التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 67

الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 67، ألقاها

التحذير من الخوض في سر الله تعالى في القدر

يعتبر أصل القدر سرا من أسرار الله تعالى في خلقه، ويحذر من التعمق والنظر في ذلك لما فيه من خطورة على الإيمان. يُبين أن الله تعالى لا يسأل عما يفعل، وأن السؤال بلماذا في مسائل القدر يعتبر بدعة.

مذهب أهل السنة والجماعة في القدر ومخالفتهم للقدرية والمعتزلة

يشرح مذهب أهل السنة والجماعة في أن كل شيء يحدث بقضاء الله وقدره، ويبين مخالفة القدرية والمعتزلة لهذا المذهب. ينتقد هذا الاعتقاد ويبين أنه يؤدي إلى نتيجة باطلة وهي أن مشيئة الكافر أقوى من مشيئة الله.

الفرق بين المشيئة والمحبة في الإرادة الإلهية وتطبيقاتها

يناقش الفرق بين المشيئة والمحبة في الإرادة الإلهية، مستدلاً بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية. يبرز الخلاف بين الجبرية والقدرية في فهم هذه المفاهيم ويوضح أن الله تعالى لا يحب كل ما يريده أو يقدره.

خاتمة وذكر الله تعالى

يتضمن ذكر الله تعالى وتسبيحه والاستغفار منه، حيث يبدأ بالتسبيح والحمد ثم الإقرار بوحدانية الله تعالى، ويختتم بالاستغفار والتوبة إليه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان وسلم الحرمان ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة، فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى في كتابه: ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾، فمن سأل لما فعل فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين. قال الشارح رحمه الله تعالى: أصل القدر سر الله في خلقه، وهو كونه أوجد وأفنى، وأفقر وأغنى، وأمات وأحيا، وأضل وهدى. قال علي رضي الله عنه وكرم وجهه: القدر سر الله فلا نكشفه. والنزاع بين الناس في مسألة القدر مشهور. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، الشيخ رحمه الله تعالى، الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى رجع إلى مسألة القضاء والقدر مرة ثانية، أو قل ثالثة، وكما مر معنا مرارا أن الطحاوي رحمه الله تعالى فرق مسائل القدر في عدة مواضع من عقيدته، وهذا منها. الأمر الثاني أنه قال في قوله: وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، بينا، الشارح رحمه الله تعالى هذا المعنى بقوله: قال هو كونه أوجد وأفنى، أي قد يقول قائل: لماذا أوجد الله جل وعلا ما أوجده من المخلوق، ثم أفناها. واضح، السؤال كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى في باب القضاء والقدر بلماذا بدعة، كالسؤال في باب صفات الله جل وعلا بالكيف بدعة، لماذا؟ لأنه خوض في شيء لا نعلمه، بل يوصلنا إلى محاذير وإلى مناه عظيمة وكبيرة، منها الشك في قدرة الله جل وعلا والطعن في قدرة الله جل وعلا، أو يدخل في الإنسان شيء من الوساوس والشكوك. قال: لا يسألون عما يفعل وهم يسألون، أجاب الله جل وعلا عن هذه التساؤلات كلها بقوله: لا يسألوا عما يفعل وهم يسألون، إذن باب السؤال بلماذا في باب القدر هذا ممنوع. مع علمنا علما يقينيا أن الله جل وعلا لا يفعل إلا ما هو في قمة الكمال ومنتهى، وأن الله جل وعلا حكم عدل يضع الأشياء في أماكنها المناسبة حكمة منه سبحانه وتعالى، وكذلك على حسب علمه الذي وسع كل شيء. فقوله رحمه الله تعالى: أصل القدر سر الله في خلقه، وكونه أوجد وأفنى، وأفقر وأغنى، وأمات وأحيا، وأضل وهدى، هو ما تقدم ذكره. قوله: قال علي كرم الله وجهه، هذه اللفظة واختصاص علي رضي الله عنه بها منتقدة، لأنها صارت شعارا للشيعة، ولا ينبغي لأهل السنة والجماعة أن يتكلموا بعبارات وألفاظ هي شعارات لأهل البدع والأهواء. قوله: والقدر سر الله فلا نكشفه، هذا الأثر لا يصح، جاء من طرق، ولكن الطرق إليه كلها ضعيفة لا تثبت. قوله: والنزاع بين الناس في مسألة القدر مشهور، والذي عليه أهل السنة والجماعة أن كل شيء بقضاء الله وقدره، وأن الله تعالى خالق أفعال العباد، قال تعالى: ﴿إن كل شيء خلقناه بقدر﴾، وقال تعالى: ﴿وخلق كل شيء فقدره تقديرا﴾. وأن الله تعالى يريد الكفر من الكافر ويشاؤه، ولا يرضاه ولا يحبه، فيشاؤه كونا ولا يرضاه دينا. معنى هذا أن مذهب أهل السنة والجماعة أن كل شيء وقع وحصل فهو بقضاء الله جل وعلا وقدره، فلا يخرج شيء عن كونه واقعا بقدر الله جل وعلا وبقضاء الله جل وعلا. وأن الله جل وعلا أراده كونا وإن لم يرده شرعا إن كان شرا، ويدخل في ذلك أفعال العباد، فأفعال العباد واقعة بقدر الله وبمشيئة الله سبحانه وتعالى. فالله جل وعلا خالق أفعال العباد، خالق أفعاله، خالق أفعال العباد، قال تعالى: ﴿إن كل شيء خلقناه بقدر﴾. قوله: وخالف في ذلك القدرية والمعتزلة، وزعموا أن الله شاء الإيمان من الكافر، ولكن الكافر شاء الكفر، فروا إلى هذا لألا يقولوا: شاء الكفر من الكافر وعذبه عليه. ولكن صاروا كالمستجير من الرمضاء بالنار، فإنهم هربوا من شيء فوقعوا فيما هو شر منه. قوله: والقدرية ظهرت في آخر زمن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، في زمن ابن عمر وابن عباس ومن كان موجودا في زمنهم رضي الله عنهم وأرضاهم. ويقال أن أول من نطق بالقدر رجل يقال له سوسا في العراق، رجل يقال له سوسا في العراق كان نصرانيا فأسلم فأظهر هذه المقالة، ثم تنصر، فأخذه عنه معبد الجهني، وأخذه عن معبد الجهني غيلان القدري. قوله: وزعموا أن الله شاء الإيمان من الكافر، قالوا: زعموا، وزعم كما يقول العلماء مطية الكذب، وغالبا ما تذكر أي لفظ زعم لكلام المشكوك فيه. قال: ففروا إلى هذا، وفي نسخة: فردوا إلى هذا، أي إلى أن مشيئة العبد أقوى من مشيئة الله. قوله: ولكن صاروا كالمستجير من الرمضاء بالنار، وهذا مثل لمن يهرب من شيء هو شر فيقع فيما هو أشد شرا منه. قال: فإنهم هربوا من شيء فوقعوا فيما هو شر منه، فإنه يلزم أن مشيئة الكافر غلبت مشيئة الله تعالى، فإن الله قد شاء الإيمان منه على قولهم، والكافر شاء الكفر فوقعت مشيئة الكافر دون مشيئة الله تعالى، وهذا من أقبح الاعتقاد، وهو قول لا دليل عليه، بل هو مخالف للدليل. وروينا لكافئ حديث بقية عن الأوزاعي قال: حدثنا العلاء بن الحجاج عن محمد بن عبيد المكي عن ابن عباس قال: قيل لابن عباس: إن رجلا قدم علينا يكذب بالقدر، فقال: دلوني عليه، وهو يومئذ قد عمي، فقالوا له: ما تصنع به؟ فقال: والذي نفسي بيده، لئن استمكنت منه لأعظن أنفه حتى أقطعه، ولئن وقعت رقبته بيدي لأدقنها، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كأني بنساء بني فهر يطفن بالخزرج، تصطفق ألياتهن مشركات، هذا أول شرك في الإسلام، والذي نفسي بيده لينتهين نبيهم سوء رأيهم حتى يخرجوا الله من أن يقدر الخير كما يخرجوه من أن يقدر الشر». قال الشيخ في الحاشية: قال بالفاء، وهم بطن من قيس غيلان، كما في الأنساب للسمعاني. وأما الحديث، أي قوله: قال فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كأني بنساء بني فهر إلى آخره، الحديث يقول الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في التحقيق: ضعيف، وذكر علته رحمه الله تعالى. وأما الأثر، أي قول ابن عباس رضي الله عنهما: دلوني عليه، قالوا: ما تصنع به؟ فقال: والذي نفسي بيده، لئن استمكنت منه لأعضن أنفه حتى أقطعه، هذا الأثر والأثر الثاني: ولئن وقعت رقبته بين يدي لأذقنها، هذين الأثران ثابتان عن ابن عباس رضي الله عنهما، وإن كان الحديث لم يثبت. قوله: وهذا أول شرك في الإسلام إلى آخره من كلام ابن عباس، وهذا يوافق قوله: القدر نظام التوحيد، فمن وحد الله وكذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده. قال العلامة الألباني: ضعيف موقوفا ومرفوعا، أي لا يصح الحديث لا موقوفا ولا مرفوعا، وهو كما قال رحمه الله تعالى. وروينا عن عمر بن الهيثم قال: خرجنا في سفينة وصحبنا فيها قدري ومجوسي، فقال القدري للمجوسي: أسلم، قال المجوسي: حتى يريد الله، فقال القدري: إن الله يريد، ولكن الشيطان لا يريد، قال المجوسي: أراد الله وأراد الشيطان فكان ما أراد الشيطان، فقال: فأنا مع أقواهما. الأثر رواه الفريابي والآجري وغيرهما، وسنده صحيح. ووقف أعرابي على حلقة فيها عمر بن عبيد، فقال: يا هؤلاء، إنا قتلت سرقت فادعوا الله أن يردها علي، فقال عمر بن عبيد: اللهم إنك لم ترد أن تسرق ناقته فسرقت فارددها عليه، فقال الأعرابي: لا حاجة لي في دعائك، قال: ولما قال: أخاف كما أراد أن لا تسرق فسرقت أن يريد أردها فلا ترد. الأثر رواه نبطه وغيره، ولكن بإسناد فيه بعض الرواة لا يعرفون. وقال رجل لأبي عصام القسطلاني: أرأيت إن منعني الهدى وأوردني الضلال ثم عذبني، أيكون منصفا؟ فقال له أبو عصام: إن يكون الهدى شيئا هو له، فله أن يعطيه من يشاء ويمنعه من يشاء. وأما الأدلة من الكتاب والسنة، فقد قال تعالى: ﴿ولو شينا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾، وقال تعالى: ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين﴾، وقال تعالى: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما﴾، وقال تعالى: ﴿من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم﴾، وقال تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضل الله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء﴾. ومن شاء الضلال، ومن التسوية بين المشيئة والإرادة وبين المحبة والرضا، فسوى بينهما الجبرية والقدرية، ثم اختلفوا، فقالت الجبرية: الكون كله بقضائه وقدره فيكون محبوبا مرضيا، فرد المحبة إلى المشيئة، فاستدلوا بالمشيئة على المحبة، فكل ما وقع فهو محبوب إلى الله. وقالت القدرية النفاة: ليست المعاصي محبوبة لله ولا مرضية له، فليست مقدرة ولا مقضية، فهي خارجة عن مشيئته وخلقه. وقد دل على الفرق بين المشيئة والمحبة الكتاب والسنة والفطرة الصحيحة. أما نصوص المشيئة والإرادة من الكتاب، فقد تقدم ذكر بعضها، وأما نصوص المحبة والرضا، فقال تعالى: ﴿والله لا يحب الفساد﴾، وقال تعالى: ﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾، وقال تعالى عقيب ما نهى عنه من الشرك والظلم والفواحش والكبر: ﴿كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها﴾. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله كره لكم ثلاثة: قيل وقال، وكثرت السؤال، وإضاعة المال». وفي المسند: «أن الله يحب أن يؤخذ برخصه، ما يكره أن تؤتى معصيته». وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك». فتأمل ذكر استعاذته بصفة الرضا من صفة السخط، وبفعل المعافات من فعل العقوبة، ثم ربط ذلك كله بذاته سبحانه، وأن ذلك كله راجع إليه وحده لا إلى غيره. فما أعظم هذه النصوص الواضحة الظاهرة الصريحة التي تبين لنا الفرق بين الإرادتين. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على