الدرس في التعليق على آداب المعلمين والمتعلمين للسعدي 16، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يؤكد العلامة السعدي على ضرورة عناية المعلم بمراجعة محفوظات الطلاب ومذاكرتهم شبهًا بسقي الغرس. كما يبين أن للصحبة في طلب العلم حقوقًا ثلاثة: حق الأخوة، وحق الصحبة، وحق الاحترام لاشتغالهم بالعلم النافع، محذرًا من إهمال توقير الزملاء كما يُوقّر المعلم.
يبيّن المقطع مكانة الصاحب بالجنب في آية الإحسان، مؤكداً حق أقران العلم والقرآن على الاحترام والتقدير. ويستعرض نموذج السلف في سلامة الصدور والثناء على الغائب، مستشهداً بثناء الحافظ ابن كثير على زميله ابن القيم وقربه من شيخ الإسلام ابن تيمية.
يضرب المتحدث مثال الإمام الذهبي في محبته لقرينه والثناء عليه رغم المنافسة الطبيعية، محذرًا من أن التنافس المفرط يجر إلى الحسد. ويؤكد أن الانتفاع بالأقران والأخذ عنهم دليل رجاحة العقل وسبب للنبوغ، مستشهدًا بقاعدة «لا ينبل الرجل حتى يأخذ عمن فوقه وعمن مثله وعمن دونه»، وأن الاستفادة من الزميل محل افتخار لا استصغار.
يؤكد المقطع على أهمية احترام الزملاء والأقران كخلق أساسي لطالب العلم، ويدعو الله أن يوفق الجميع للأدب الحسن والخلق الكريم. مختتماً بالصلاة على النبي محمد والحمد لله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه، وسراجًا منيرًا. أما بعد: قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في رسالته «آداب المعلمين والمتعلمين»: قال رحمه الله تعالى: «وينبغي تعاهد محفوظات المتعلمين ومعلوماتهم بالإعادة والامتحان، والحث على المذاكرة والمراجعة وتكرار الدرس». قال: «فإن التعلم بمنزلة الغرس للأشجار، والدرس والمذاكرة والإعادة بمنزلة السقي لها، وإزالة الأشياء المضرة لها لتنمو وتزداد على الدوام». وهنا شبه رحمه الله تعالى؛ شبه المعلم بالمزارع الفلاح الذي يغرس ويزرع، ثم يهتم بهذا الزرع وهذا الغرس. فالتعلم -قال- بمنزلة الغرس للأشجار، ومن غرس شيئًا فإنه عليه أن يهتم بما غرس، وإلا يبس وتذبل ثم تموت. وهكذا المعلم يعلم الطلاب، فينبغي أن يهتم بما يفيدهم وما ينفعهم، وما يوصل العلم لهم من ماذا؟ من المذاكرة والمراجعة. وكذلك أيضًا الاهتمام بحفظهم لهذا الدرس. وكذلك أيضًا قد يجعل بينه وبينهم أسئلة، فكل ذلك مما يعين على رسوخ العلم، وعلى ثبات الفوائد، وعلى ثبات الفوائد. قال رحمه الله تعالى: «وكما أن على المتعلم توقير معلمه والأدب معه» -أي كما سبق معنا في دروس سابقة- «فكذلك أقرانه في التعلم معه، عليه توقيرهم واحترامهم، عليه توقيرهم واحترامهم». قال: «فالصحبة في طلب العلم تجمع حقوقًا كثيرة؛ لأن لهم حق الأخوة، والصحبة في طلب العلم والصحبة، وحق الاحترام». إذن حقوق ثلاثة: الأول حق الأخوة، وثانيًا حق الصحبة، والثالث -قال- «وحق الاحترام لما قاموا به من الاشتغال بما ينفعهم وينفع الناس، وهو الانتماء إلى معلمهم، وأنهم بمنزلة أولاده». وطيب، وحق وحق لنفع بعضهم بعضًا. وإذا كانوا بمنزلة أولاده، فإن أحدهم بالنسبة لآخر سيكون بمنزلة الأخ لأخيه. وهذا يا إخوان أدب عظيم جدًا، لربما أهمله من أهمله من الناس. قد يحترم معلمه ويرى أن ذلك من حقه عليه، لكن لربما يقل احترامه لزميله الذي يجلس معه في الدرس، أو يسكن معه في السكن، أو يدرس معه في المركز، فلربما أهمل بعضهم هذا الأدب. وهذا الأدب، وربنا تبارك وتعالى لما أمر بيئة الإحسان في قوله عز وجل: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾. الصاحب بالجنب: فسرها بعضهم بالزوجة، وفسرها بعض آخر بأنه الجليس في الحضر والرفيق في السفر، والجليس في الحضر. ومن أولى الجلساء الذين ينبغي أن نقابلهم بالاحترام والتقدير والأخوة، هم من نجالسهم من أجل ميراث النبي صلى الله عليه وسلم، من نجالسهم على حفظ القرآن وتعليم السنة، وهكذا أيضًا دراسة العلوم والفنون الشرعية. فهؤلاء لهم حق عظيم علينا، لهم حق عظيم علينا. وكان السلف يا إخوان، ماذا يعظم أحدهم قرينه الذي لربما كان معه في عصر واحد، أو درس معه على شيخ واحد، أو نحو ذلك؟ فكان بعضهم يعظم ويحترم البعض الآخر من القرناء، ويجله مع سلامة قلبه له، والثناء عليه ولو في غيبته. نحن اليوم قد يحترم بعضنا البعض الآخر إذا كنا مجتمعين، فإذا غاب أحدنا عن أخيه قد تسول النفس لصاحبها أن يذكر ذلك الأخ الغائب بالسوء. السلف ما كانوا كذلك، كانوا يحترمون ويجلون بعضهم البعض الآخر مع سلامة القلوب، ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، وكذلك أيضًا الثناء عليه ولو في غيبته. وذكر العلماء بعض الأمثلة على ذلك، كالحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى، وهكذا الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى. هما قرينان، كلاهما تلميذ لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. ولما تكلم ابن كثير في «البداية والنهاية» عن زميله ابن القيم، ذكر يا إخوان ثناء عطرًا، ذكر ثناء عطرًا على ابن القيم رحمه الله تعالى. ومما ذكره: أنه لما رجع شيخنا من رحلته إلى الديار المصرية، كان ابن القيم رحمه الله -كان ابن القيم- من ألصق الناس به وأقرب الناس إليه، ولهذا ذكر أنه استفاد من علم شيخ الإسلام أكثر من غيره، وبرع وبرز في فنون كثيرة. والسبب في ذلك ماذا؟ قربه واحتكاكه من شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وهكذا ذكر ما عند ابن القيم من صفاء القلب وعدم الحسد، قال: «ما كان يحسد أحدًا»، وهكذا ذكر عنه أشياء كثيرة، رحمة الله عليهما. وهكذا ذكر عن الإمام الذهبي رحمه الله تعالى، الإمام الذهبي ذكر قرينًا له وهو الإمام عبد الله بن محمد المقدسي رحمه الله تعالى، وهما قرينان. فلما ترجم له الذهبي، ماذا قال الذهبي؟ قال: «وهو ممن أحبه في الله، وهو ممن أحبه في الله»، مع أنه قرينه وزميله. وغالبًا يا إخوان يحصل بين الأقران من التنافس، ولربما التنافس يزيد ويطغى عن حده حتى يصير إلى ماذا؟ التنافس إذا زاد عن حده يؤدي إلى ماذا؟ نعم، الحسد، يؤدي إلى الحسد. كلاهما زميل للآخر، هذا أبو العباس وهذا أبو محمد، فيذكر أبو العباس بحضرة أبي محمد ويثنى عليه: يحفظ القرآن، ويحفظ في «العمدة» و«رياض الصالحين»، وعنده ما شاء الله فائدة في النحو والصرف. هنا يا إخوان قد يجد الشيطان له موضعًا في النفوس الضعيفة، قد يأتي القرين ويقول: «أبغى نفسي منه»، أمس جاء المركز وعاده ضعيف، ما يحفظ كثير، وفهمه لربما أيضًا ضعيف، وكذا يبحث عن ماذا؟ مثالب وعيوب لدى قرينه، لماذا؟ لكي لا يقال: فلان أحسن منه وأفضل منه. لكن يا إخوان، من تمام الأدب أن الشخص يتأدب مع زميله ومع قرينه، فهذا من الأمور المهمة والأمور العظيمة. بل يا إخوان، ذكر أهل العلم قديما وحديثا أن الانتفاع بالأقران والزملاء يعتبر دليلًا على رجحان العقل، وهكذا أيضًا سببًا من أسباب النبوغ، وأن يكون بارزًا في العلم وتحصيله. ولهذا عبارتهم المشهورة: «أن لا ينبل الرجل حتى يأخذ عمن فوقه» -وهذا سهل، يأخذ عن أستاذه وشيخه عمن فوقه- «وعمن مثله» -وهذا قد يكون فيه شيء من الصعوبة- «وعمن دونه» -وهذه الأصعب، وهذه الأصعب-. لكن يا إخوان، السلف سطروا لنا مواقف عظيمة، ومن ذلكم رواية الأكابر عن الأصاغر، رواية الكبير عن الصغير، وهكذا أيضًا المدبج، وما روى كل قرين عن أخيه مدبج فاعرفه حقًا وانتخه. ما معنى «وانتخه»؟ أي من الانتخاء وهو الافتخار. لما تستفيد من زميلك ومن قرينك، هذا يا إخوان ليس محل حياء واستصغار، بل هو محل افتخار أنك ماذا؟ وفقت إلى هذا الأدب، ورزقت هذا الخير الذي قل من ينتفع به، قل من ينتفع به. فإذا ماذا؟ احترام الزملاء واحترام الأقران، هذا يعتبر من الأمور المهمة والآداب العظيمة التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم. أسأل المولى جل علاه أن يوفقنا لكل خير، وأن يصرف عنا كل شر وضير، وأن يرزقنا أدبًا وخلقًا حسنًا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم