطأ. بل هذا يعتبر إذا لازم عليه الإنسان من المحدثات في هذا الدين؛ لأنه منافي لسنته عليه الصلاة والسلام، سنته التي شرعها هي التي جاءت بها أدلة الكتاب والسنة من الاعتكاف في المساجد. هذا من ناحية شرعية. وكذلك هناك مفاسد أخرى قد تترتب على هذه الخلوة في الجبال ونحوها. وفيه من المسائل كذلك ما لا يؤاخذ عليه الإنسان من الخوف الفطري. فإن النبي صلى الله عليه وسلم عرض عليه الخوف، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الخوف خوف فطري، بل هو علامة الاعتدال والكمال في هذا الإنسان. ومثل هذا لا يؤاخذ عليه الإنسان. وفيه من المسائل كذلك معنى من معاني الحكمة في التعليم. فانظروا كيف نزل الوحي بشيء يسير، ثم شيئًا فشيئًا، حتى كان هذا الخير الذي جاء الله عز وجل به لهذه الأمة. وهكذا كذلك كل من فتح على نفسه وعلى غيره باب علم، فعليه أن يتدرج. ولهذا كان العالم الرباني هو الذي يحسن تربية من يعلم بتعليمه صغار العلم قبل كباره، ويتدرج بالعلم. فليس الشأن كل الشأن أن تسمع كثيرًا، ولكن كل الشأن أن يثبت عندك علم كثير. وكونك تأخذه جملة، هذا سبب لذهابه وفواته جملة. وفيه كذلك من معنى التعليم ما يكون من التنبيه. غطه النبي صلى الله عليه وسلم غطه جبريل عليه الصلاة والسلام غط النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة غطات، والمراد منها تهيئته لحفظ ما سيلقى عليه، حتى حفظ عليه الصلاة والسلام ما ألقي عليه. وكذلك في هذا الحديث من المسائل ما يستدل به من علامات الخير في معرفة خيرية الإنسان، كما قالت خديجة: «كلا والله، لا يخزيك الله أبدًا». وفيه كذلك ما تقرر في الشرع فضلًا عن غيره من الأدلة الأخرى الكثيرة التي تؤيده من حسن عاقبة أهل الصلاح في الدنيا وفي الآخرة. والناس لا يقولون ذلك بدين فقط، بل بحس وواقع علموه. فإنهم علموا أن من كان من المحسنين في الدنيا تكون له عاقبة حسنة، حتى ولو كانوا في الكفر. وهذا الكلام تقول خديجة، وهي لم تعرف الإسلام، ولا يزال الناس إلى يومنا هذا، حتى في أوساط الكفار، يرون أن عاقبة السوء تكون غالبًا لأهل السوء، وعاقبة الخير يوفق لها أهل الإحسان. وهذه سنة الله سبحانه وتعالى. وفي هذا دفع للمسلم أن يجتهد فيزداد ما علم من فضل هذا الدين، يزداد يقينًا وبصيرة بأن هذا من سنته الكونية، مع كونه من سنته الشرعية. فهي سنة شرعية، وكونية شرعية حث عليها الشرع، وكونية صار متقررًا عند الكفار، فضلًا عن غيرهم ممن عرف دين الإسلام. ولذلك كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «مصائب المؤمنين طاف، ومصائب الكافرين والمجرمين عقوبات». مصائب المؤمنين طاف، هذا معنى كلامه. ومصائب الكافرين والمجرمين عقوبات، يعني ترى من أثر المصيبة إذا أصابت المؤمن يكون فيها لطف من الله سبحانه وتعالى، بخلاف مصيبة الكافر والفاجر، فإنها تظهر للجميع أنها عقوبة، عقوبة من الله سبحانه وتعالى بشناعتها وعظيم أثرها. وفيه من المسائل كذلك أهمية المشورة، وأنه كما هو متقرر في الشرع، فقد جرى كذلك به معرفة الناس وأحوالهم. فمشورة ذوي الرأي ومن هو أهل لذلك يقرها الشرع ويأمر بها. بل الله عز وجل أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يشاور من هو أهل للمشورة، وشاورهم في الأمر. فإذا كان كذلك مع هذا الحديث ونظائر كثيرة، علما أن المسلم ينبغي عليه أن يجعل المشورة من أعظم ما يستعين به في دينه، وفي دنياه. وفيه من المسائل كذلك ما كان عليه بعض الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من الإيمان ومعرفة دين الله سبحانه وتعالى. وبأمثال هؤلاء قامت الحجة على بعض، وبه نعرف أن أهل الفترة، أي قبل النبي صلى الله عليه وسلم، ليس كلهم معذورون. بل منهم من المعذورين، ومنهم ليس من المعذورين. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل رجل عن أبيه، فقال: «أبي وأبوك في النار». وفي صحيح مسلم أنه استأذن أن يستغفر لأمه، فلم يأذن له، واستأذن أن يزور قبرها، فأذن له. فكان يزوره فيبكي عليه الصلاة والسلام، ويبكي من حوله صلى الله عليه وسلم. وهذا يدل أن بعض أهل الفترة قامت عليهم الحجة بأمثال هؤلاء. وقد صح أن ورقة بن نوفل ممن وفق من أهل الفترة. وهكذا كذلك فيه أن بعض أهل الكتاب كان على الحق وعرفه، ومنهم ورقة بن نوفل رحمه الله ورضي الله عنه، فإنه من هؤلاء الموفقين من أهل الكتاب. هذا ولم يبلغه كل الإسلام الذي بعث به النبي صلى الله عليه وسلم، لكن ظاهره أنه قبل الرسالة بالإجمال، وأنه تمنى أن يدرك اليوم الذي يبعث فيه فينصره نصرا مؤزرًا. وفيه أنه كان عنده علم من علم أهل الكتاب: أنه قد قرب خروج نبي، وأنه هو هذا النبي، أي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وفيه دليل كذلك على أنه كان يعلم أنه سيأتي بشريعة جديدة بعد شريعة موسى. ولهذا لم يذكر عيسى عليه الصلاة والسلام، وذكر موسى. ومثلها بعض الآيات التي فيها ذكر رسالة نبينا عليه الصلاة والسلام بعد رسالة موسى، كما قال الله عز وجل: ﴿من بعد موسى﴾ حين أخبر بخبر الجن. فقال أهل العلم: أي بعث بشريعة جديدة؛ لأن شريعة عيسى عليه الصلاة والسلام كانت مكملة لشريعة موسى، ولم تكن ناسخة لها، بخلاف شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم، فإنها ناسخة للشرائع التي قبلها جميعًا. فقد بعث بهذا القرآن المهيم لما قبله من الكتب التي أنزلها الله، والشرائع التي بعث بها الأنبياء والرسل. ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾، ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه﴾. وفي حديث عائشة دليل على سنة الله عز وجل الكونية من معادات الناس للرسل عليهم الصلاة والسلام. فالصراع بين أهل الحق والباطل قائم إلى يوم القيامة. وبه يعرف ويعلم أن معادات الناس لإنسان ما، ولو كانوا كثر، لا يعني ذلك أنه مخطئ وأنه على باطل. فهذه حقيقة شرعية وقدرية كونية، جاء الإشارة إليها في هذا الحديث. وليس معرفة الحق يكون بالكثرة، بل قال الله عز وجل: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾. وقال سبحانه: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾. وهكذا كذلك في حديث جابر بن عبد الله هذه المعاني، وفيها زيادة ما تقدم من رحمة الله عز وجل ورفقه بخلقه، وبرسوله صلى الله عليه وسلم خاصة: كيف ترفق الوحي في النزول، حتى كان هذا الخير. وكذلك فيه ما كان عليه نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم في تحصيله وجمعه لهذا الوحي والعلم، وكيف أن الله عز وجل علمه إياه حتى يسره له صلى الله عليه وسلم، مع أنه ليس بقارئ، يعني أمي. وهذه معجزة وآية ودليل من دلائل نبوة وصدق رسالة عليه الصلاة والسلام. فالناس جميعًا يعلمون أنه أمي، ومع ذلك بعث بهذه الرسالة العظيمة التي لا يطيقها أقرأ الناس، وكيف بمن هو قد علم أنه أمي؟ وفيه كذلك استمرار النبي صلى الله عليه وسلم بالمجاورة بعد ذلك، وكما مر معنا هذا في أول الإسلام. وأما سنة الإسلام فكما تقدم بالاعتكاف، وما كان بمعناه من المأذون المشروع. وفي قوله: «دثروني، وصبوا علي ماءً باردًا»، فيه كما أشار بعض الشراح: مشروعية إعانة الخائف والمروع بشيء مما يذهب عنه ذلك. ومن هذا أن يدفأ، ويصب عليه شيء من الماء البارد، يدفأ لتذهب رعدته، ويصب عليه شيء من الماء البارد، لكذلك يعينه على تهدئته مما هو فيه. ففيه شيء من الطب النبوي الذي أقره فعل النبي صلى الله عليه وسلم، مع ما ربما كان معلومًا عندهم. فبعض الطب النبوي كان مما قد علم، ولكنه أقر. وفي هذه الأحاديث كذلك هذه الصفات الطيبة التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم، إذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام حرص عليها قبل الإسلام، فكيف بالإسلام؟ فالإسلام يزيد من تأكيد ذلك، من صلة الأرحام، وإعانة المحتاجين، وكذلك إقراء الضيف، والإعانة في نوائب الحق، ونحو ذلك. هذا خلاصة ما يذكر في هذه الأحاديث، وبه نكتفي. والله تعالى أعلم.