الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 51، ألقاها
يناقش آراء متأخري الحنفية حول كلام الله تعالى ويبين حقيقة كلام الله وتعدد التعبيرات عنه. يؤكد أن الكتب السماوية من كلام الله حقيقة ولا يتناهى.
يشرح معنى كلام الله في المصحف وكيف أنه حقيقة في مختلف المواضع مثل الصدور والمصاحف. يوضح الفروق بين معاني مختلفة مثل خط الكاتب وكلام الله والقراءة والمقرؤ.
يشرح معنى القرآن ومراتب وجوده حيث يذكر أن القرآن مصدر يراد به القراءة أو المقروء. يوضح أن الحقائق لها وجود عيني وذهني ولفظي ورسمي.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الشارح رحمه الله تعالى: وكثير من متأخري الحنفية على أنه معنى واحد، والتعدد والتكثر والتجزء والتبعض حاصل في الدلالات لا في المدلول، وهذه العبارات مخلوقة، وسميت كلام الله لدلالتها عليه وتأديتها به، فإن عبر بالعربية فهو قرآن، وإن عبر بالعبرانية فهو توراة، فاختلفت العبارات للكلام، قالوا: وتسمى هذه العبارات كلام الله مجازًا. وهذا الكلام فاسد، فإن لازمه أن معنى قوله: ﴿ولا تقربوا الزنا﴾ هو معنى قوله: ﴿وأقيموا الصلاة﴾، ومعنى آية الكرسي هو معنى آية الدين، ومعنى سورة الإخلاص هو معنى ﴿تبت يدا أبي لهب﴾. وكلما تأمل الإنسان هذا القول، تبين له فساده، وعلم أنه مخالف لكلام السلف. قال رحمه الله تعالى: والحق أن التوراة والإنجيل والزبور والقرآن من كلام الله حقيقة، وكلام الله تعالى لا يتناهى، فإنه لم يزل يتكلم بما شاء إذا شاء كيف شاء، ولا يزال كذلك، قال تعالى: ﴿قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا﴾، وقال تعالى: ﴿ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم﴾. ولو كان ما في المصحف عبارة عن كلام الله وليس هو كلام الله، لما حرم على الجنب والمحدث مسه، ولو كان ما يقرأه القارئ ليس كلام الله، لما حرم على الجنب والمحدث قراءته، بل كلام الله محفوظ في الصدور، مقرؤ بالألسن، مكتوب في المصاحف، كما قال أبو حنيفة في الفقه الأكبر. وهو في هذه المواضع كلها حقيقة. قال رحمه الله تعالى: وإذا قيل: فيه خط فلان وكتابته، فهم منه معنى صحيح حقيقي. وإذا قيل: فيه مداد قد كتب به، فهم منه معنى صحيح حقيقي. وإذا قيل: المداد في المصحف، كانت الظرفية فيه غير الظرفية المفهومة من قول القائل: فيه السماوات والأرض، وفيه محمد وعيسى، ونحو ذلك. وهذان المعنيان مغايران لمعنى قول القائل: فيه خط فلان الكاتب. وهذه المعاني الثلاثة متغايرة لمعنى قول القائل: فيه كلام الله. ومن لم يتنبه للفروق بين هذه المعاني، ضل ولم يهتد للصواب. قال رحمه الله تعالى: وكذلك الفرق بين القراءة التي هي فعل القارئ، والمقرؤ الذي هو قول البارئ. من لم يهتدي له، فهو ضال أيضًا. قال رحمه الله تعالى: والقرآن في الأصل مصدر، فتارة يذكر ويراد به القراءة، قال تعالى: ﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودًا﴾، وقال صلى الله عليه وسلم: «زيِّنوا القرآن بأصواتكم». وتارة يذكر ويراد به المقروء، قال تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾، وقال تعالى: ﴿وإذا قرأ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف». قال رحمه الله تعالى: فالحقائق لها وجود عيني وذهني ولفظي ورسمي، ولكن الأعيان تعلم ثم تذكر ثم تكتب، فكتابتها في المصحف هي المرتبة الرابعة. وأما الكلام، فإنه ليس بينه وبين المصحف واسطة. قال رحمه الله تعالى: والفرق بين كونه في زبر الأولين، وبين كونه في رق منشور، أو لوح محفوظ، أو في كتاب مكنون. واضح، فقوله: «وإنه لفي زبر الأولين» أي ذكره ووصفه والإخبار عنه، كما أن محمدًا مكتوب عندهم، إذ القرآن أنزله الله على محمد، لم ينزله على غيره أصلا. ولهذا قال: في الزبر، ولم يقل: في الصحف، ولا في الرق؛ لأن الزبر جمع زبور، والزبر هو الكتابة. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.