الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 83، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع حديث ابن عباس عن الكبائر الثلاث: الشرك، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله، ويبين أن الكبائر محدودة بضابط العقوبة الخاصة وليست معدودة بعدد معين، مستدلاً بأقوال شيخ الإسلام ابن تيمية وأدلة من القرآن والسنة.
يشرح المقطع كبائر الذنوب الثلاثة المذكورة في حديث ابن مسعود: الشرك بالله، اليأس من روح الله، والأمن من مكر الله، ويبين أن النبي صلى الله عليه وسلم يجيب السائل حسب حاجته، مع تفريق بين القنوط واليأس.
يشرح المقطع الفرق بين اليأس من روح الله والقنوط من رحمة الله، ويستدل بآيات الأعراف والحجر والحديث النبوي على شدة الوعيد لمن أمن مكر الله أو قنط من رحمته، وأن ذلك من الكبائر الموجبة للخسران.
ينهي المتحدث الحلقة ويكتفي بما تم طرحه، مع شكر المشاهدين على المتابعة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الشيخ العلامة المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله: وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الكبائر، فقال: «الشرك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله». وقوله: «سئل عن الكبائر» يعني: قيل له: ما هي الكبائر؟ ما هي الكبائر؟ فعدد هذه الكبائر الثلاث. أولا: هذا الحديث رواه البزار والطبراني، وصححه العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، وهو إن شاء الله حديث ثابت، حديث ثابت. وأفادنا هذا الحديث أن الذنوب تنقسم إلى قسمين: إلى صغائر وكبائر، أو إلى كبائر وصغائر؛ لأنه قال: «سئل عن الكبائر»، فمعنى ذلك أن هناك صغائر. وهذا ما دل عليه القرآن، قال الله عز وجل: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾، قيل في تفسير اللمم: يعني الصغائر، يعني الصغائر فإنهم لا يسلمون منها. فإذن أفاد هذا الحديث أن من الذنوب ما هي كبائر وصغائر. واختلف العلماء: هل الكبائر معدودة أو محدودة؟ وما الفرق بين التعبيرين؟ الفرق بين التعبيرين: أن المحدودة... أن المعدودة معنى أنها وردت بعدد معين، مثلاً: مئة، مئتين، ثلاثمئة، هذا معنى معدودة. وأما محدودة: أنها لم ترد بعدد معين، وإنما يوضع لها ضابط، فكل ما دخل تحت هذا الضابط فهو من الكبائر. ولذلك الصحيح من أقوال أهل العلم أن الكبائر محدودة وليست معدودة، فيجعل لها حداً، فأي ذنب دخل في هذا الحد فهو من الكبائر. لذلك عرف شيخ الإسلام ابن تيمية الكبائر بأنه: كل ما رتب عليه عقوبة خاصة، سواء كانت في الدنيا أو الآخرة. فيشمل ما توعد فيه بالنار، قيل أن هذا مثلاً في النار كقوله: «ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار»، قال العلماء: هذه كبيرة، هذه كبيرة. أو قوله: «صنفان من أمتي لم أرهما»، وذكر: «نساء كاسيات عاريات»، وهذا فيه كذلك وعد. وهكذا: «إنهما لا يعذبان ويعذبان في كبير، أما أحدهما فيمشي بين الناس بالنميمة، وأما الآخر فلا يستبرأ من بوله»، فأثبت العقوبة الخاصة. أو ورد فيه لعن: «لعن الله من ذبح لغير الله»، «لعن الله من لعن والديه»، أيضاً يدخل في العقوبة. أو بلفظ: «ليس منا»، «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية». قالوا: هذا أيضاً من الكبائر. فكل ما رتب عليه عقوبة خاصة، سواء كانت في الدنيا أو في الآخرة، فهذا يكون كبيراً من كبائر الذنوب. وكل ما لم يرد فيه شيء من ذلك فهو من الصغائر، كمثال النظر، أو مثلاً اللمس، أو نحو ذلك من صغائر الذنوب. طيب، وهنا ذكر النبي عليه الصلاة والسلام ثلاثاً من الكبائر، فهل هذا الحديث يدل على الحصر؟ لا، لا يدل على الحصر، وإنما يدل على المثال. وقد يقول قائل: لماذا عين النبي عليه الصلاة والسلام هذه الثلاث ولم يذكر غيرها؟ وهذا قد تكرر معنا كثيراً، أن الأحاديث تجد السؤال واحداً والجواب يختلف في ذكر مثلاً الكبائر، أو في ذكر مثلاً أحب الأعمال، أو في ذكر الوصية. فهذا يحمل على أن النبي عليه الصلاة والسلام يجيب السائل على حسب ما يحتاج إليه، فكأن النبي عليه الصلاة والسلام علم من هذا الرجل أنه عنده شيء من اليأس من روح الله، أو من الأمن من مكر الله، فأجابه على حسب ما يناسبه، أجابه على حسب ما يناسبه. فهمنا هذا الآن. فذكر له أولاً: الشرك بالله، ويشمل هذا الشرك في الألوهية أو الربوبية أو الأسماء والصفات، وهو أن تجعل لله نداً شريكاً في ألوهيته أو ربوبيته أو أسمائه وصفاته. هذا أكبر الكبائر وأعظم الذنوب، كما تقدم معنا. وذكر: اليأس من روح الله. واليأس هو فقد الرجاء، فيفقد الرجاء بالله سبحانه وتعالى، فيقنط ويأس أن يرحمه الله، أو أن يحقق الله له مراده. ومعنى روح الله: الروح هو قريب من معنى الرحمة، ومراد به هنا الفرج والتنفيس، ويراد به هنا الفرج والتنفيس. فمعنى اليأس من روح الله: يعني اليأس من رحمة الله التي بها يفرج وينفس عن ذلكم العبد. متى ما رجى الله وعلق قلبه بالله سبحانه وتعالى، هذا هو معنى اليأس من روح الله. وهذا هو وجه الشاهد من إراد هذا الحديث، ففي هذا الحديث ماذا؟ في هذه القطعة ماذا؟ الخوف أو الرجاء؟ اليأس من روح الله هذا فيه الخوف، لا يعني اليأس من روح الله بمعنى أنه... نعم، يعني غلب الخوف، غلب الخوف وترك الرجاء، يأس من رحمة الله، يعني لم يرجُ رحمة الله، ففيه ترك الرجاء. طيب، وقوله: الأمن من مكر الله، فيه ترك ماذا؟ الخوف. ولذلك فسر هنا الأمن من مكر الله: بأن يعصي الله مع استدراجه بالنعم. الله عز وجل يمده بالنعم الظاهرة والباطنة، وهو مقيم على معصيته، يرزقه ويشفيه ويمده بكثير من النعم، وهو لا يصلي، وهو لا يبر بوالديه، وهو لا يذكر الله، وهو لا يتقرب إلى الله. الله ينزل عليه من نعمه وخيره وهو يعصي، وهو يعصي الله سبحانه وتعالى. هذا أمن من مكر الله، لم يخف من سخط الله ومن عقوبة الله. فالحديث مطابق تماماً للترجمة، وللآيات المتقدمة، أو للآيتين المتقدمتين. واضح؟ هذا هو وجه الشاهد من إيرادي هذا الحديث. قال: وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله. رواه عبد الرزاق. وهذا موقوف على ابن عباس... وعلى ابن مسعود، وهو مطابق لحديث ابن عباس. فهذا أثر عن ابن مسعود، أثر بمعنى يسمى حديثاً موقوفاً، والحديث الموقوف هو ما قاله الصحابي أو ما نسب إلى الصحابي، والمرفوع ما نسب إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وزاد هنا الجمع بين القنوط من رحمة الله واليأس من روح الله. ففسر القنوط من رحمة الله في هذا الأثر: أن يستبعد رحمة الله، ويستبعد حصول المطلوب، يستبعد رحمة الله ويستبعد حصول المطلوب. فالقنوط هنا بهذا المعنى. واليأس من روح الله يراد به في هذا الموضع: أن يستبعد الإنسان زوال المكروه، فيخص اليأس هنا بزوال المكروه، والقنوط من استبعاد رحمة الله واستبعاد حصول المطلوب، وهي بمعنى متقارب، بمعنى متقارب. ففي حديث ابن عباس ذكر اليأس من روح الله، لا ذكر القنوط، فيشمل اليأس هنا القنوط كذلك، فهو عام في حصول المطلوب وزوال المكروه. فإذا مجتمع هنا: يراد بالقنوط حصول المطلوب، ويراد باليأس زوال المكروه. واضح هذا الآن؟ ففي الأول يستبعد حصول المطلوب، وفي الثاني يستبعد زوال المكروه، زوال المكروه. إلا أن هذا الأثر هو بمعنى حديث ابن عباس، ووجه الشاهد منه: الأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله، وهم بمعنى متقارب. قال: فيه مسائل: الأولى: تفسير آية الأعراف، وهي قوله: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾. وعرفنا ما معنى المكر، وما معنى أمن مكر الله، وهي: الله يوصف بالمكر. كل ذلك تقدم معنا في الدرس الماضي في الكلام على هذه الآية، بما أغنى عن الإعادة. الثانية: تفسير آية الحجر، وآية الحجر هي: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾. وعرفنا معنى هذه الآية، ومعنى القنوط، ووجه الشاهد من هذه الآية. الثالثة: شدة الوعيد في من أمن مكر الله، وهذا يؤخذ من الآية والحديث. فشدة الوعيد في من أمن مكر الله يؤخذ من الآية الأولى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾. ما هو الوعيد لمن أمن مكر الله؟ أنه خاسر. وكذلك إنكار الله عز وجل عليه بالسؤال أو الاستفهام الاستنكاري. فقلنا في هذه الآية: ذم الأمن من مكر الله من وجهين: الوجه الأول: السؤال الاستنكاري أو الاستفهام الاستنكاري، والوجه الثاني: أن الله سبحانه وتعالى حصر الخسارة في من يأمن مكر الله، لأن الخسارة جاءت هنا بالحصر، فـ «لا» هنا نافية وإلا مثبتة، والنفي لما يأتي بعده الإثبات يفيد الحصر. فالحصر له صيغتان: إما نفي بعده إثبات، وإما بأداة «إنما» التي تفيد الحصر. وهذا الآن... وأما أيضاً تأخذ من الحديث، تأخذ من الحديث في قوله: «والأمن من مكر الله»، «والأمن من مكر الله»، ففيه الوعيد في من أمن مكر الله. وهذا الوعيد هو ماذا؟ أن ذلك الفعل من الكبائر، أن ذلك الفعل من ماذا؟ من الكبائر. إذ لما سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الكبائر ذكر أن من هذه الكبائر: «والأمن من مكر الله». واضح هذا الآن؟ الرابعة: شدة الوعيد في القنوط، وهذا أيضاً يأخذ من الآية الثانية في قوله: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾. وأين يأخذ شدة عقوبة أو الوعيد في القنوط؟ أن من يقنط من رحمة ربه فهو ضال تائه، فهو ضال تائه، قد فقد الهداية. لأننا ذكرنا أن الضال هو فاقد الهداية، والتائه الذي لا يدري ما يجب لله، الذي لا يدري ما يجب لله. وأما أيضاً يأخذ من الحديث في قوله: «واليأس من روح الله»، فاليأس من روح الله فيه شدة الوعيد في القنوط، وأنه من الكبائر، وأنه من الكبائر. هذا هو معنى قوله: شدة الوعيد في القنوط. بهذا نكتفي، وإلى هنا، والله تعالى، شكراً للمشاهدة.